أربعون عاما تحت حالة الطوارئ

د. حبيب حداد

أربعون عاما انقضت حتى الآن على إعادة فرض وتقنين حالة الطوارئ في سوريا وذلك من خلال ما سمى بقانون الأحكام العرفية الذي صدر في اليوم الأول الذي أعقب انقلاب الثامن من آذار عام 1963 , وهكذا عاش شعب طوال هذه الحقبة وما يزال تحت كابوس الخوف والإرهاب وفى حالة من الشلل والاغتراب منذ اغتصبت السلطة الحاكمة وارداته وغيبت دوره وصادرت حقوقه في بناء حاضره وتقرير مستقبله.

إن تطبيق حالة الطوراىء يجد المسوغ المشروع والمبرر القانوني في دساتير مختلف الدول الديمقراطية في ظروف محددة واستثنائية تتعين أساسا في تعرض الدولة لعدوان خارجي أو عند تهديد استقلالها وأمنها الوطني وترفع حالة الطوارئ فور زوال تلك الأسباب الموجبة التي استدعت تطبيقها –وهذا ما كان يحصل في سوريا غالبا منذ استقلالها عام 1946- غير إن نظام الأحكام العرفية في بلادنا اصبح ومنذ أربعة  عقود وحتى الآن الحالة الاعتيادية التي يحياها المجتمع السوري باعتبارها السمة المميزة والدائمة لطبيعة نظام الاستبداد الشمولي الذي تحكم بمصير البلاد والعباد وظل على الدوام سيف القهر المسلط على الدولة والمواطن والمجتمع.

ولكي ندرك بصورة ملموسة مدى التشوه الذي أصاب مختلف بنى المجتمع السوري الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية نتيجة استمرار هذا الوضع الشاذ علينا إن نمعن النظر ونعمل الفكر في تحديد الظروف والشروط التي ينشأ فيها الرأسمالي الحقيقي لآي مجتمع وأداة كل تنمية وتطور فإذا كان من المعروف إن منوال عمر الشخص في بلادنا يترواح ما بين 60-65 سنة فذلك يعنى بكل وضوح إن اكثر من 70% من شعبنا وبخاصة أجيال الحاضر والمستقبل – قد ولدوا وعاشوا محرومين فعلا من ابسط حقوقهم المدنية والسياسية وفى مقدمتها حرية الرأي والتعبير وحرية الاعتقاد والضمير – وكذلك عاشوا محرومين والى حد كبير من حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية , هذه الحقوق جميعها التي تعتبر حسب مختلف الشرائع والمواثيق الدولية والأخلاقية أساس الاعتراف بإنسانية الإنسان والتجسيد العملي لهوية المواطن.طوال هذه العقود الأربعة دفع مسار تطور المجتمع السوري كما هو الشان بالنسبة لمجتمعات عربية أخرى تحكمت فيها أنظمة الاستبداد الشمولي , في نفق مظلم به مخرج أو نهاية , وما يزال الشعب السوري يعيش المأزق الوطني الشامل , مآزق الدولة والمجتمع والمواطن , ومأزق ارتهان الحاضر وانسداد آفاق المستقبل الأمن.  إن استمرار هذا الوضع الشاذ وتواصل حالة التردى والعجز والهوان إنما يرجع أساسا إلى تضافر تأثير عاملين خطيرين , كل منهما يعزز من دور الأخر ويعيد إنتاجه ودوامه وهما الاستبداد والتخلف.  والمفارقة المؤلمة  التي ما زالت ماثلة ونحن في بداية القرن الواحد والعشرين حيث رياح التغيير والديمقراطية ومبادئ حقوق الإنسان والمواطنة قد شملت مختلف أرجاء المعمورة إن  أوضاع المنطقة العربية وطبيعة أنظمتها القروسطية ما فتئت تشكل حالة استثنائية ومشوهة لمسار التطور العالمي العام الذي يشهد مرحلة العولمة بكل ما تمثله من تحديات عاتية وبكل ما توفره من معطيات إيجابية.  هذه هي حال المجتمعات العربية بصورة عامة على الرغم من إن عددا من الأنظمة قد ادخل بعض الإصلاحات الجزئية التي تمس جوهر تلك التي تفتقد أصلا كل مقومات الشرعية والمشروعية كما إن تلك الإصلاحات الجزئية ظلت حتى الآن قاصرة عن تجسيد الحد الأدنى من الخطوات في طريق التحول الديمقراطي المطلوب.  إن بلادنا وبعد أربعة عقود من تطبيق حالة الطوارئ ما تزال تعيش في طل نظام استبداد شمولي عمل وبصورة منهجية على مصادرة واغتصاب الإرادة الشعبية كما على إلغاء وجود المواطن الحر والفاعل وذلك بتصفية الحريات الديمقراطية والحقوق الأساسية وفى مقدمتها حرية التعبير والتفكير وحرية الاجتماع والاحتجاج والتظاهر وحرية الصحافة والأحزاب والمنظمات الشعبية والنقابية والمهنية وكانت حصيلة هذه السياسة واد تعطيل دور كل مكونات المجتمع المدني.  هذا الواقع الذي عاشته سورية طوال الحقبة الماضية والذي اصبح معروفا للقاصى والدانى – لكل الشعوب العربية ولكل قوى والتقدم ولكل منظمات حقوق الإنسان في العالم قد أدى استمراره إلى حالة التخلف الشامل نتيجة استنزاف  وتدمير قوى المجتمع السوري الذاتية البشرية والاقتصادية والفكرية والعلمية وأدى بالتالي إلى حالة العجز الفاضح عن السير في طريق التنمية والتطور أو الانفكاك من قيود التبعية والهيمنة  ومن الطبيعي في مثل هذا الوضع إن تفتقد حرية الموقف والقرار السياسي وفى مقدمتها تحرير الأرض المحتلة والإسناد الفعلي –لا الدعائي- للشعب العربي الفلسطيني في كفاحه العادل من اجل تحرير وطنه المغتصب.

إن استعادة الأحداث والمراحل الماضية التي شهدتها سوريا منذ تطبيق قانون الأحكام العرفية فرض حالة الطوراىء قبل أربعة عقود والاتفاق الجماعي على تقييم نتائجه المدمرة لاستخلاص الدروس والعبر من اجل تجاوز المأزق الوطني الراهن ومن اجل بناء المستقبل الذي تتطلع إليه أجيالنا – المستقبل الذي يستحقه شعبنا بعد كل التجارب والهزائم المريرة التي عاشها وبعد كل  تلك التضحيات الجسيمة التي قدمها والطاقات والفرص المهدورة التي لم يتمكن من الإفادة المطلوبة منها والتي لم يكن مرورها في المستوى الذي رمت بلوغه.

لقد تميزت المرحلة الأولى التي أعقبت الثامن من آذار عام 1963 مباشرة بصراع عبثي مدمر تعددت أطرافه وتباينت  وسائله وأساليبه وتركز في البداية بين البعث من جهة وبين الأخر والقوى الوطنية من جهة أخرى

وبعد إن استفرد البعث بالسلطة ومن خلال الصيغة التي جرى تطبيقها والمعروفة بصيغة الحزب القائد أو الديمقراطية الشعبية والتي كانت تعنى عمليا فرض الوصاية على الشعب ومصادرة دوره وإلغاء أسس الحياة الديمقراطية السليمة , بعد ذلك وفى مثل هذه الحال كان أمرا متوقعا بل وطبيعيا إن ينشب الصراع بين أجنحة البعث ومجموعاته العسكرية والمدنية – بغض النظر عن الدوافع والنوايا أو مستوى الوعي السياسي – لقد أكدت تجارب القرن الماضي على إن الحياة الديمقراطية السليمة عندما يتم وأدها وعندما يتم تغييب السياسة عن المجتمع عندها لن تكون هناك وحياة ديمقراطية أو أي قدر من المشاركة الجماعية داخل ما يسمى بأنظمة الحزب الواحد أو القائد – كانت النتيجة التي لم تتأخر كثيرا بفعل ظروف وتحديات داخلية وإقليمية ودولية آنذاك , تصفيه أي دور للحزب وذلك بقيام حركة تشرين نهاية عام 1970 التي كرست بناء نظام فردى استبدادي مشخصن يرتكز إلى فرد ديكتاتور يمارس كامل السلطة الفعلية عن طريق أجهزة واذرع أمينة أخطبوطية تراقب وتتدخل في كل شؤون المواطن اليومية والحياتية , ومع مرور الوقت تبلورت طبيعة هذا النظام وطبيعة القاعدة المجتمعية التي يستند إليها ويعبر عن مصالحها والتي ما تزال الدافع المحرك لنهجه وممارساته على مختلف الأصعدة وما تزال الكابح الذي يحوا دون أي إصلاح أو أي تطوير حقيقي في بنية وسياسات هذا النظام. القاعدة التي يستند إليها النظام والتي نشأت وترعرعت في حاضنته هي في الواقع طبقة بيروقراطية ومتخلفة همها الأساسي دوام استغلالها ومصالحها وهى تتكون أساسا من ارتباط وتكامل وتزاوج مصالح ثلاث مجموعات :- مجموعة تهيمن على المؤسسة العسكرية ومجموعة تهيمن على مؤسسات ومفاصل الدولة الرئيسية ومجموعة ثالثة تهيمن على الاقتصاد الوطني وبصورة خاصة على القطاع العام و........ وتسخره لإشباع نهمها وتنمية ثرواتها وخدمة أغراضها الآنية والمستقبلية.

إن التذكير بهذه الحقيقة ونعنى بذلك التعريف بطبيعة هذا النظام والفئات والشرائح الاجتماعية التي يستند إليها وجوده والتي  يعبر عن مصالحها هو من وجهة نظرنا أمر غاية في الأهمية لان إعطاء هذا النظام صفة أو صيغة الحزب الواحد الحاكم سواء أكان حزب البعث أو غيره هو موقف خاطئ وضار , فعدا عن إن هذا الموقف لا يمت إلى الواقع بصلة ولا يتفق مع الحقيقة حيث إن ما يسمى بحزب السلطة هو تشكيل واسع من المواطنين الذين تجمعهم أية أهداف أو قنا عات مشتركة - فانه  أي هذا الموقف يساعد على تغطية جوهر بنية النظام وتركيبته ويسهم في تلميع صورته إلى حد ما وخاصة لدى أوساط معينة من الرأي العام العربي والدولي ليس هناك في الواقع نظام حزب حاكم في سوريا أو في العراق أو في مصر أو في غيرها من الأقطار العربية التي تدعى أنظمتها أنها تمثل أحزابا معينة لان مثل هذا التقييم غير الصحيح إنما ينطلق من الإقرار بان هذه  الأنظمة تستند إلى قدر من المشروعية أو تمثل حدا من المشاركة الشعبية ,  لابد من تسجيل هذه الحقيقة في الوقت نفسه الذي نؤكد فيه قناعتنا المشتركة فيما يتعلق بأنظمة  حكم الحزب الواحد بمختلف مسمياتها واستطالتها والتي كانت جماع حصائلها سلبية ومدمرة على صعيد إنساني شامل.

على امتداد العقود الأربعة الماضية واصلت مختلف تشكيلات المجتمع المدني في بلادنا من. .....نقابات ومنظمات مهيمنة وكذلك مختلف الهيئات الاجتماعية والأحزاب والحركات السياسية ولجان حقوق الإنسان وبمختلف الوسائل المشروعة المتاحة لها , واصلت دعوة النظام إلى ضرورة. ....... الوطني الشامل وذلك من خلال السير الجاد على طريق التحول الديمقراطي بما يكفل تحرير الإرادة الشعبية واعادة الدولة إلى المجتمع بحيث تكون دولة  الحق والقانون والعدالة دولة المؤسسات في دولة المواطنين الأحرار الأكفاء المتساوين في الحقوق والواجبات , لكن النظام تجاهل كما هو معروف كل تلك الدعوات وأمعن في انتهاج الأسلوب الأمني بدل انتهاج أسلوب الإصلاح الجذري السياسي لمعالجة مشاكل البلاد المزمنة والمتفاقمة. كانت النتيجة أن استفحل واستشرى مناخ الفساد والاضطهاد وتواصل إفقار الشعب وتدهور مستوى عيش الأغلبية الساحقة من المواطنين وتشوه مختلف بنى المجتمع الاجتماعية الاقتصادية والثقافية والتعليمية والأخطر من ذلك تشوه منظومة القيم الفكرية والأخلاقية والحقوقية التي تحكم علاقات وتطلعات واهداف مكونات وعناصر هذا المجتمع.

لقد أطبق على المجتمع السوري طوال هذه الحقبة الزمنية ليل الرعب واليأس والضجر وبدل إن يكون المواطن كماكما هو الآن في المجتمعات الديمقراطية إنسانا حرا عقلانيا قادرا على التفاعل مع قضايا مجتمعه ومحيطه اصبح في واقع الحال كائنا بيولوجيا محروما من حقوقه المدنية والسياسية الأساسية وغدا همه المباشر حماية نفسه وعائلته واستدراك لقمة عيشه وبقائه , نسبة الأمية والبطالة والفقر من المؤشرات التي تشخص حالة  أي مجتمع من المجتمعات هي في ارتفاع مستمر في بلادنا فلم  يعد سرا مجهولا مثلا إن نذكر إن مختلف الإحصائيات تشير إلى إن نسبة اكثر من  40% من شعبنا الآن تحت مستوى خط الفقر وهذا الوضع بدوره أدى إلى اشتداد ظاهرة الهجرة والاغتراب وخاصة نزيف الأدمغة من الكوادر العلمية والفنية التي هي أتساس أية تنمية شاملة وقاعدة كل نهضة حقيقية.

بعد رحيا راس النظام وما أعقب ذلك من عملية  التوريث التي قوبلت بالاستنكار و. .... لا من  شعبنا فحسب وإنما من كل قوى الحرية والديمقراطية في العالم التي رأت فيها صورة من صور الانحطاط و الاستبداد السياسي الذي انتهى منذ قرون وحيث لم يعد يشارك بلادنا في وجود مثل هذه الأنظمة المهزلة التي شاعت تسميتها بالأنظمة الجملوكية سوى بلدين آخرين هما كوريا الشمالية  ومؤخرا الكونغو. . وإذ تنفرد سوريا من بين الدول العربية الآن  بهذه المهزلة فان العديد من الأنظمة العربية الأخرى تواصل الأعداد والتهيئة لتطبيق النموذج السوري! !!!.

بعد إن رحل النظام وتمت عملية الخلافة بالصورة المعروفة والتي تعتبر استهتارا لا حدود له بالدستور الذي وضعه النظام نفسه , بعد هذا كله ظلت أوساط واسعة من شعبنا وخاصة من هيئات ونويات المجتمع المدني تتفاءل بإمكانية إن يتحرك النظام في المرحلة الجديدة على طريق الإصلاح المنشود طريق التحول الديمقراطي. غير إن  أية خطوات جادة وحقيقية في هذا الاتجاه لم تتحقق حتى الآن , فالطبقة البيروقراطية المهيمنة على السلطة ما زالت مصرة على الاستمرار في النهج الذي سارت عليه منذ ثلاثين عاما والذي أوصل البلاد إلى أزمتها الراهنة - الطبقة  البيروقراطية الفاسدة والمهيمنة على السلطة  ما زالت هي نفسها وقد أكدت السنوات الثلاث الماضية إن هذه الطبقة لا يمكن إن تقود أو تسمح بالسير في عملية التحول الديمقراطي والإصلاح الشامل لأنها لا تملك بل ولا تفكر أساسا بطرح برنامج وطني ينقذ البلاد من أزمتها البنيوية المتفاقمة ولأنها ترى في أية خطوات إصلاحية حقيقية تستهدف تغيير بنية النظام القائم تهديدا لمصالحها وأنها لهيمنتها على مقدرات الوطن ومصيره.

وانه ليتأكد الآن إن الشعارات التي رفعها النظام بعد عملية التوريث مثل احترام الرأي الأخر والمحاسبة والشفافية والإصلاح من خلال استمرارية كانت في الواقع شعارات دعائية قد منها امتصاص نقمة الشعب ونزوعه نحو التغيير ونحو التحرر يرمى من وراء إطلاق تلك الوعود إن تساعده على تجاوز التحديات ومواجهة الاستحقاقات المطروحة عليه على الصعيدين الإقليمي والدولي.  إذ كيف يمكن توقع أية إصلاحات حقيقية إذا كانت الفئات المهيمنة على السلطة مصرة على استمرار النظام ببنية ونهجه وممارساته مع بعض التحسينات والإجراءات الشكلية التي لا تمس جوهر التغيير المطلوب , ومن المعلوم انه حتى بالنسبة لهذه الإصلاحات الجزئية وغير الجوهرية فقد وقفت منها لجنة حقوق الإنسان بسوريا موقفا إيجابيا مع التأكيد الدائم على ضرورة إن يتناول الإصلاح المنشود الذي يهيئ المناخ من اجل المصالحة الوطنية ويدفع باتجاه التحول الديمقراطي جملة من المسائل الأساسية الملحة وفى مقدمتها : رفع حالة الطوارئ وإلغاء الأحكام العرفية وكذلك إلغاء المحاكم الاستثنائية والإفراج عن جميع المعتقلين السياسيين وعودة المبعدين والمنفيين إلى وطنهم وإصدار قانون عصري للأحزاب والجمعيات وتنظيم عمل الصحافة الحرة.

وهكذا فان ربيع دمشق الذي أملت أطراف عديدة من أبناء شعبنا في الداخل والخارج قدومه في المرحلة الجديدة لم يأت حقا وقد أجهض قبل إن يولد وتم وأد حركة المجتمع المدني التي تمثلت بالمنتديات والجمعيات الأهلية قبل إن يشتد ساعدها وشنت حملة اعتقالات متلاحقة شملت قادة الرأي والفكر وابرز رموز التيار الوطني الديمقراطي وتعرضت كوكبة من خيرة أبناء شعبنا للاعتقال والاضطهاد ولمحاكمات صورية مخجلة تتنافى وابسط حقوق الإنسان كما وتتعارض وابسط الأسس والمبادئ القانونية - وما  تزال حملات الاعتقال والتضييق  ومنع إجراءات السفر  والتنقل تتواصل وتطال كل من يتجر أعلى انتقاد حالة الفساد والتردى والاستبداد والمطالبة بالإصلاح والخروج من هذا النفق المظلم.

ما يزال النظام السوري على حاله والسنوات الثلاث التي انقضت على غياب راس النظام لم تسجل أي تطور جوهري في مجال الإصلاح السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي وليست مهزلة الانتخابات التشريعية التي تجرى هذه الأيام والتي لا تختلف عن سابقاتها من حيث أنها انتخابات معلبة ومصنعة سلفا , ليست أي فصلا جديدا من ممارسات القوى النافذة والمهيمنة في النظام التي ترفض الاستحالة لإرادة الشعب في الإصلاح و..... المأزق الوطني الشامل يتواصل مهددا مقومات. .... الوطنية بأشد الأخطار واللازمة المركبة والعميقة التي يعيشها القطر السوري تتفاقم حدة واتساعا , أنها بلا ريب أزمة الدولة والمجتمع أزمة النظام والمعارضة الوطنية بكل أحزابها وتياراتها السياسية والفكرية وفى مثل  استمرار هذا الوضع تنتصب أمام الجميع الحقيقة المرة التي يمارس فيها اثنان. .... استمرار حالة التردى حالة الضجر عن مواجهة المهمات والتحديات المطروحة وخاصة في هذه المرحلة الصعبة التي يشهدها الوضع العربي العام حيث الكيان الصهيوني يجد الظروف المواتية التي انتظرها طويلا لفرض شروطه وتسويته الرامية لتصفية القضية الفلسطينية وحيث تتوالى نذر العدوان الخارجي الذي تقوده الإدارة الأمريكية والذي يستهدف احتلال العراق واحكام السيطرة على المنطقة بأسرها من خلال رسم خريطة جغرافية سياسية جديدة لها.

لا خروج من هذا المأزق الوطني ولا يمكن لمحنة التدمير الذاتي التي  ما زالت تعيشها بلادنا منذ اكثر من ثلاثة عقود إلا بالسير الجاد وبخطوات مرحلية على طريق. .. الديمقراطي وبناء دولة الحق والقانون دولة المؤسسات دولة المواطنين الأحرار الأكفاء المتساوين في الحقوق و الواجبات الدولة التي تكفل إن يكون الشعب هو السيد وهو المرجع الأول والأخير في تسيير شؤونه وصياغة حاضره ومستقبله.

لقد اضطلعت لجنة حقوق الإنسان في سوريا منذ تأسيسها بدور بارز إلى جانب هيئات للمجتمع المدني الأخرى بالدفاع عن حقوق المواطنين الأساسية وطالبت دائما بضرورة إنهاء الأوضاع والقوانين الاستثنائية والشاذة وفى مقدمتها قانون الأحكام العرفية ز وفى الذكرى الأربعين التي تنقضي على استمرار هذه الأحكام وفى مثل هذه الظروف المصيرية التي تمر بها منطقتنا العربية الآن يجدر بمختلف مكونات شعبنا السياسية والاجتماعية برجال الفكر والثقافة وكل من يعز عليه حاضر ومستقبل وطنه أينما كان موقعه داخل مؤسسات النظام أو في صفوف المعارضة الوطنية الديمقراطية إن يستجيبوا جميعا لنداء المسؤولية المشتركة بالسير على طريق الإنقاذ الوطني طريق المصالحة مع الذات وذلك بتحرير إرادة شعبنا المغتصبة والاعتماد أساسا على قدراته الذاتية وذلك عبر عملية التغيير والتحول الديمقراطي الحقيقي.

إن إنجاز مهمة التغيير والتحول الديمقراطي ليست بالتأكيد مسؤولية النظام وحده لكن وكما أعلن القائد الوطني رياض الترك وفى اكثر من مناسبة فان النظام وحده هو الذي ينبغي عليه إن يتخذ المباردات العملية الجادة من اجل تهيئة المناخ الذي يسمح بتدشين حوار وطني شامل ومسؤول بين مختلف مكونات وقوى شعبنا دون استثناء.  إن التغيير في رأينا هو مسؤولية السلطة والمجتمع وهو بعد هذه الفترة الطويلة التي عاشتها بلادنا فلا ظل  نظام استبداد شمولي الحق ما الحق من تشويه وتخريب البني الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية , صيرورة لابد إن تتواصل وتستغرق فترة زمنية ترتبط بعوامل داخلية وخارجية وفى مقدمتها مستوى  وعى شعبنا ممثلا بنخبة فكرية وثقافية وبأحزابه وتياراته السياسية ومدى تصميمه على بناء نظام ديمقراطي سليم في اقصر اجل ممكن وبأقل قدر من الخسائر والتضحيات , التحول الديمقراطي إذن في مثل الأوضاع التي يعيشها مجتمعنا السوري والمجتمعات العربية لا يمكن إن يتحقق بين عشية وضحاها ولا بانقلاب من فوق مهما صدقت النوايا ومهما صحت العزائم ولكن  وفى الوقت نفسه لا يمكن أرجاء المباشرة بعملية التحول الديمقراطي بذريعة عدك توفر الظروف المناسبة وبحجة تركيز الأولويات في هذه المرحلة كما كان الأمر دائما , على ضرورة التصدي للتهديدات والتحديات الخارجية , ومن اجل النجاح في إنجاز هذه المهمة التاريخية لابد أولا من التوافق مع جميع مكونات شعبنا ونعنى بذلك جميع التيارات السياسية والفكرية وكل هيئات المجتمع المدني الأخرى على عقد أو ميثاق وطني اجتماعي يجسد التصور العام بالنسبة لطبيعة أسس بناء الدولة والمجتمع اللذان يعمل الجميع لتحقيقهما ولا شك إن القاعدة الأساس في هذا الميثاق الوطني هو  الاتفاق الموحد على بناء الدولة الديمقراطية دولة الحق والقانون والعدالة.

كي نهيئ مجتمعاتنا المتخلفة الراكدة للانتقال إلى حال الفعل والمبادرة بغية اللحاق بالعصر وبناء  المستقبل الذي تنشده لابد إن تضطلع النخب المثقفة والحركات السياسية بمهمة أساسية تتقدم على غيرها من المهمات بل هي المهمة المشتركة والدائمة التي تجسد الرؤية الصائبة وتؤكد الصدق مع الذات هذه المهمة المشتركة هي بلا ريب ضرورة العمل المنهجي الدؤوب لتصفية الفكر الغيبي الانفعالي الذي ما يزال مهيمنا على العديد من جوانب حياتنا من اجل إن نشرع الأبواب لسيادة قيم الحداثة , قيم الديمقراطية , والعقلانية والعلمانية في كل مناحي مجتمعنا.

من اجل إن تؤكد جميع مكونات شعبنا جدارتها في تجاوز وهاد التخلف والسير في طريق الديمقراطية طريق الحداثة والتقدم والوحدة ينبغي عليها العمل على إشاعة ثقافة الحوار واحترام حق الاختلاف فعلا لا قولا سواء في علاقاتها مع بعضها البعض أو في علاقاتها مع الأخر.  وينبغي إن يتركز كل الاهتمام على نشر الثقافة الديمقراطية في مجتمعنا في كل أدبيات ونشاطات القوى السياسية والاجتماعية وضرورة إدخال الثقافة الديمقراطية وحقوق الإنسان في مختلف مناهج مراحل الدراسة فإذا كانت الديمقراطية تمثل في جانب منها آليات  عمل وصلاحيات مؤسسات الدولة وانتخاب ممثلي الشعب وتداول السلطة فان الديمقراطية هي قبل ذلك كله مرجعية فكرية واجتماعية وسياسية وصيغة شاملة لتنظيم حياة المجتمع بدءا من علاقة المواطن بأخيه المواطن أو داخل الآسرة والمدرسة والمؤسسة وداخل كل هيئات ومؤسسات المجتمع المدني.

الآن وفى هذه المرحلة الصعبة من حياة الأمة التي تتسم بالعجز الشامل عن الفعل والتأثير بل وحتى الحد الأدنى من الارتكاس المطلوب في مواجهة التحديات التي تجهض طموحاتها المشروعة في التحرر والتقدم والوحدة , الآن وفى هذه المرحلة بالذات تعيش سوريا وضعا صعبا يتسم بالعجز الشامل وعجز النظام والمجتمع المدني عن مواجهة مختلف التحديات والاستحقاقات المطروحة ومع عدم إغفال هذا الجانب الظلم من الواقع الذي يعيشه مجتمعنا الآن بل والمجتمعات العربية بصورة عامة ينبغي التأكيد على حقيقة موضوعية يمكن استخلاصها من هذا الواقع وهى انه تبرز الآن ضرورة ملحة وتتوفر ظروف مناسبة لتخفيف مهمة الإنقاذ الوطني مهمة تحصين وبناء الجبهة الداخلية وإطلاق قدرات شعبنا الذاتية بالسير الجاد. ............. على طريق الإصلاح والتغيير الشامل طريق التحول الديمقراطي الجذري وهذا الوقت بالذات واكثر من أي وقت مضى يتضاعف دور المثقفين وقادة الرأي في بلادنا من اجل توحيد جبهتهم وحمل مسئوليتهم بكل وعى واقتدار وتجاوزات الماضي إلى غير رجعة بكل ما يحمله من صراعات وانقسامات وممارسات عصوبية مدمرة , نعم ليس من سبيل آخر لإنقاذ بلادنا من المأزق الوطني الشامل الذي يهدد الحاضر والمستقبل بأشد الأخطار غير سبيل التغيير الديمقراطي وما من شك في إن المجالات الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية ولا أخال أننا نجانب الحقيقة إذ اقل إن الإصلاح السياسي هو أيضا الطريق إلى الإصلاح الديني المنشود في مثل الأوضاع التي وصلت إليها مجتمعاتنا.

ولنتذكر دائما ونحن نضع نصب أعيننا أهداف امتنا الاستراتيجية , انه إذا نجح مجتمعنا السوري في إنهاء حقبة الاستبداد والتخلف والخروج من النفق المظلم إلى آفاق تجربة  ديمقراطية سليمة فهو بهذا الإنجاز يقدم النموذج الحافز والركيزة المكينة لمواصلة مسيرة التحرر والتقدم والحداثة على طريق تحقيق المشروع النهضوى على صعيد الأمة كلها.