حديث المقاهي في دمشق وحلب

الطاهر إبراهيم*

التجاذب السياسي بين الإدارة الأمريكية والنظام السوري، يعطي فكرة واضحة بعض الشيء للمراقبين السياسيين ،كل حسب فهمه، عن الأجندة التي تحكم تحرك طرفي هذا التجاذب. ولكن هناك طرفا ثالثا بالتأكيد لم يضعه أي من الطرفين في حسابه،وهو الشعب السوري، لم يحاول أي من الطرفين أن يسأله عن موقفه من حيثيات هذا التجاذب التي يروجها كل منهما لدعم موقفه، مع أن ساحة التجاذب هي سورية وطن كل السوريين.

موقف أمريكا من إهمال الشعب السوري مفهوم،لأنها أعطت لنفسها الحق في التدخل في كل بقعة من أصقاع المعمورة، دون أن تعير اهتماما لرأي الحكومات والشعوب.

 ولكن الذي لم يكن مفهوما هو إهمال النظام السوري لدور الشعب السوري، الذي تزعم أبواق إعلامه أن هذا النظام يستمد الشرعية من تأييد الشعب له. وقد بقيت دكاكين النضال البعثية (الإذاعة والتلفزيون،واليتيمات الثلاث .. البعث والثورة وتشرين) على مدى أربعة عقود تضخ في عقول الأجيال نضالاتها الإذاعية، وتزعم بأن صوتها المرتفع إعلاميا إنما جاء من مكانة هذا الشعب الرفيعة!.

 وقد يصرخ في وجهك مسؤول عقائدي في حزب البعث قائلا لك، كيف تسوي بين الطرفين ،نظام الحكم وأمريكا؟ وقد يزيد أكثر فيتهمك بالانبطاحية، والانهزامية والخيانة  والعمالة (لمن ؟ وكل الناس يعرفون البئر وغطاءه)،وبكل المرادفات التي ملأبها الإعلام البعثي قاموسه الوطني،على مدى أربعين سنة!. وبالجملة فإنك قد انسلخت ،بموقفك هذا، عن قضية الوطن المصيرية؟

على طاولة في مقهى "الحجاز" في دمشق، جلست إلى محدثي المخضرم "أبو جاسم"،وهو رجل ثمانيني شارك في حرب "الجلاء" عن فرنسا،حتى يجلو هذا الإبهام الذي حير عقول الناس من هذا الانقلاب في المواقف بين النظام السوري وإدارة "بوش"، وهم يعلمون أن العلاقة بين الطرفين "سمن على عسل"، ليس فقط من خلال التنسيق الأمني بعد أحداث 11 أيلول 2001، بل من يوم دخل الجيش السوري إلى لبنان بموافقة ومباركة أمريكية.

ومع علمي بأنه يحب أن يمتع نظره في حركة المارة أمام المقهى على موسيقى "قرقرة الأركيلة"، ولا يحب أن يقطع عليه أحد هذا الجو الذي يغمس نفسه فيه ساعات ما بعد صلاة العشاء إلى قريب من منتصف الليل. اعتدلت في جلستي علامة على أن عندي ما أقوله، فنظر نحوي وقال هات ما عندك.

وبدون مقدمات قلت له، لقد ربحت سورية الجولة ضد أمريكا، التي نفد صبرها ولم تجد إلا سلاحها الأخير وهو بدء تطبيق قانون"محاسبة سورية وتحرير لبنان"،بعد أن لم تستطع أن تحمل سورية على تنفيذ ما تريده منها.قال وما دليلك أيها السياسي الخطير،على أن أمريكا فعلت ذلك مرغمة؟

ولأنه لا يحب إيراد الأدلة بالتقسيط بدأت مرافعتي فقلت:

إن أمريكا تعلم أن النظام السوري ما يزال لاعبا أساسيا في المنطقة، وأن هناك الكثير من الأوراق ما زال يمسك بها ويستطيع أن يناور بها ويقايض عليها في بازار الأخذ والعطاء السياسي، وكلها أوراق أساسية عند أمريكا،كما زعم اللواء "بهجت سليمان" المسؤول في المخابرات العسكرية في مقاله الذي نشرته "النهار" البيروتية في 15 أيار من عام 2003 ..ومنها على سبيل المثال لا الحصر، ورقة المنظمات الفلسطينية العشرة المحكومة في حركتها للنظام السوري، بحكم كونها تقيم على أرض سورية.ولطالما كبحت سورية جماحها تطبيقا لاتفاق "جنتلمان" غير مكتوب مع أمريكا في مقابل سكوت أمريكا عن الوجود السوري في لبنان، الذي هو أيضا مصلحة مشتركة بين الطرفين. كما أنه ،ونكاية بأمريكا، فقد تخفف سورية الضغط على هذه الفصائل، فتزيد في إزعاج إسرائيل.وهناك ورقة لبنان وفيه حزب الله، الورقة الأشد خطورة على إسرائيل،ولطالما وجهت أمريكا اللوم لدمشق لأنها لا تكبح ،بما فيه الكفاية، جماح هذا الحزب. وهناك ورقة الجولان التي ،وإن كانت سورية لا تستطيع شن حرب تقليدية على إسرائيل لاستردادها والثأر من هزيمة البعث في حزيران من عام 1967،إلا أن سورية يمكنها تسليح شباب الجولان، الذين يتوقون لتحرير جولانهم العزيز. ولا تنس ورقة المعارضة السورية التي أشاد بها الرئيس بشار الأسد في مقابلته الأخيرة مع "نيويورك تايمز"، في ديسمبر من العام 2003،( أشار إليها أيضا اللواء بهجت سليمان في مقاله آنف الذكر) في إشارة إلى إصلاح ذات البين معها، وهو ما يشكل خطرا على نفوذ أمريكا في المنطقة و..و.. وهنا وضع

محدثي "قمجة الأركيلة" جانبا واعتدل في جلسته، طالبا من النادل فنجان قهوة سادة، وحدق في وجهي إيذانا منه بأنه قد سمع مني ما يكفي ويريد أن يفند ما قلت.

قال محدثي:إنك ياصاحبي ما زلت تحبو في ميدان السياسة. فكل هذه الأوراق التي ذكرت قد فقدت صلاحيتها وأصبحت لا قيمة لها عند أمريكا، بل صارت عبئا على سورية، بعد أن صارتا جارتين بعد سقوط بغداد. ونتيجة لذلك فقد غدت سورية جزيرة صغيرة داخل البحر الأمريكي. فهي جارة لها على طول حدودها الشرقية. ودمشق على بعد أقل من ثلاثين كيلومترا عن مدافع إسرائيل في قمة جبل الشيخ المحتلة منذ حزيران 1967.

كما أن قادة المنظمات الفلسطينية أصبحوا لا يتحركون داخل سورية إلا بمقدار، وهم الآن بحاجة لحماية سورية خوفا من قيام الموساد باغتيالهم، كما جاء في الأخبار مؤخرا. كما أن عمق لبنان لا يتسع لطلقة مدفع من البوارج الأمريكية في عرض البحر المتوسط. ولعل أمريكا  عن قصد، تركت لبنان لسورية، تخففا من مشاكل طوائفه المتعددة، وربما حفاظا على خيط رفيع من الود مع فرنسا صاحبة الامتياز الأقدم في لبنان. وأما "حزب الله" فهو ليس أغلى على أمريكا من سنة العراق وشيعته، التي جربت فيهم مختلف صنوف الذخيرة التي كانت قد وضعتها قيد التنسيق لو لم تجد شعبا كالعراق تدمر فيه هذه الأسلحة ،أو تجرب فيه أسلحتها الحديثة، ومن ثم تقبض الثمن من نفط العراق.

أما تركيا الجار الشمالي، فلا ترغب ولا تستطيع أن تمد يد المساعدة لسورية، لأنها في حلف واحد –الأطلسي- مع أمريكا، كما أنها تخاف على حكومتها من ضواري العسكر الذين ينتظرون مجرد الإشارة من أمريكا .أما الأردن فليس بوسعه أن يقدم لسورية ما لم يستطع أن يقدمه للعراق عند اجتياح أمريكا له.

وهنا تناول أبو جاسم "القمجة" مرة ثانية، بعد أن أحضر النادل جمرة ووضعها فوق تنباك الأركيلة العجمي، وسحب نفسا طويلا وشرد بنظره، فلم أدعه يذهب بعيدا، وسألته:

إذن ما الذي تريده أمريكا من سورية، إذا كانت تلك الأوراق قد أصبحت "أوراق صر سندويش" حسبما فهمت من سياق تحليلك للموقف؟ وقبل أن يسترسل بالجواب استدركت متابعا: وما هي إذن الأهداف التي تنشدها إدارة بوش، طالما أن نظام حزب البعث ،وعلى  مدى أكثر من ثلاثة عقود، لم يقطع التنسيق والتعاون مع أمريكا؟ أو ليس

وقوف الجيش السوري عام 1991 تحت راية الجيش الأمريكي في الحرب ضد العراق شاهدا على هذا التعاون؟ وما التنسيق الأمني بين أجهزة الأمن السورية وبين وكالة المخابرات المركزية بعد أحداث 11 أيلول سبتمبر، منا ببعيد.

نظر نحوي نظرة المستخف بما عندي قائلا: ألا تجيد قراءة الأحداث أم أن خوفك على دمشق من مصير كمصير بغداد قد أفقدك بعد النظر؟

قواعد اللعبة ،يا صاحبي، كلها تغيرت بعد أن نجحت أمريكا بتحطيم دولة ذات ثقل عربي كالعراق، وتحويلها إلى مدن متناثرة لاتجد الطعام والماء، ولا حتى الأمن بعد أن كان مستتبا، ولو من خلال القهر والبطش.

 فأعضاء مجلس الحكم يتنافسون بينهم، من يجلس قريبا من سيد العراق الحالي "بريمر" ومن يحظى منه بالتفاتة أكثر من غيره. والجيش العراقي الذي قصف في يوم من الأيام أحياء تل أبيب، تم شطبه من المعادلة، وسيعاد تشكيله من جديد ليكون نسقا أولا يحمي استثمارات أمريكا في العراق. والشرطة ستكون في خدمة القمع لا في خدمة الشعب. وكما حصل مع العلم العراقي المقترح، فلا يُستغرب في ظل هكذا وضع أن يصبح النشيد الرسمي "كوكتيلا" من الكلمات تستوعب التنافر الأثني والمذهبي الذي يحتويه "كوكتيل مجلس الحكم"، بعد أن نزعوا عن العراق صفة العروبة في نص الدستور المؤقت، الذي سيتحول إلى دستور دائم بقدرة السفير "نيغروبنتي" القادم إلى العراق خلفا لبريمر.

أمريكا ،يا صاحبي، تعمل لتدمير كل الكيانات التي يمكن أن تهدد إسرائيل في حال تغير الحكم فيها في غفلة من مخابراتها المركزية. لذا فهي لن تقبل من نظام الحكم السوري بأقل مما حصل في العراق، إما طوعا بأن يكيف النظام السوري نفسه على نسق يتناسب مع ما آل إليه أمر العراق ، أو بصورة أخرى تتم بانقلاب أبيض يقوم به أحد أعمدة الحكم، حيث يطبخ سيناريو التغيير على نار هادئة. وما اتهامات "جورج بوش" و"كولن باول"، عن أسلحة دمار شامل سورية مزعومة، وعن تسرب مقاتلين عرب من خلال الحدود السورية مع العراق و..إلا بضاعة للاستهلاك الصحفي، أو كما يقال في المثل الدارج "على عيني وعينك يا تاجر".

 

الأمر أصعب مما يظن أركان النظام. فحتى لو قبل النظام بما تطلبه أمريكا منه، فلن يعفي ذلك سورية وشعبها ونظامها من كارثة الأجندة الأمريكية، تماما كما كان معروفا للجميع بأنه لن ينقذ العراق قبول صدام لمطالب الإذعان التي أعلنها بوش عشية قصف العراق في 19 آذار من العام الماضي،حيث قال "إن على صدام أن يرحل هو وأولاده". فالاجتياح كان سيتم ببقاء صدام أو رحيله.

بعض الذين أدمنوا البقاء في مناصبهم لأكثر من 35 عاما، ما يزال يدفن رأسه في رمال الأمل الكاذب. وربما يأمل بحصوله على جائزة ترضية،وهي نفيه طوعا إلى دول مجاورة أو أوروبية قريبا من البنوك التي أودع فيها الملايين والمليارات التي سرقها من قوت الشعب. ونسي أن الأجندة الأمريكية المعتمدة هي الاجتثاث، لاعتقاد أمريكا أن نظام حكم البعث قد استنفد الغرض الذي من أجله مكن له في الحكم. ولا يستبعد أن يكون "البنتاغون" منهمكا الآن في طباعة أوراق "الكوتشينة" السورية.

 هذا الكلام ليس نوعا من التشفي، لأن الداهية أعظم من أن يجد أي سوري في نفسه مكانا للتشفي ممن تسببوا في الكارثة الوطنية. وهاهي عمليات التفجير اليومية التي تقتل المئات في العراق بشكل شبه يومي ماثلة للعيان، وهي يقينا من سيناريو أجنبي (أمريكي أو إسرائيلي،أو مشترك). ومن هو الذي يجد في نفسه عندها مكانا لشعور بالتشفي، إذا كان القتل يحصد الجميع.

وهنا التفت نحوي محدثي "أبو جاسم" ليفاجأ بحبات العرق البارد تسيل على وجهي، من هول المشهد الذي رسمه في نفسي قاصدا أو عن غير قصد.

قلت بصوت شبه هامس: أو يعرف رموز النظام هذا السيناريو الذي يُعدّ في واشنطن؟

قال لقد فقد النظام بوصلة الاتجاه السياسي بعد أن عاش ثلاثة عقود من التنسيق مع أمريكا أمنيا وسياسيا. وما يزال هذا النظام يراهن على سيناريو لم يعد موجودا إلا في مخيلة رموز النظام. فهم يعتقدون (أن قانون محاسبة سورية، إنما هو نوع من الترهيب النفسي لا أكثر، للحصول على تنازلات سورية أكثر، وأن مصلحة أمريكا ما زالت مع حزب البعث، بعد أن أجمع الطيف المعارض السوري على رفض أي تنسيق مع أمريكا ضد نظام الحكم). وهذا يا صاحبي كله وهم أملٍ كاذب يعيش فيه حزب البعث، طاردا عن خياله المصير الأسود الذي ينتظر الجميع.

قلت لمحدثي: ولكن قول وزير الخارجية "الشرع" بعد لقاء الرئيس بشار الأسد مع "كولن باول" في أيار من العام الماضي :"إن ما تطلبه أمريكا فوق الطاقة والتصور"..ألا يعني أن القيادة السورية أو بعضها مدركة لما تدبره لها أمريكا؟.

قال ليس المهم أن تدرك ما يخبأ لك فقط، بل أن تسعى لامتلاك الوسائل التي تتفوق على هذا المخبأ أو تحيده على الأقل.   

أحسست بأن محدثي قد أوثقني بحبل طوله أكثر من عشرين مترا، وألقاني في بئر عميق. فناديته من قاع البئر وما المخرج يا عمنا إذن؟ قال ليس هناك من مخرج إلا أن يقف نظام حزب البعث ولو لمرة واحدة وقفة صدق مع نفسه ومع الشعب السوري، ويقولها بفعله قبل إعلامه:"بيدي لا بيد يابوش".

 قلت أفصح.

قال إذا أدرك حزب البعث أنه سيؤكل كما أكل الثور الأبيض، وأنه الآن، هو وباقي فصائل الشعب السوري ومؤسسات المجتمع المدني في خندق واحد في موجهة أمريكا، التي تستهدف المنطقة بأكملها، فعليه أن يدعو الشعب السوري لانتخاب جمعية تأسيسية،  -انتخابا حقيقيا- تضع دستورا لكل السوريين، وليس لحزب البعث فقط ،وتشكل حكومة، كالحكومة التي كان فيها يوسف العظمة وزيرا للدفاع، عندما خرج مع جنده إلى سهل "ميسلون" غرب دمشق، لمقابلة جيش "غورو" الذي جاء غازيا سورية في عام 1920. ولم يكن على صدر "يوسف العظمة"  الأوسمة والنياشين التي تزين صدور وزراء الدفاع الحاليين، وإنما كان في صدره قلب يخفق بحب سورية. صحيح أن فرنسا دخلت دمشق، ولكنها دخلتها بعد أن استشهد يوسف العظمة هو ومعظم جنده، وهو ما لم يحدث مع أي وزير للدفاع في الهزائم التي لحقت الجيش السوري في عهد حكومات حزب البعث المتعاقبة.  

فإذا أدرك النظام هذا المعنى وتخلى عن احتكار السلطة،فعندها فقط سيقف الشعب في وجه عدوان أمريكا، وعندها فقط سيكون هناك معنى للمقولة الشعبية "طاب الموت يا عرب".

*كاتب سوري عضو مؤسس في رابطة أدباء الشام