الإصلاح وإشكالية بناء الدولة الوطنية السورية الحديثة

في ضرورة الإصلاح والتحديث وإعادة بناء الدولة

الدكتور عبدالله تركماني

بالرغم من مظاهر الحيوية والتفتح التي أظهرتها النخب الثقافية والسياسية السورية منذ خطاب القسم الرئاسي في العام 2000، فإنّ التوقعات المستقبلية لبرنامج الإصلاح والتغيير تتقاسمها نزعات الأمل والقلق في آن واحد . فهل ما تشهده سورية هو مجرد تدابير محدودة ومؤقتة، أم أننا أمام منهج تغيير متماسك صادر عن رؤية عميقة للتحديات التي تواجه سورية والأمة العربية وكيفيات التعامل معها ؟ .

لقد استقر الفكر الإنساني على وجود ترابط عضوي بين التنمية الاقتصادية- الاجتماعية المستدامة والديمقراطية وحقوق الإنسان، وكذلك على العلاقة المتبادلة التي لا تقبل التجزئة بين مجموعة فئات الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية . إلا أنّ الأساس في هذا الترابط هو قيام الحكومات الحديثة على منظومة ثلاثية لحقوق الإنسان والتعددية السياسية والفكرية والمشاركة السياسية، بحيث تبدو الحقوق مبادئ موجهة والتعددية أطرا تنظيمية والمشاركة ممارسة عملية للحقوق والواجبات . وبذلك تنطوي الحياة المعاصرة على أكثر من دلالة حقوقية وسياسية تشكل، في وجه من وجوهها، فلسفة قوامها الإنسان الذي يتعين تحريره من الظلم والاستبداد والخوف، وهدفها ضمان الحرية والمساواة والتضامن، وأداتها إرساء دولة الحق والقانون في تناسق مع المجتمع المدني الهادف إلى ضمان الأمن والاستقرار والرخاء لأبنائه .

إنّ إنجاز الإصلاح والتحديث، في كافة البنى الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية، بات ضرورة للتمكن من التعاطي المجدي مع العالم المعاصر طبقا للمصالح الوطنية السورية العليا . ولعل البرنامج الرئاسي يساعد على الخروج من خيارات الماضي، الذي يفتقد حرارة التواصل مع الحاضر والمستقبل، إلى خيارات المستقبل التي تفتح الأفق أمام انطلاق مبادرات كل مكوّنات الشعب السوري . إذ أنّ أغلب الإجراءات والتدابير التي اتُخذت - حتى الآن - تشكل مؤشرات تدعو إلى التفاؤل النسبي بإمكانية دخول سورية في مرحلة انتقالية نحو الإصلاح والحداثة الضروريين .

إذ تؤكد كل المعطيات المتوفرة على الحاجة السورية الماسة إلى الإصلاح الشامل، فالنمو الديمغرافي هو من النسب الأعلى في العالم (يتراوح بين 2.4 إلى 2.5 %)، بينما النمو الاقتصادي مازال منخفضا . وتتميّز البنية السكانية السورية بغلبة الشباب (أكثر من 60% من مجموع السكان دون سن الـ 25 سنة)، وأكثر من 600 ألف عاطل عن العمل، و250 ألف فائض عن العمل في دوائر ومؤسسات الدولة، وما بين 200 إلى 250 ألف طالب عمل سنويا (بلغ عدد المكتتبين على العمل خلال بداية عام 2003 في مكاتب التشغيل 860 ألف مكتتب على فرصة عمل وزاد عدد العاطلين عن العمل إلى 850 ألف عام 2002،  بينما كان 500 ألف عاطل عن العمل عام 2001) .

 يضاف إلى ذلك أنّ متوسط الدخل الفردي (يبلغ متوسط دخل الموظف السوري حدود 120 دولار شهريا، وهو لا يكفي الاحتياجات المطلوبة للغذاء فقط لأسرة مكوّنة من خمسة أفراد) يقل عن مثيله في الدول المجاورة، ويزداد أثر ذلك بسوء التوزيع، إذ تشير المعطيات المتوفرة أنّ 5% من السكان يتمتعون بـ 50% من الدخل الوطني، وهم " لا يحصلون على هذه الحصة لدورهم في الإنتاج الاجتماعي، بل لمواقعهم في مراكز القرار أو قربهم من هذه المواقع " . وتشير معطيات هيئة الأمم المتحدة عن التقدم البشري في العالم أنّ 60 % من المواطنين السوريين يعيشون في حدود خط الفقر(أي من دولار واحد إلى دولارين في اليوم)، وأنّ 25 - 27 % يعيشون تحت خط الفقر (أي بأقل من دولار في اليوم) .

كما أنّ أغلب المؤسسات السورية تعاني من الترهل والتسيّب والركود، بحيث لا يمكن أن تشكل حاملا مؤتمنا على مشروع الإصلاح والتحديث، خاصة أنّ بعضها قد تحوّل إلى مؤسسات وجاهية وبيروقراطية، بما فيها العديد من المنظمات الشعبية والتمثيلية، لا تتوافق مع أي مشروع جدي للتحديث . أو ليس أمرا يدعو إلى الدهشة والتساؤل أنّ ما نسبته 70% من الطلاب السوريين في الخارج لا يعودون أبدا ؟!، وأنّ شابا سوريا متخرجا من الجامعة يقول  " أتمنى السفر والهجرة، أتمنى إن سافرت ألا أعود، لا يوجد أمل هنا، أنا أعرف كيف تجري الأمور هنا، أشعر أنّ البلد ليس لنا، صارت لأبناء المسؤولين، لقد أخذوا كل شيء، وإذا ما أراد أحد أن يبدأ بمشروع فهم يطالبونه بنصف الأرباح، إننا نعيش في غابة..." ؟! .

ومردُّ كل ذلك هو النظام الشمولي الذي حكم البلاد والعباد، والذي تميّز بالتماهي بين الدولة والسلطة والمجتمع والحزب، واندمجت كلها في شخصية الحاكم، بعيدا عن أية مؤسسات رقابية حقيقية، بل بوجود مراتبية تلعب فيها الأجهزة الأمنية الدور الأهم في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، تقرّب أهل الولاء وتنفّر أهل الكفاءة . ففي مثل هذا النظام كان من الطبيعي أن تغيب دولة الحق والقانون، خاصة عندما أصبحت حالة الطوارئ والأحكام العرفية، التي تكون مؤقتة في العادة، حالة دائمة منذ العام 1963 . وقد تولّد عن ذلك حالة خوف في علاقة الناس بالسلطة، وفي علاقتهم ببعضهم البعض .  

إنّ الوضعية، الموصوفة أعلاه، لا تحتمل تأجيل إعادة بناء الدولة الوطنية السورية الحديثة، تحت أي شعار، إذا ما أريد لتيار التجديد أن يأخذ مداه . ولاشك أنّ أغلب النخب السورية، خاصة ذوي النزعات القومية واليسارية والإسلامية، قد أهملت موضوع بناء الدولة، حين اعتبرت نفسها طليعة الأمة والطبقة العاملة والجماعة، فلم تبالِ بأهمية أن تكون الدولة ميدان الجميع لإدارة السياسة والشأن العام بشكل ديمقراطي من خلال التداول على السلطة طبقا لانتخابات نزيهة . 

لقد ورث الرئيس الدكتور بشار الأسد تركة ثقيلة : دولة متأخرة، ونفوذ جماعات تتسلط على مصالح البلاد والعباد، وحزب ومنظمات شعبية وأحزاب مشاركة مترهلة تبحث قياداتها عن مصالحها الذاتية، وإدارة اقتصادية غير حكيمة في إدارة الموارد بشكل عقلاني لإنتاج عناصر تطوير وتعظيم لها، وسجل حافل بانتهاكات حقوق الإنسان ... الخ . وعليه، فإنّ المواجهة الشاملة لهذه المشاكل والأوضاع الموروثة شرط ضروري لنجاح مشروع الإصلاح والتحديث وإعادة بناء الدولة، ولن يتم ذلك إلا بالنظر إلى هذه التركة نظرة نقدية موضوعية، وبأخذ مسافة عنها، على اعتبار أنّ الرئيس ليس مسؤولا عن سلبياتها وخطاياها . إضافة إلى أنّ التحديث مفهوم شامل لإدارة الدولة ككل، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا، فلذلك فإنّ الإصلاح الاقتصادي والإداري على أهميته لا يكفي، بل لا يمكن أن ينجح بدون إصلاح سياسي شامل .

لاشك أنّ تحديات الحاضر والمستقبل أكثر تعقيدا من تحديات الماضي، فلم يعد في عالم اليوم ممكن البقاء بعيدا عن ثورة العلم والتكنولوجيا والاتصال والمعلوماتية والديمقراطية وحقوق الإنسان، فالعولمة الزاحفة لن تترك أحدا خارجها إلا للتهميش . فهي " مرحلة جديدة من مراحل بروز وتطور الحداثة، تتكثف فيها العلاقات الاجتماعية على الصعيد العالمي، حيث يحدث تلاحم غير قابل للفصل بين الداخل والخارج، ويتم فيها ربط المحلي والعالمي بروابط اقتصادية وثقافية وإنسانية " .

 لقد وصّف الرئيس بشار الأسد الواقع الراهن بقوله : " إنّ واقعنا الحالي يشكل أرضية ليست ملائمة تماما لدخول القرن الجديد الذي هو قرن المؤسسات والتقنيات "، وعليه فإنّ سورية لم تعد تستطيع البقاء طويلا بعيدة عن روح العصر . وواقع الحال يطرح السؤال الجوهري التالي : كيف نهيء أرضية داخلية صلبة قادرة على التعامل مع معطيات وتطورات العالم المعاصر لتأمين مصالحنا الوطنية والقومية من خلال التكيّف الإيجابي مع متطلباته ؟ .

إنّ مجابهة أخطار وتحديات العولمة، وكذلك اقتناص فرصها، لا يتأتى من التنديد بها واعتبارها خطرا خارجيا داهما، بل بالبحث عن أسباب ضعفنا الداخلي ومعالجته جديا للنهوض بالقدرات الكامنة إلى مستوى التطورات الجديدة والتعامل معها على أساس من التكافؤ والاقتدار في الميادين المختلفة . مع العلم أنّ مصدر القوة الحقيقية لأية دولة هو التناغم والتكامل والتوازن، وليس الخلط كما فعل السيد الرئيس مؤخرا، بين سلطة الدولة ومجتمعها المدني . فالتحدي هو إخراج المواطنين من حال اللامبالاة ومن حال التهميش، بإعادة الأمل إلى قلوب الناس وبصائرهم، حين يدركون أنّ التغيير ليس ضروريا فحسب بل هو ممكن وواقعي .

إنّ صياغة معادلة جديدة في الحياة الداخلية تأخذ بعين الاعتبار تعاظم التحديات، في ظل علاقة بين السلطة والمجتمع قائمة على القناعة والثقة والتفاعل الحر، علاقة مقننة في إطار عقد اجتماعي جديد يوفر الشفافية والمؤسسية والقانون، هي وحدها الكفيلة بوضع سورية على أولى درجات الإصلاح والتحديث المنشودين، وإلا فإننا أمام حالة إعادة إنتاج الماضي بكل مآسيه، خاصة إذا بقيت بنية الاستبداد موجهة لمجمل توجهاتنا .

 

 

الإصلاح وإشكالية بناء الدولة الوطنية السورية الحديثة

في ضرورة دعم برنامج الإصلاح الرئاسي

 

شكل خطاب القسم ومجموع المقابلات الصحافية والتلفزية للرئيس بشار الأسد منهجية متكاملة لرؤيته لكيفيات الإصلاح والتحديث في سورية، إذ حاول أن يحدد اتجاه السير وأدواته وأهدافه . ولاشك أنّ مقاربته انطوت، فيما عدا بعض محطاتها التي سنتناولها في مقاربات أخرى، على منهج نقدي واضح ورؤى مستقبلية هامة، حين حاول أن يحدد معاني العديد من المصطلحات العائدة إلى الدولة الحديثة وثقافتها، خاصة بما تتضمنته من قيم التنمية السياسية للسلطة والمعارضة، وبما وفرته من قاعدة انطلاق للرقابة والمساءلة، إضافة إلى أنها تشكل سلاحا هاما في قطع الطريق على الارتداد إلى الماضي .

لقد أعلن الرئيس بشار التصميم على تذليل الصعوبات ومواكبة العصر، ودعا كل المواطنين للمشاركة في مسيرة الإصلاح والتحديث للوصول إلى النتائج المرجوة في أقرب زمن ممكن . ومن أجل ذلك طرح ضرورة التحرك على ثلاثة محاور : أولها، طرح أفكار جديدة في المجالات كافة، سواء بهدف حل مشكلاتنا ومصاعبنا الراهنة أو بهدف تطوير الواقع الحالي . وثانيها، تجديد أفكار قديمة لا تناسب واقعنا، مع إمكانية الاستغناء عن أفكار قديمة لا يمكن أن نجددها ولم يعد ممكنا الاستفادة منها . وثالثها، تطوير أفكار قديمة تم تجديدها لكي تتناسب مع الأهداف الحاضرة والمستقبلية . وإن غاب عنه أنّ بنية الاستبداد التي تهيمن على مجمل الأجهزة والمؤسسات سوف تعطل – إلى حين – إمكانية نجاح هذا التحرك .

ومما يؤكد هذه الإمكانية أنّ مقاربات الرئيس حفلت بمجموعة واسعة من قيم الحداثة : الفكر المتجدد، والنقد البنّاء، المساءلة والرقابة، الضمير والوجدان، مواجهة أسباب المشكلات قبل نتائجها، العمل الجماعي، دور المؤسسات، عقلية وثقافة الدولة، العمل المؤسساتي، قبول الرأي الآخر، الديمقراطية " واجب علينا تجاه الآخرين قبل أن تكون حقا لنا "، نظافة المؤسسة القضائية، احترام القانون، تأهيل وتدريب الشباب السوري، التخطيط . كل ذلك بهدف الوصول إلى دولة ومجتمع " نوعيين "، ومتابعة بناء سورية عصرية متقدمة، انطلاقا من عدم الرضى عمّا نقوم به " كي يبقى هناك دافع للمزيد من التطوير " .

وتكمن أهمية القيم والأهداف، التي أعلنها الرئيس بشار الأسد، في الدور الهام الذي تلعبه مؤسسة الرئاسة في الجمهوريات الرئاسية عامة، وفي الحياة السياسية السورية منذ سنة 1970 خاصة، حيث كان الرئيس محور قوة السلطة، وحيث جرى احتكار العمل السياسي من قبل سلطة الدولة . وعليه، وبالرغم من كل الحيوية التي تتمتع بها النخبة الوطنية السورية، بات الإصلاح صعب ومكلف ( ينطوي على مخاطر تمزيق الوحدة الوطنية وتسهيل التدخل الخارجي )، من خارج إطار السلطة، ذلك لأنّ المجتمع  بات شبه عاجز عن المبادرة إلى إطلاق صيرورة إصلاح وتحديث، فهو مغيّب عن الحضور الفعلي في الدولة، فلا وجود لمنظمات مجتمعية مستقلة فاعلة، ولا وجود لأحزاب معارضة علنية فاعلة، ولا وجود لصحافة حرة مستقلة، ولا انتخابات تعددية نزيهة .

ثم أنّ مقاربات العهد الجديد للعملية الإصلاحية لا تختلف - في الجوهر- عن التوجهات العامة لقوى الإصلاح والتغيير في المجتمع السوري، خاصة من حيث الأهداف . ولكنّ سلطة التسيير والتنفيذ يمكن أن تجهض / أو تعجّل عملية الإصلاح والتحديث، إذ تبين خلال السنوات الثلاث الماضية وجود " ديناصورات حقيقية متخشبة " تشكل عائقا موضوعيا أمام برنامج الإصلاح .

وهكذا، يبدو أنّ قدر الدولة السورية الحديثة، ذات البنيان المركزي الشمولي، أن تأتي مبادرة إعادة بنائها من المؤسسة الرئاسية . فما هي المعوّقات التي يمكن أن تعترض هذا المشروع الإصلاحي ؟ .

لقد وصّف الرئيس بشار الأسد، في أحاديثه العديدة، المعوّقات التي يمكن أن تعترض مشروع الإصلاح والتحديث بأنها موضوعية " لها علاقة بالمفاهيم الموجودة في مجتمعنا... أتت من خلال تراكم مفاهيم معينة عبر التاريخ  "، وغير موضوعية " غالبا ما ترتبط بالأشخاص، ببعض الانتهازيين... الذين يعرقلون عملية التطوير... يقفون في وجهها، ببعض الذين ليس لهم مصلحة بالتطوير، ببعض الذين يقفون في وجه التطوير عن غير قصد... كأن يكون هناك إنسان مهمل أو لا يحترم القانون أو لا يمتلك ذهنية التطوير " . وعندما سئل عن من يكون هؤلاء ؟، أجاب أن جزءا كبيرا منهم موجود في المؤسسات " ... منهم من يعرقل العمل عن جهل ومنهم من يعرقله عن قصد " . وأشار إلى أنّ عملية التطوير هي " محصلة بين الدفع إلى الأمام والشد إلى الخلف " .  ووعد بالتعامل مع هذه المعوّقات، إذ أنّ الحالتين الموضوعية والذاتية " هما بحاجة لعمل اجتماعي- ثقافي لكي نطور المجتمع ونهيء الأرضية والقاعدة للوصول للديمقراطية المطلوبة " .

ولاشك أنّ الرئيس قد هوّن كثيرا من المعوّقات الذاتية " غير الموضوعية "، فعلى امتداد عدد من السنين هيمن نمط من الأجهزة الأخطبوطية على مجمل نواحي الحياة السورية، بحيث تم ابتلاع كل المظاهر الأولية لوجود المجتمع المدني السوري . بل أنّ المجتمع السياسي نفسه لم ينجُ من سيطرة هذه الأجهزة، حيث " قُضمت " الدولة وأُرغمت على إخلاء الساحة لـ " الدولة الأمنية "، مقابل " أمن الدولة " .

وعلى ضوء ذلك، فإنّ الرئيس مهدد باستمرار الحصار داخل قصور السلطة وتقارير الأجهزة الأمنية والقوى النافذة، مما يمكن أن يهدد مشروع الإصلاح والتغيير، ويعزل الرئيس عن حقائق الحياة السورية والإقليمية والدولية، ويحاصر آمال الناس بإعادة بناء الدولة الوطنية السورية الحديثة على أسس الحق والقانون والمواطنة . وستظل هذه القوى أسيرة العادة والتخوّف من مخاطر التجديد، كما ستستمد المزيد من قوتها " من تردّد قوى الإصلاح ومن تطرف بعض أوساط الرأي الآخر" .

ولكن، في المقابل، هناك أوساط في السلطة والحزب الحاكم والأجهزة الأمنية تناغمت مع البرنامج الإصلاحي للعهد الجديد، تعترف بالآخر، وتطمح إلى تعددية سياسية فعلية تضمن الاستقرار، ولعل تقدم عملية الإصلاح والسلوك المرن للرأي المعارض يزيلان محاذيرها .

ويبقى القول أنّ مصير مشروع إعادة بناء الدولة الوطنية السورية الحديثة مرتبط بـ " أزمة التطبيق "، إذ أنّ كل القوانين والإجراءات والتدابير التحررية تواجه المقاومة والتأجيل والإعاقة عند التنفيذ، أو تنفّذ على نحو بيروقراطي وبطيء وخالٍ من حيوية التغيير، لا بل يترافق تنفيذها أحيانا مع نية إبطال مفعولها . فثمة أمثلة عديدة عن دور الانتهازيين والمنافقين والمتملقين في تخريب تجارب بدأت مفعمة بأمل التغيير، فجرفها هؤلاء نحو عكس رهاناتها . إنّ الإصلاح والتحديث لا يحتاج فقط إلى إصدار مراسيم وقوانين، توصف من قبل المتملقين بأنها " عطايا الرئيس "، بل يحتاج أيضا إلى من يفعّل هذه القوانين ويضعها في حيّز التنفيذ . لقد علمتنا التجربة أنّ شيوع الفساد والبيروقراطية واللامبالاة بمصالح الناس لدى الجهاز الإداري التنفيذي من العوامل التي تبث اليأس عند الناس وترفع درجة السخط بينهم . وتشكل الرقابة المجتمعية، التي تتحقق في ظل الديمقراطية ووجود منظمات مستقلة للمجتمع المدني، والمساءلة القانونية ضمانتين مهمتين لحصار الفساد ومحاسبة المسؤولين عنه، كما تشكلان ضمانا أساسيا لحسن أداء تنفيذ القوانين التحررية والنزاهة في العمل، وهو الأمر الذي يحقق ظروفا أفضل لتنفيذ الإصلاح الاقتصادي، ومن ثم توفير الأمل لدى الناس في إمكانية تغيير أحوالهم المعيشية نحو الأفضل .

 فهل نعتبر ونضمن نجاح رهاناتنا المستقبلية من خلال بناء دولة الحق والقانون باعتبارها المدخل الأساسي لكل إصلاح اقتصادي واجتماعي ؟ .

لاشك أنّ تحديد الأولويات ومراجعة الأهداف المزمع تحقيقها ضرورة ملحة في سورية العهد الجديد، ليتم التركيز على متطلبات الإصلاح والتحديث وتكريس القواعد الديمقراطية وبناء المؤسسات الدستورية ومعالجة المشاكل المعيشية وتحديث الهياكل والبنى الاقتصادية والاجتماعية، وتحقيق التنمية والارتقاء بمستويات القدرة السورية على الانفتاح على العالم، والتعامل معه من موقع الشراكة المتكافئة، في ظل توجهات العولمة التي لم يعد هناك مجال لتجاهل آثارها السلبية والإيجابية على كل بلدان العالم .

وفي هذا السياق يبدو أنّ جوهر إشكالية الإصلاح والتحديث في سورية يتمثل باعتقاد المشروع الرئاسي بأولوية الإصلاح الإداري والاقتصادي وتأجيل الإصلاح السياسي . فبالرغم من اعتراف المشروع بالترابط بين الميادين الثلاثة إلا أنه يرجئ الميدان السياسي، بما فيه بناء مؤسسات المجتمع المدني، إلى مرحلة أخرى . فهل يستقيم المشروع بمثل هذا الاختيار للأولويات ؟ ألا نعتبر من تجارب غيرنا من الأقطار العربية في هذا المجال ؟ هل تمكّننا تحديات التحولات الجيو – استراتيجية واستحقاقاتها في المنطقة من النجاح في الميدان الاقتصادي بمعزل عن الإصلاح السياسي ؟ .

إنّ آليات السيطرة التي تكونت منذ سنة 1963 شكلت الغطاء للفساد العام والركود الاقتصادي على مدى سنوات عديدة، كما أعاقت إمكانية التعامل العقلاني مع الموارد الاقتصادية والبشرية السورية، وعطّلت انطلاق مبادرات المجتمع السوري الذي يتميز بالحيوية، وبالتالي أدت إلى الأزمة المعيشية لقطاعات واسعة من الشعب السوري . وبما أنّ هذه الآليات قد تولدت عن البنية الشمولية للدولة السورية، فمن الطبيعي أن يكون الإصلاح شاملا لكل ميادين الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية بتناغم واضح فيما بينها، ومن المؤكد أنّ المدخل إلى ذلك هو الديمقراطية باعتبارها " نظام مؤسسي لإدارة تعددية المجتمع المدني، ووسيلة لإدارة التعدد بواسطة مؤسسات متعاقد عليها " .

لقد كان غياب الديمقراطية عن الحياة السياسية والاجتماعية السورية العثرة الكبرى أمام بناء الدولة الحديثة، والثغرة الأساسية في عدم تقدم البنى الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية السورية . ولعل مسألة الديمقراطية هي من أهم الدروس التي يمكن أن نستخلصها، فقد أدى إضعاف دور المواطن وتقليص المشاركة الحقيقية في العملية الإنمائية إلى ضعف الإنجازات التنموية الحقيقية، إذ أنّ التقدم الشامل لا يمكن تحقيقه واستمراره في ظل غياب الإصلاح السياسي، والاستناد إلى قاعدة ديمقراطية أوسع وتمتع فعال بالحريات السياسية والفكرية .

ومن أجل ذلك، تبدو الديمقراطية في رأس أولويات التحديث السوري، فالإصلاح ونجاحه يستدعي مقولات جديدة : المجتمع المدني، الدولة الحديثة، المواطنة . وتبدو أهمية ذلك إذا أدركنا أننا، بشكل عام، لا نملك لغة سياسية حديثة، منظمة وممأسسة، في بنانا السياسية والثقافية، إذ بقينا خارج تسلسل وتاريخ التقدم الإنساني، فماضينا ما زال ملقى على هامش حاضرنا، بل يهدد مستقبلنا .

إنّ نجاح مشروع الإصلاح والتحديث مرتبط بإجراء إصلاح سياسي شامل، مقدماته الضرورية تقوم على إلغاء كل القيود على الحريات الديمقراطية، وتقوم أيضا على الدعوة إلى استقلال القضاء وسيادة القانون، إضافة إلى كل أسس النظام الديمقراطي، بما يضمن قيام دولة حق وقانون قوية .

وإذا كان من الطبيعي أن يخضع الاقتصاد السوري لتأطير معين يحدد اتجاهات الأداء الاقتصادي في السنوات القادمة، فإنّ الضرورة تقتضي دعوة الفعاليات الوطنية المختلفة للمشاركة في الحوار حول الآفاق القادمة، وعدم الاقتصار على مجموعة محدودة من المستشارين، بهدف الوصول إلى أفضل الخيارات الممكنة . ذلك أنّ المسألة الاقتصادية مرتبطة بمجموعة واسعة من المكوّنات : التنموية، والإدارية، والتشريعية، والاجتماعية، والرقابية، والسياسية .

إننا ندرك أنّ السؤال الاقتصادي يفرض حلولا ليست سهلة، خاصة في زمن العولمة التي باتت تفرض خيارات محددة (الخصخصة، وإعادة الهيكلة، واقتصاد السوق، وتحرير الأسعار، وحرية التجارة...)، وما يمكن أن يثيره ذلك من مشكلات تطال آليات السيطرة المتوارثة منذ عقود، كما تطال قطاعات اجتماعية واسعة مهددة بالبطالة والتهميش .

وفي كل الأحوال، وطالما أنّ كرامة وحرية الإنسان هي التي تشكل أساس تطور أي مجتمع، فإنّ الرقابة المُمَأسسة، التي تمكّن من وضع الإنسان المناسب في المكان المناسب، تشكل أحد أهم الشروط لتحقيق التقدم الاقتصادي، حين تفرض التنظيم العقلاني لعملية الادخار والتراكم وجذب الاستثمارات الوطنية والعربية والأجنبية .

 

 

الإصلاح وإشكالية بناء الدولة الوطنية السورية الحديثة

في ضرورة إعادة إنتاج النظام السياسي السوري

 

قد يكون من الصعب أن نقول أنّ الديمقراطية تملك حلولا سحرية لكل مشاكلنا، ولكن من السهل الاستنتاج، على ضوء تجربة شعبنا مع النظام الشمولي، أنها الطريق الأصوب للتعاطي المجدي مع التحديات المفروضة علينا، حين تقدم لنا إمكانية لإيجاد الحلول، خاصة إذا ساد الفهم المسؤول لمعانيها والإدراك الواعي لمتطلباتها ونقاط القوة والضعف فيها .

إنّ مقاربة الرئيس للمسألة الديمقراطية في سورية تشكل قاعدة يمكن البناء عليها، فالرأي الآخر هو " الأساس الذي نبني عليه هذا البناء الكبير الذي يسمى الديمقراطية "، والتطور الديمقراطي يحتاج إلى " تطوير اجتماعي "، وما نريده من فرنسا – كما قال الرئيس - هو " رسالتها الحضارية المتجسدة في مبادئ الثورة الفرنسية : الإخاء والعدل والمساواة وحقوق الإنسان " .

لكنّ ذلك يتطلب إعادة إنتاج النظام السياسي على نحو يؤسس لديمقراطية تشكل أساسا لمشروع الإصلاح والتحديث بكل مستوياته الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية، بما يفرضه ذلك من إعادة بناء الدولة الوطنية السورية الحديثة . إنّ القيم التي حملتها الثورة الفرنسية متعددة الجوانب : حقوق الإنسان والمواطن، وإرساء أسس الدولة الحديثة، وتوحيد المؤسسات وعقلنتها، وإصلاح القضاء، وإصلاح التعليم، والإصلاح الضريبي . وقد لعبت هذه القيم والتدابير الدور الأهم في انطلاق ربيع الشعوب منذ القرن التاسع عشر، واستمر في القرن العشرين، وأصبح حاجة ملحة مع بدايات القرن الواحد والعشرين .

إنّ التحولات العميقة التي تشهدها المجتمعات الإنسانية جعلت من الديمقراطية وحقوق الإنسان أحد علامات العصر، وأحد المعايير الأساسية للسير في الطريق الذي ترسمه التحولات الكبرى التي نشهدها الآن . إذ صارت الديمقراطية ضرورة لا غنى عنها، واختيار لا مفر منه، فهي معيار صلاحية الاختيارات الأخرى على صعيد السياسة والمجتمع والاقتصاد، إنها ما يمنح هذه الاختيارات جميعها بعدها الإنساني . ولا يمكن تمثّل هذه التحولات بعمق إلا في إطار الدولة الحديثة التي تقوم على أسس ثلاثة : فصل السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، ورقابة المجتمع على سلطة الدولة، وخضوع سلطة الدولة نفسها للقوانين التي تسنها . بحيث ينظر إلى الدولة باعتبارها حقلا يعكس تناقضات البنية الاجتماعية وتوازنات القوى فيها .

وفي ظروف العولمة الجديدة لم تعد الديمقراطية مجرد مطلب ترفعه هذه الفئة أو تلك من القوى الاجتماعية والسياسية، ولا مجرد دعوة ثقافية تُعقد لها الندوات والملتقيات، ولا هي سياسة تتوخاها الدول الكبرى لاعتبارات استراتيجية فحسب، بل هي كل ذلك . وتمثل، فوق ذلك كله، مصلحة وطنية وقومية، فيها تستقر أوضاعنا ونضمن ولوج طريق التقدم .

وتبدو سورية في أمس الحاجة لأن تتضافر جهود جميع أبنائها في مواجهة تحديات التحديث والعولمة والسلام . لذلك فإنّ المطلوب هو التحوّل السلمي الهادئ من الدولة الشمولية إلى الدولة الديمقراطية، بما يوفّر إمكانية الانفراج التدريجي والمحافظة على الوحدة الوطنية وإعادة الاعتبار لدولة الحق والقانون المتصالحة مع مجتمعها . ومن أجل ذلك لابدَّ من سن قانون عصري لتأسيس الأحزاب والجمعيات، واستكمال الملف " الأمني " بإطلاق باقي معتقلي الرأي والضمير، وخاصة نشطاء المجتمع المدني : النائبان المستقلان  رياض سيف ومأمون الحمصي، والدكاترة عارف دليلة، كمال اللبواني ووليد البنّي، والمحامي حبيب عيسى، والمهندس فواز تلّو، والأستاذ حبيب صالح . وفتح ملف المفقودين ( يصل عددهم إلى ما بين 15 – 17 ألف )، وإصدار قانون عفو تشريعي عام  عن المنفيين السياسيين (يصل عددهم إلى ما بين 35 – 40 ألفا)، وإعادة الثقة بين السلطة والمجتمع .

 

ومما لا شك فيه أنّ توافقا بين السلطة القائمة والتيارات السياسية المعارضة قد يساهم بتطوير آليات المجتمع المدني، بما يساعد على توسيع رقعة الحريات العامة، وتحريك وعي الجماهير، ودفع شرائح واسعة منها إلى الانغماس في خضم العمل السياسي العام . مما يحيل أفراد المجتمع السوري من مجرد رعايا تابعين، غير مبالين، إلى مواطنين نشطاء فاعلين يمكنهم التأثير في ديناميات اتخاذ القرار السياسي والإسهام في تغيير بنية التمثيل السياسي، فضلا عن مشاركتهم في تحديد الأهداف الكبرى، وصياغة السياسات العامة . ومما لا شك فيه أيضا أنّ هذا التطوير لآليات مشاركة المجتمع المدني يمثل سيرورة مرهونة نتائجها : أولا، بمدى نضج القوى السياسية في السلطة القائمة والأحزاب المعارضة . ثانيا، بمدى التفاعل المثمر مع ديناميات التمايز والتمفصل بين السلطات وتعميق المساواة وتعزيز قدرة النظام السياسي على التكامل والتكيّف والإبداع .

لقد اعتادت السلطة، منذ عقود، مصادرة المجتمع وإخضاعه كليا، وأقامت في سبيل ذلك منظماتها الشعبية كامتداد لسلطتها، بحيث لم يعد من الممكن الحديث عن دولة ومجتمع بالمعنى الحديث . ففي هذا " المجتمع الشعبوي " تم تعميم قيم الوشاة والمخبرين، و " صار الأدنى يشي بالأعلى، والأقل كفاءة يشي بالأكفأ، والمختلس يشي بالنزيه والمستقيم، والجاهل يشي بالعالم، والأقل علما يشي بالأعلم، وغير المؤهل يشي بالمؤهل، وعديم الضمير يشي بصاحب الضمير..." .

 في حين أنّ الدولة الديمقراطية توفر الأطر المختلفة لقيام المجتمع المدني ومؤسساته بمهامها الاجتماعية، الرقابية والتنويرية والتطوعية، وفقا للدستور والقوانين ذات الصلة بعملها ونشاطها . لذلك فمن غير الممكن تصور إصلاح ناجح في سورية بمعزل عن عودة الروح إلى المجتمع المدني، وضمان مؤسساته المستقلة عن سلطة الدولة، كي يسترد المجتمع السوري حراكه السياسي والثقافي، بما يخدم إعادة بناء الدولة الوطنية الحديثة . إنّ الدولة التي لا تستمد مشروعيتها من مجتمهعا المدني، وليد مفاهيم السياسة المدنية والعقد الاجتماعي، تكون هشة وضعيفة مهما ادعت القوة .

ومن أجل صياغة إطار تعددي لابد من إدراك مخاطر الصيغ الواحدية القسرية التي عرفناها، حيث أنها كانت أداة قمع وتهميش للتعددية الفكرية والسياسية، مما جعل إدراكنا الجمعي مقتصرا على الإدانة الخطابية للمخاطر الخارجية، بدل البحث عن مصادر الخلل في بنياتنا الداخلية . إنّ إدارة التعددية بشكل حضاري تحمل بين طياتها إغناء لوحدة مكوّنات الدولة ولقوتها .

إنّ القائلين بأولوية الإصلاح الاقتصادي عليهم أن يدركوا أنّ نجاح مجمل مكوّنات المشروع الإصلاحي يحتاج إلى مجتمع مدني فاعل، يراقب ويحاسب، ويشير إلى الخطأ والفساد وقت حدوثهما .

إنّ تحديات الوضع الإقليمي الجديد بعد احتلال العراق، في هذا الزمن العربي الصعب، يتطلب وجود جبهة داخلية متماسكة وفاعلة بين كل مكوّنات الشعب السوري، لضمان التعاطي المجدي مع التحديات، مما يفترض المزيد من الإصلاح والتحديث، وليس التضييق والمنع على المواطنين تحت حجة الأولوية الأمنية . إنّ التعاطي المجدي مع مخاطر المشروع الصهيوني وملحقاته اليوم تتطلب صياغة أفق جديد للصراع، واستنباط أشكال جديدة تندرج ضمن إطار الصراع الحضاري الشامل الاقتصادي والتكنولوجي والثقافي والعسكري .

فبالرغم من تناقضاته الداخلية فإنّ المجتمع الإسرائيلي يمتلك الكثير من ميّزات المجتمعات المتقدمة، سواء على صعيد مؤسسات المجتمع السياسي أو المجتمع المدني أو تطور الاقتصاد، خصوصا في القطاعات المستقبلية : الاتصالات والبرمجة والتكنولوجيا الدقيقة وتطبيقاتها في جميع الحقول . كما أنّ قراءتنا لما يزيد عن نصف قرن من الصراع مع إسرائيل تدل على أنّ قوة أي مجتمع وقدرته على مواجهة التحديات الخارجية تنبع- أساسا- من داخله، أي من قوة بنائه السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي قبل أي شيء آخر . وتدل أيضا على أنّ النجاح في الصراع ضد الأعداء يرتبط بالقدرة على استخدام جميع مكوّنات القوة، وأهمها الموارد البشرية والاقتصادية .

إنّ التعاطي المجدي مع التحدي الإسرائيلي يتطلب اقتصادا قويا، ولحمة وطنية متينة، وحريات ديمقراطية، وأناسا مستعدين للدفاع عن وطنهم بقدر ما يوفّر لهم من حياة حرة وكريمة في ظل دولة حق وقانون . وعليه، فإنّ تعدد الآراء حول كيفيات المواجهة الناجحة للتحديات الخارجية هو علامة قوة واستقرار، مادامت هذه الآراء ضمن إطار الإجماعات الوطنية والقومية المطالبة بالسلام العادل والشامل وانسحاب إسرائيل من كافة الأراضي الفلسطينية والسورية واللبنانية المحتلة وإقامة دولة فلسطينية مستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة . بل أنّ التصدي مع الشعب، لا باسمه، للاستحقاقات المستجدة سيسمح للسلطة بمقاومة أية ضغوط خارجية، ما دام خلفها رأي عام فاعل ومانع لأية تنازلات يفرضها توازن القوى الإقليمي والدولي .

إنّ التاريخ السوري المعاصر قد رتّب على قوى الثقافة والعمل مسؤولية وطنية وقومية كبرى، تتناسب مع الدور الهام الذي تلعبه في الحياة الفكرية والمادية للشعب السوري، فلذلك فإنّ إعادة بناء الدولة الوطنية السورية الحديثة سوف تقع على عاتق هذه القوى في الدرجة الأولى، فهي التي ستكون القاعدة الاجتماعية الأهم للإصلاح والتحديث . ولاشك أنّ تحوّل هذه القوى إلى كتلة مؤثرة مرهون بقدرتها على جذب أوسع القطاعات الاجتماعية التي تطمح إلى التغيير، من داخل حزب السلطة ومؤسساتها ومن المثقفين وجماعات المعارضة . كما أنه مرهون بقدرتها على تجديد الثقافة السياسية السورية من خلال : اعتبار ساحة الفعل السياسي مفتوحة على الدوام على قوى ومجموعات سياسية ذات توجهات فكرية ومشارب سياسية متباينة، وضرورة التزام الخطاب العقلاني والواقعي في العمل السياسي، واعتماد ثقافة الحـوار .

إنّ نجاح مشروع الإصلاح والتحديث يتطلب الحوار المفتوح بين كل التيارات الفكرية والسياسية السورية من خلال مؤتمر وطني عام، بهدف الكشف عن الممكنات في الواقع السوري، وبناء أولوياتها وتوازناتها عبر منهج عقلاني هادئ، يقوم على التدرج وقبول الحوار مع الرأي الآخر ونبذ العنف والتطرف وعقد الماضي .

 ومما لاشك فيه أنّ تجسيد مثل هذا الحوار، بأهدافه وموضوعاته، منوط بالسلطة أولا، ويعكس مدى جديتها في برنامج الإصلاح والتحديث . إذ من المفترض أن تبادر إلى الدعوة الشاملة إلى الحوار المفتوح والمجدي والعملي، مما يرفع من شأنها في أعين المجتمع ويفتح في المجال لتجسيد قيم الإصلاح وحاجاته في الواقع . ومما يسهّل مثل هذا الحوار أنّ ثمة تقاطعا بين مشروعي السلطة والمعارضة، يمكن أن يساعد على إجراء تحوّلات ديمقراطية متدرجة، تهدف إلى إعادة بناء الدولة الوطنية السورية الحديثة .

نحن أمام تحديات حقيقية تستوجب تفعيل الخيارات الممكنة، من خلال إرادة سياسية صلبة، وإدارة عقلانية لكل إمكانياتنا المتوفرة، بهدف التعامل مع الوقائع القائمة كما هي لا كما تتخيلها رؤى أيديولوجية مبسطة . فليس من الواقعية والعقلانية والاعتدال أن نغمض أعيننا عن مختلف الخيارات والقدرات التي يمتلكها شعبنا وأمتنا العربية، وذلك من خلال إعادة صياغة كل أسس قوتنا، بترتيب أوضاعنا الوطنية والقومية، وإعادة ترتيب العلاقات مع العالم والموازين الدولية . 

وهكذا، فإنّ التغيير أضحى حاجة موضوعية في بلادنا كي لا تتأخر سورية عن المهام الوطنية والقومية المطروحة عليها، وبالتالي فإنّ التراجع عن مشروع الإصلاح والتحديث هو مجازفة خطيرة بمستقبل الدولة والمجتمع في سورية . فالحاجة ملحة إلى إعادة بناء السلطة على أسس جديدة تعطي الدولة طابعا آخر يوحد المطامح الوطنية العامة، ويؤسس لفاعلية جديدة تستوعب عناصر المجتمع كافة . إننا بحاجة إلى ديمقراطية حقيقية توفر الإمكانية لاستيعاب المتغيّرات العميقة في الحياة الإنسانية المعاصرة، مما يستوجب مأسسة الفاعلين السياسيين من خلال شرعنة وجود أحزاب وجمعيات علنية مستقلة عن السلطة تقبل التسويات التاريخية والحلول المعتدلة، وتعتمد الأسلوب السلمي للتغيير والتقدم .

إنّ سورية تواجه فرصة تاريخية تمكّن من إعادة بناء الدولة الوطنية الحديثة، بالاعتماد على تضافر جهود جميع النخب الفكرية والسياسية دون استثناء، فلا يجوز تفويت هذه الفرصة، بل الحرص على الانتقال الديمقراطي الهادئ والممأسس، الذي يفتح الآفاق أمام إعادة صياغة الحياة السياسية السورية على أسس جديدة .

 

 

الدكتور عبدالله تركماني

                                         كاتب وباحث سوري مقيم في تونس