إعلان وليس مقالاً

صحفي سوري يعرض كليته للتبرع مقابل مكافأة مجزية

بقلم : حكم البابا

    بداية أرجو من الصحيفة التي ستنشر كلامي هذا اعتباره إعلاناً وليس مقالاً ، لسبب سأمضي في شرحه لاحقاً ، وعلى هذا الأساس فأنا لن أتقاضى أي أجر عنه ، ولو حاولت الصحيفة التي ستقرؤون على صفحاتها إعلاني هذا مجاملتي بطريقة ما ، فأنا على استعداد لقبول مجاملة من نوع عدم دفع أجرة نشر هذا الاعلان ، وشكر هذه المجاملة بكل جوارحي ، أما لو حاولت الصحيفة تقديم إعلاني على أنه مقال فانها ستضعني في موقف لايحسدني أحد عليه وتتسبب في إلحاق الأذى به ، ولهذا قصة سأبدؤها من نهايتها حتى أخفف دهشة الزبون ( وليس القارئ على اعتبار أن هذا إعلاناً وليس مقالاً ) . فقد قررت أنا الصحفي السوري حكم البابا ( زمرة دمي A+ ) التبرع بكليتي مقابل مكافأة مجزية تساعدني على تسيير أمور حياتي ، لأن راتبي الشهري مع تعويض التدفئة والتعويض الصحفي يبلغ 7691 ليرة سورية شهريا ( مايعادل 148 دولارا )، فإذا اقتطعت منه 4000 ليرة سورية ( 77 دولار ) أدفعها قسطاً شهرياً لقرض سابق ، فسيبقى لدي 3691 ليرة سورية ( 70 دولار ) علي أن أتدبر أمري لكي أعيش بها شهرا كاملا ،وربما كان من الممكن أن أعيش بمثل هذا المبلغ في إحدى حالتين إما أن يعود الزمن إلى مرحلة الستينات وعندها _ بهذا الراتب الشهري _ يمكن تصنيفي بين أثرياء سورية ، أو أن أكون برّياً مثل طيب الذكر طرزان وساعتها ستعني لي ورقة شجرة أكثر مما تعنيه كل هذه الأوراق النقدية ، لأن الأولى تؤكل على الأقل ! ولكن بما أننا في عام 2003 ، وبما أنني لست طرزاناً ، ولأني أدفع كمصاريف نافلة شهريا 2500 ليرة سورية بدل كهرباء تمتعني بمشاهدة المحطات الفضائية ،وبالانتعاش ببرودة المكيف ،وبماء ساخن للاستحمام ، وبرؤية حروفي مطبوعة على الكومبيوتر وسواها من الميزات ، وأدفع 2500 ليرة سورية فاتورة للموبايل ، ومثلها للتلفون العادي ، و 1000 ليرة رسوم استخدام للانترنيت ، و3000 ليرة بنزينا لسيارتي الفوكس القديمة في مشاوير ذهابي وعودتي فقط من وإلى الجريدة التي أعمل بها ، و2000 ليرة للصحف والمجلات التي أقرؤها ، و2000 ليرة ثمنا للسجائر التي لاأستطيع الاقلاع عن تدخينها ، مما يجعل مجموع هذه المصاريف الشهرية النافلة مايعادل 298 دولار ، هذا دون حساب لمصاريف الأكل والشرب وشراء ملابس  أو عدة كتب أو دعوة صديق إلى غداء ، أو مشوار أنزّه به روحي ، أو شتى أنواع المصاريف الاستهلاكية التي تهدر المال والوقت والحياة كما يُتفّهها الرفاق الشيوعيين . وكرمى لعيون هذه المصاريف وغيرها فأنا مصر على التبرع بكليتي مقابل مكافأة مجزية بجد ، وأنا أظن من خلال شرحي السابق لظروفي أني سأجد زبونا لعرضي سيقبل تبرعي بالكلية التي ربما لن يكون بحاجة إليها ،إنما سيزرعها في جسمه على سبيل الاحتياط لمجرد أن يقدم لي المكافأة المجزية ، لكني أتوقع منه سؤالاً سأجيب عنه الآن قبل أن يطرحه علي بالشكل التالي : ولكن كيف كنت تعيش قبل عرض كليتك للتبرع مقابل مكافأة مجزية ؟ وهو ماينقلني للشق الثاني الجوهري من شرحي للمشكلة وأجيب ..

     كنت أعمل مرة في الصحافة ، ومرة في كتابة السيناريو ، ومرة في إعداد برامج تلفزيونية ، وسأسبق السؤال البدهي التالي للزبون عن سبب عدم مزاولتي لأي من هذه الأنواع الكتابية الآن ،لأجيب : كان هذا قبل 19/8/2003 ، وهو التاريخ الذي أصدر فيه وزير الاعلام السوري تعميمه رقم 162 إلى المؤسسات الاعلامية الذي يمنع الصحفيين السوريين بمزاولة أعمال أخرى بجانب عملهم ، ولاسيما في مجال العمل الصحفي ، وشمل منعه ( الكتابة كوظيفة أو بالقطعة أو بالاستكتاب أو بالمراسلة أو بإصدار مطبوعة أو المشاركة في إدارة مطبوعة أو هيئة تحريرها ، أو الكتابة أو النشر في أية مطبوعة أو جهة إعلامية مقروءة أو مكتوبة أو مسموعة ..إلخ ) كما جاء في تعميمه بالحرف ، وذلك بدون موافقة مسبقة منه ، مذكراً بالمادة 65 من قانون العاملين في سورية التي تحظر الجمع بين وظيفتين ، دون أن تقارب أصحاب المهن الفكرية والابداعية أو النشر الصحفي الذي لايعتبر بأي حال من الأحوال جمعاً بين وظيفتين ، لكن السيد الوزير أراد ضم كل أشكال التعامل بالكتابة ، في محاولة لضبط مايكتب بربط موافقة الكتابه به شخصياً ، ولهذا السبب أكدت منذ البداية أنني أعتبر كلامي هذا إعلاناً هو من حقي وليس مقالاً أعاقب عليه ، ولهذا أيضا سيخف الحضور الثقافي والصحفي السوري في المنابر العربية في الفترة القادمة كما أعتقد في حال تم تطبيق نص هذا التعميم ، وسيصبح الصحفي والكاتب السوري يعيش داخل قوقعته ، لايسمع له صوت في عالم رحب مشرع الأبواب والنوافذ ، ونتحول إلى غيتو مغلق لايسمع منه إلا الصوت الذي لايعتبره السيد وزير الاعلام نشازاً ! وسيحتاج نشر ديوان الشعر والرواية والمسلسل التلفزيوني إلى موافقة قد لاتأتي ، ولربما تتهم بالهرطقة ونعود إلى عصور محاكم القرون الوسطى ، إلاّ في حال تركنا لعملنا في المؤسسات الاعلامية السورية كصحفيين سوريين وهو كما يبدو أحد أهداف تعميم وزير الاعلام  . ولأني أمتثل لتعميم وزير الاعلام ، وكوني لاأتقن مهنة أخرى غير الكتابة أقتات منها ، سأفضل السيء على الأسوأ ، فبدلا من تنفيذ حكم الاعدام بنفسي الذي يقرره التعميم المذكور ، سأتبرع بكليتي وأمشي أموري بمكافأتها المجزية .

     ولأني أعتقد بأنني قد أقابل ربما زبونا نبيها لكليتي المعروضة للتبرع ، لايخلو من الفضول ، سأجيبه على السؤال الأخير الذي من الممكن أن يطرحه علي عن الحل التالي لمشكلتي التي ستنشأ بعد صرف المكافأة المجزية ، بقولي : ساعتها سأبحث عن عضو جديد من أعضاء جسمي أعرضه للتبرع مقابل مكافأة مجزية أخرى : العين ، الرئة ، القلب ، وربما العقل في حال استمرت الأمور كما هي عليه في تعميم وزير الاعلام  ، أو .. ربما يكون الحل حكومة اصلاحية موعودة ننتظرها  بفارغ فارغ الصبر !!

    أخيراً أتمنى على الصحيفة التي ستنشر إعلاني إرفاقه بصورة من الأرشيف لكلية بشرية في محاولة لجذب انتباه زبون ما يخلصني من الأعباء التي ألقاها تعميم وزير الاعلام على حياتي اليومية ، وفي حال وفاتي أثناء عملية تبرعي بالكلية ، أطلب ضم إعلاني هذا إلى ملف التحقيق بموتي ، حتى لاتقيّد الحادثة ضد مجهول .