بسم الله الرحمن الرحيم

 

أيها الرئيس حذار من السقوط!

 

بقلم : منير محمد الغضبان

لقد كنت أستمع إليك بكل جوارحي في مقابلتك مع الجزيرة , واسمح لي أن أقول لك ببساطة وبصراحة : بمقدار ما أحييت الأمل  بحديثك عن السياسة الخارجية والتي استغرقت الوقت كله تقريباً, فقد خيبت الأمل بالنسبة للسياسة الداخلية التي لم تنل من وقتك أكثر من دقائق , أنت رئيس نعم , ولكنك بشر كذلك , وما لم تكن النصيحة صريحة فلن تزيدك إلا إمعاناً في السير في الطريق الآخر , طريق الطغاة , وما أحبه لك

قرابة أربع سنين , وتنتظر الأمة ما وعدتها به , الرأي الآخر , وصدقتك في بداية الأمر حيث سرت على الطريق الصحيح , وخلال أشهر من حكمك تفتح الربيع وولدت الأمة. وراح عشب الرأي الأخضر يملأ الحقل , وتكلم العشرات , ثم المائة , ثم الألف من كل أطياف الأمة  ,مجمعون رغم الاختلاف فيما بينهم في آرائهم السياسية , والمذهبية والدينية وانتماءاتهم العرقية , والحزبية , مجمعون على شيء واحد , نريد الحرية , ورأى الشعب نفسه على وشك أن يزهر الربيع وتعشوشب الأرض، فبعد الألف من المثقفين ,ستفتح السجون , وتفتح الحدود , ويلتئم شمل الشعب المشرد , وتكون العافية , ويخرج الثمر , ويعود الأمر لنصابه من الحزب إلى الشعب , فإذا من حولك يقفون أمامك كالغول .

 قف .. لو ملك الشعب أمره لخسرت رئاستك , وصدقت المنافقين , وصدقت الطغاة حولك , وأوقفت مطر الحرية , لييبس العشب , ويسقط الورق , ويذبل الزهر , ويمضي ربيع سورية إلى غير رجعة, فحولوك عن طريق الشعب وحريته إلى طريق الطغيان وسطوته , ومضيت بعيداً بعيداً ممعنا في طريق الطغاة الذين زينوا لك ذلك حتى رأيناك بعد أربع سنوات تستهزئ بهذا الربيع الذي صنعته , وتقول للمذيع : ربيع دمشق , نحن في ربيع , نحن في شهر أيار .؟

مهلاً يا سيادة الرئيس , فالشعوب لا يستهزئ بها , والحرية ليس فضلاً منك وكرماً تعطيها متى تشاء وتحرمها متى تشاء .

نعم يقولون لك : إنك اليوم البطل القائد الملهم , فأنت مخترع طريق التطوير لا التغيير ..

 وبدأت الألقاب والشارات التي يصنع بها الطغاة تطلق من حولك , وإذا أنت في هذا اللقاء بعد أن استهزأت بالحرية التي أعطيتها لشعبك  لأشهر قليلة , إذا بك تعلن الخط الثاني من خطوط الطغيان

 ما هي جريمة دعاة الحرية ؟ إنهم يريدون تغيير النظام , هذه الجريمة التي يحاكم من يؤمن بها ويحكم بالإعدام , على شاكلة الإخوان المسلمين الذين من ينتسب إليهم يحكم بالإعدام .

فإذن النظام قائم كما أعلنت , الحرية موجودة , ورحت تعلمنا درساً في السياسة عن المجتمع المدني

 ما هو المجتمع المدني؟ مجلس شعب؟ حكومة؟ منظمات خيرية؟ أحزاب؟ هذا كله موجود عندنا فإذا سورية سبقت أمريكا وأوربا في الديمقراطية , عندهم حزبان أو ثلاثة , و عندنا ثمانية أحزاب , الجبهة التقدمية, وأحزابها (المتآكلة من البعث) , والتصحيح يمكن أن يتسع , والحزب هو القائد , والأمة هي المقودة، ومن حيث الواقع مجموعة طغاة باسم الحزب , و عبيد يقادون لا حق لهم بالحكم, فهم رعاع.

هكذا كنا نسمع زمن والدك خلال الثلاثين عاما ؛ وأنت على النهج ؛ فتغيير النظام جريمة  لأنه يعني تغيير الطغاة الحاكمين ؛ وتغيير الأبالسة المجرمين الذين يتحكمون بأقوات الشعوب.

وهذا هو النبأ السعيد الثاني الذي أعلنته لشعبك ؛ نحن ماضون في التطوير والتحديث ؛  أما التغيير فلا، معلنا : "إنا وجدنا آباءنا على أمة ؛ وإنا على آثارهم مقتدون"

 وثالثة الأثافي  التي شهدناها  في مقابلتك الأخيرة وأنت تدلف إلى السنة الرابعة في حكمك .

دجل الطغاة على شعوبهم ، "فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين "

هكذا يُصنع الطغاة يا سيادة الرئيس .فمن حوله يزينون ، ويمدحون ، ويثنون، ويتمسحون بالأعتاب ويقدمون التقارير , الأمن مستتب , لقد قضينا على كل أصوات المعارضة وقضينا على الرأي الآخر ؛ والشعب كله وراءك يهتف باسمك  ؛ ويفديك بحياته ؛ وأنت أمله أنت معقد رجائه ؛ حتى الإخوان المسلمون ، المعارضة الكبرى انتهت ؛ لقد دخلت أكثر قياداتهم إلى البلد ؛ والطريق مفتوح لدخول بقية القيادات ؛ ولا تصدق كل ما يقال عن المؤتمرات في الخارج  للمعارضة والإسلاميين؛ فقد استسلموا ؛ وهم يعيشون آمنين في رغد العيش .. وأنت صدّقت دجل هؤلاء الأبالسة ؛ وأعلنت أن القنوات مفتوحة ؛ وطريق الحرية آمن ؛ وأنت تعرف أنك لم تفرج إلا عن بضع مئات من بضع آلاف من السجون ؛ وتعرف كيف يعامل هؤلاء المئات المفرج عنهم ؛ على أنهم أدنى البشر فلا حق لهم إلا في الطعام والشراب ؛ وعليهم أن يتقدموا من  أجهزة أمنك كل شهر , ويعلنوا الولاء للقائد والنظام ، ومئات الألوف في الخارج الذين أصدرت قرارا  مرة باعتبارهم مواطنين بشرا وأنهم لهم الحق في جواز سفر يثبت آدميتهم , ثم (لحَسَت) أجهزة أمنك هذا القرار ودرسته, ودفنته , والدنيا كلها تقول من حولك: الكون تغير ، والدول تغيرت , والأنظمة الشمولية تغيرت والدكتاتوريات في العالم العربي سقطت ، وانظر من حولك , لم يبق إلا نظامك الذي يمضي في تأليه  الفرد  بطل التطوير والتحديث  والقائد الملهم الذي جاء قدراً لهذه الأمة ليقود مسيرتها واللقب الحديد له : ضمير الأمة , صدقت من حولك وكذّبتَ نفسك والخطر يدهمك , والعدو من حولك يريد أن يبتلعك ويبتلع نظامك ، ويبتلع الأرض التي تقف عليها ؛ وتصرخ لا تغيير من الخارج ؛ قبلنا ذلك منك على الرأس والعين . لكن لماذا صرخت بعد أربع سنين من حكمك , وفي مقابلتك مع الجزيرة لا تغيير من الداخل ؟؟؟ ورميت وراء ظهرك أصوات المعارضة كلها التي قلت مرة عنها إنها معارضة شريفة  تريد الحرية ولها مطالب , وأنا مع كل مطالبها , ما بالك اليوم تنسخها وتتناساها معلنا أن كل شيء على ما يرام .

يا سيادة الرئيس : نقول لك بصراحة ؛ لقد أعلنت في مقابلتك الأخيرة أنك اخترت الطريق الآخر طريق الطغاة ؛ ولم تختر الرأي الآخر ، رأي المخلصين من أبناء شعبك ، طريق الحرية والديمقراطية ؛ للأمة كلها وللشعب كله ؛ ومن أجل هذا نذكرك قبل أن لا تستطيع العودة ، وقبل أن تصبح رهين الأزلام حولك وتصدقهم أن الإصلاح هو إطعام لجائعين وهاك ما يقوله الجائعون عن إصلاحاتك :

0مفاجأة إحصاءات مكتب التشغيل                                                        

مليون طالب للعمل وتوظيف 71 ألفا فقط خلال ثلاثة سنوات ، بهذه الهمة ستنتهي البطالة بعد 41 عاما في المحافظات و 165 عاما في الساحل .

بلغ مجموع المسجلين في مكاتب التشغيل  لكل المحافظات حتى بداية شباط الماضي (990459) أي حوالي المليون طالب للعمل أما مجموع من تم ترشيحهم إلى الوظيفة منذ بدء العمل بمكاتب       التشغيل فقد بلغ (152247)  ومن ثم تعيينهم فعليا (71222) فقط طبعا خلال ثلاث سنوات ويشكل هذا الرقم نسبة 7% من مجموع طالبي العمل ، وبناءا عليه فإن الدولة تؤمن سنويا حوالي 24 ألف فرصة عمل جديدة فقط بنسبة 5% من مجموع طالبي العمل الذين يسجلون في مكاتب التشغيل ؛ وإذا استمرت وتيرة التوظيف للسنوات القادمة وفق السنوات الثلاث الماضية فإن مستقبل العمل قاتم جدا جدا )

صحيفة تشرين 5/5 // 2004

أذكّرُك قبل أن لا تنفع الذكرى هلم إلى الطريق الصحيح , وهلم بشعبك إلى ربيعه , ودع زمهريره وشتاءه وصقيعه , فلقد طفح الكيل وآن للشعب بعد نصف قرن من حياته أن يكون صاحب الكلمة الأولى والأخيرة في مصيره .

 أذكرك أخيراً بمنهجين:

 منهج الطغاة : الذي يختصر الأمة في فرد , فسورية الأسد أباً وابناً , وهوهو منهج فرعون : "ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد ".

ومنهج القرآن : فهذا سيد ولد آدم محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم , وخير من طلعت عليه الشمس، ورسول رب العالمين إلى الإنسانية كلها حتى قيام الساعة, لم يعطه الله تعالى الفضل له وحده على كل ما ذكرت لك، إنما قال جل من قائل عن عبده ونبيه محمد صلى الله عليه وسلم :

 " محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم ...."

فالذين معه  شركاء في الفضل , وهم الذين رباهم ليكونوا قادة الأرض , وكان الحديث عن المؤمنين والمؤمنات أكثر من الحديث عن رسول رب العالمين الذي جاءت الهداية وجاء النور عن طريقه وباصطفاء الله له .

 مهلاً يا قائد التطوير والتحديث : هلم إلى منهج القرآن

وحتى لا تقول لي قد كلفتك شططا , فهلم إلى منهج البشر , إلى منهج الحرية والديمقراطية المستقى في كثير من فضائله من منهج النبوة أياً كان آخذوه , فعندما يريد بوش أن يقدم نفسه لأمته في أمريكا انه بطل الحرب على الإرهاب يُدعى ليحاكم ويحقق معه  ممن معه ؛ من الكونغرس , بأنك قصرت , ولو اجتهدت مع أجهزة أمنك لأمكن تلافي أحداث 11 أيلول .

وهاهو يلهث ويتسكع من مدينة إلى مدينة ليقنع شعبه أنه صادق , وهو على كف عفريت , فقد كذب على شعبه وقادهم إلى حرب بحجة أسلحة الدمار الشامل . فكذبه شعبه وكذبته المؤسسات .

وهاهو يقاد ثانية للمحاكمة حين يزعم أنه جاء لحقوق الإنسان في العراق , وقد انتهكتها قواته فيها , فتجرى له المحاكمة الثانية ولوزير دفاعه , أربع سنين يا سيادة الرئيس لا أربعين سنة جعل أمريكا أعظم قوة في العالم , وهو عاجز عن تمديد سنة خامسة , فلماذا اخترت بعد أربع سنين أن تعلن للدنيا أنك القائد ولنظامك الخلود  وبيدك المصير ؛ لأنك تحمل راية التحديث والتطوير ؟؟

أدعوك إلى منهج النبوة ؛ رمز الكرامة والحرية في الأرض للإنسان أدعوك إلى منهج الحرية الماضي على درب هذا المنهج كما وصف النبي صلى الله عليه وسلم الروم بذلك : وامنعهم من ظلم الملوك .

وإذا سقطتّ فسنمضي في هذا المجال إن شاء الله في منع ظلم الملوك حتى نلقى الله على ذلك  (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون دونه أولياء ثم لا تنصرون )

هلم إلى شعبك ، ودع زبانيتك ، فأخوك من صدقك لا من صدقك ، وما أصغر الطغاة على الله