جدوى الإصلاح التدريجي والتغييرات الهادئة!

tootcham@scs-net

 

كلما استشرى الفساد في سورية، وعم الظلم.. وتعالت أصوات الناس بالشكوى من بيروقراطية وعسف وجور يلتهم الزمن كله والوطن كله... وجدنا من يقول لنا بلهجة الناصح الرزين، العارف ببواطن الأمور: انتظروا ولا تيأسوا.. فالإصلاح قائم، والتطوير قادم!

كلما كوفئ الفاسدون على فسادهم، ورقي الفاشلون في الإدارة والإعلام والسياحة والاقتصاد إلى مناصب أعلى، واستشرس المتحكمون بمقادير مؤسسات ائتمنوا عليها، في ممارسة المحسوبيات وإصدار القرارات التعسفية، التي لا من يحاسب عليها، ولا من يلجم أصحاب الأقلام الخضراء على ما تنشره من يباس في حياتنا.. وجدنا من يهدأ من روعنا، ويشحذ هممنا بابتسامته الواثقة، ونبرته العميقة القرار، مطالبا بألا نستعجل، وألا نستبق الأمور.. فكل شيء سيتم إصلاحه، لكن الإصلاح سيكون تدريجيا، والتغييرات ستأتي هادئة!

والآن.. وقد طفح بنا الكيل، وضاق بنا الخناق، ونحن نرى إلى أعمارنا تتسرب كقبضة رمل من بين أصابعنا، وإلى انتظارنا يغدو عقابا أمنياً كالذي يمارس على بعض المراجعين في فروع الأمن.. يحق لنا أن نتساءل: أي إصلاح تدريجي هذا.. وأي تغيير هادئ يعدوننا به؟!

 سنفترض حسن النية سلفا، ولن نقف في صف المتشككين الذين يعتبرون مثل هذه الوعود مجرد مماطلة وتسويف كاذب من سلطة مراوغة، بل سنفترض أن هناك بالفعل ليس نوايا حسنة فقط، بل أفعال حسنة أيضا، لتيار إصلاحي يعمل بصمت ودأب وتركيز.. ولكن تعالوا نستعرض معطيات وحيثيات هذا الإصلاح بجداوله الزمنية المفتوحة على بطئ لا حدود له، وثبات لا راد لقضائه!

يعدنا الإصلاح التدريجي، بفساد يستعيد عافيته تدريجيا أيضا.. فالإصلاح التدريجي أثبت على مدى السنوات الأربع الماضية، أنه أعطى لأصحاب المصالح، وللمتضررين من المشروع الإصلاحي، الفرصة تلو الأخرى، لكي يلتفوا على طروحات الإصلاح، ويستوعبوا مراحله السلحفاتية على طريقة امتصاص الصدمة وتحويلها إلى قوة جديدة.. وهكذا بدا هذا الإصلاح مثل الدواء الضعيف الفعالية الذي لا يتناسب مع قوة وشراسة المرض.. إذ أتاح على الدوام الفرصة أمام فيروسات الجسم المريض، أن تتكيف مع تلك المضادات المحدودة الفعالية، أمام فساد أنتج آليات ثابتة ذات فعالية عالية في إنهاك جسد المجتمع وإفقاره وشل قواه!

يعدنا الإصلاح التدريجي أيضا، بفقدان الأمل التدريجي، وباليأس التدريجي، أمام قوى لا تحترم العدالة، ولا ترعى حق المواطن في خيرات بلده، ولا تقيم وزنا لمدى شعور الإنسان بالغربة داخل وطنه.. بينما قوى الفساد تسرح وتمرح، دون أن يطال الإصلاح التدريجي حتى ذيولها وأذنابها وأبسط مصالحها!

سوء ائتمان السلطة، السرقة، الرشاوى، السخرية السافرة من استنجاد المواطن بالقانون، ودعوته المستمرة لأن ينطح رأسه بالحائط أو يشرب البحر أمام مدراء يديرون بعض مؤسسات الوطن باعتبارها إقطاعيات مقسمة وفق تحالفات أمنية، وبمرأى من كل السلطات المختصة التي لا تحرك ساكنا، ولا تثير نخوتها صرخة مظلوم في وجه مسؤول جائر.. كل هذا يحيا حياة طبيعية الآن  مع مشروع الإصلاح التدريجي، مستعيرا شعاراته النبيلة، من أجل المتاجرة غير النبيلة بالوطن وقيمه ومصالحه! 

وبالآلية نفسها تسير وعود التغييرات الهادئة، ويتبخر أثر ما تحقق منها وما لم يتحقق في حياتنا.. فالتغييرات الهادئة التي تتناسب مع مجتمعات سليمة ومعافاة ومع واقع مستقر ومتوازن له مؤسساته الراسخة، تتحول مع واقع مأزوم ومنهك ويحتاج إلى تغييرات جذرية عميقة، إلى مراوحة في المكان، يستغلها المستفيدون من معادلات الوضع القائم، والمتضررون من أي تغيير.. في مناوراتهم الالتفافية، التي يغيرون فيها أساليبهم وخطاباتهم، لكي يعرقلوا التغيير الحقيقي، ويحاصروا قرارات التغيير في دائرة شكلية ضيقة، تستنفذ كل أثر يمكن أن تحدثه تلك التغييرات على أرض الواقع!

والتغييرات الهادئة، بحسن نية أشد وأكثر وضوحا، لا تأخذ بعين الاعتبار عامل السباق مع الزمن، باعتباره أحد المعايير الأساسية، لتلمس أثر أي تغيير على أرض الواقع.. فهذه التغييرات الهادئة، التي تنظر إلى الزمن  نظرة مترفة ومترفعة، لا تأخذ بعين الاعتبار ما ينشده وما يحتاجه الناس الذين لن يهبهم الله سبحانه وتعالى فرصة الخلود والعيش إلى الأبد بالتأكيد..  لكي يروا تلك التغييرات وقد اكتملت وتحققت!

 وهذه التغييرات الهادئة، التي تسير الهوينا وهي ُتدرس وتمحص أمنياً واقتصادياً وإعلامياً واستراتيجياً ومرحلياً وداخلياً وخارجياً، تحكم علينا بالتخلف الزمني المطلق على الدوام.. لأن ما نطالب به الآن، قد لا يتحقق سوى بعد خمس أو عشر سنوات.. أي أننا نحصل باستمرار على مطالب قديمة، تجاوزها الزمن، وصارت بالنسبة للآخرين: من مخلفات العصر، رغم أننا نصورها لمواطنينا دائما على أنها منجز من منجزات سورية الحديثة!

وبهذا المنطق يصبح بث خبر عن شأن محلي حار في إعلامنا، مدعاة للفخر والتباهي والمن على مواطنينا، رغم أنه كان يجب أن يكون سياسة إعلامية مفتوحة منذ عشرين عاما على الأقل، ورغم أن تغطية المحطات الأخرى للخبر نفسه، (غير المحلي بالنسبة لها) أكثر إثارة للاهتمام، وأكثر حرفية بما لا يقاس.. بالمنجز المتواضع الذي فرحنا به، واعتبرناه بطولة وتقدماً وإنجازاً.. بينما الآخرون يسبقوننا بأميال!

وهكذا سنظل نلوك تغييراتنا البطيئة والهادئة، فيما الزمن الذي يسابقنا، يجعل منها (لا تغييرات) بل تخلفاً مهنياً وحضارياً يستحق الرثاء والشفقة، كما تستحق أعمارنا الضائعة الشفقة أيضا على تقدم يزداد بعدا عن مطامحنا وأحلامنا، ونحرم من أن ننظر إليه نظرة واثقة، من دون أن نتلفت حولنا، لنتأكد إن كان الآخرون يضحكون على تخلفنا المزمن أم... لا!

وثمة من سيذكرنا، ونحن نستعرض مآسي التغييرات الهادئة تلك، وكوارث الإصلاح التدريجي (المسحوب خيره) بأن صعود السلم لا يكون إلا درجة.. درجة، وبأن مسيرة الألف ميل تبدأ بخطوة، وبأن المهم هو البداية، فمن لا يبدأ.. لا يصل، ونحن على الدرب سائرون!

ونحن كأي أناس لا يجدون ضررا من مثل هذا المقولات المتفائلة والمتحمسة، قد نؤمن بهذه الأفكار ونحترمها، لو كنا نشعر أننا نصعد السلم حقا، ولو كان الواقع الملموس يؤكد لنا أن السلم ليس معلقا في الفراغ، وأن مسيرة الألف ميل التي نملك أن نقطعها بسيارة حديثة تطوي المسافات الشاسعة بزمن نحتاج أن نستغله في إعادة البناء، لا يجب أن نقطعها سيرا على الأقدام، فنهلك وتنقطع أنفاسنا، ويسبقنا الزمن، من دون طائل أو مبرر أو جدوى، سوى الخوف التاريخي الواهم من تجربة البيروسترويكا في الاتحاد السوفيتي غير المأسوف عليه، الذي كان اتهام البيروسترويكا بتدميره هو الزور والبهتان بعينه، فما دمر الاتحاد السوفييتي هو الفساد الداخلي والاستبداد.. ومصير أي دولة مستبدة هو السقوط، ما لم تعي دروس التاريخ وتتحول نحو التغييرات الحقيقة التي يفرضها الواقع والزمن والتي تحمي الوطن وتضمن سلامته!

وهكذا فإذا كان ناتج قوة الإصلاح والتغيير، يساوي ناتج قوة المماطلة والتسويف والممانعة من القوى المتضررة من الإصلاح، فإن المحصلة ستكون صفرا بالتأكيد.. هذا بحساب الحركة وتعادل القوى، أما بحساب الزمن.. فإن الناتج سيكون، تراجعا تحت الصفر باستمرار، وخسارة محققة بامتياز!

يحتاج الإصلاح المجدي إلى حرب شاملة على الفساد، ويستلزم التغيير المعافى وقائع وأفعال تسابق الزمن، وتقطع خط الرجعة سريعا على كل المستفيدين من بقاء الوضع القائم على ما هو عليه، بكل ما يكفل لهم من مصالح وامتيازات  وتجاوزات تفلت من المحاسبة، وتهزأ بالقانون والمستنجدين به.

يحتاج التغيير إلى ثقة صاحب القرار المطلقة بمن يطالبونه بالتغيير، وإلى احترام حقوق كل المتضررين من اللاتغيير باعبتارها حقوق مواطنين يجب أن تصان في بلدهم بعيدا عن أي اعتبارات أو شعارات مرحلية مراوغة، أما التغيير الذي تتهم فيه السلطة مواطنها، بأنه يريد استغلال رغبات التغيير بدوافع انتهازية، ثم تنكص عن وعودها، بحجة أن هناك من يريد التشويش على مسيرة الإصلاح والنهوض.. فهو تغيير خلبي يفضح نوايا من أطلقوا شعاراته، أكثر من أن يدين المواطن المقموع المقهور الذي يبحث عن الخلاص، بطرق سلمية مشروعة، ثم لا يسلم – ويا للأسف- من تهمة الانتهازية رغم السند القانوني لحقوقه وآلامه، وجدارتها في الاعتبارات الإنسانية والوطنية!