ملاحظات حول قانون المطبوعات

 

أسامة المصري

 

    سارت الحرية مساراً عسيراً مع تطور الحضارة الإنسانية وخاصة بعد ظهور الديانات الكبرى وما تبعها من إمبراطوريات سياسية أو دينية حيث قضت هذه الإمبراطوريات على حرية الإنسان في اعتقاده وتفكيره أو تعبيره عن مكنونات عقله وروحه .

    ومع تطور الفكر الإنساني وظهور الفلسفات التي أكدت على حرية الإنسان واحترام إنسانيته بغض النظر عن الجنس والدين والعرق، حصلت المجتمعات وخصوصا الغربية على شيء من الحرية . وخاصة بعد قيام الثورة الفرنسية التي رفعت شعارات العدالة والحرية والمساواة، إذ تعتبر هذه الثورة نقطة تحول كبرى في تاريخ البشرية وتاريخ الحرية.

   الحرية هي الأصل والتقييد هو استثناء. لقد تمتع أفراد المجتمعات القديمة التي مثلت مرحلة الطفولة البشرية بحريات واسعة نسبياً إذا ما قيست إلى الحريات التي تمتعت بها المجتمعات التي تلتها، خاصة بعد شيوع العبودية في أغلب الثقافات الإنسانية وهكذا صعدا في سلم تطور المجتمعات البشرية مع استثناءات هنا وهناك إلى أن جاءت الأديان الكبرى التي كرست منطق العبودية للإله ومن ثم لمن يمثله على الأرض من ملوك وحكام, وأصبحت الحرية حلم الإنسان، حلمه بالإنعتاق من العبودية والظلم . وقد مورست أبشع وأفظع الجرائم بحق الإنسانية حين ساد نظام العبودية على مساحات كبيرة من هذا العالم.

   مضى الغرب بخطى حثيثة باتجاه تكريس حرية الفرد وحرية الاعتقاد والتفكير والتعبير عبر ما قدمه فلاسفة عصر الأنوار وآباء الثورة الفرنسية ودفعت الشعوب الأوربية الكثير من التضحيات قبل أن تؤسس أنظمتها الديمقراطية التي تنعم وتعيش بدساتيرها هذه الشعوب الآن. واتى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ليكون محصلة لتضحيات هذه الشعوب التي رزحت طويلاً تحت ظلم الأمراء والملوك ورجال الدين.

إن كلا الإعلان والعهد الدولي الذي وقعت عليه دول العالم ضمن الحقوق الأساسية للبشر ويلزم الدول الموقعة عليه بضمان حرية مواطنيها في حرية الاعتقاد والرأي والتعبير عن الرأي وحرية ممارسة الطقوس الدينية , إلا أن الواقع وعلى مدى عقود من السنين سار باتجاه آخر وانتهكت الكثير من الدول هذه المواثيق والعهود الدولية. ويمكن أن نعتبر الدول العربية من بين الدول التي لم تحترم وعلى طول الخط هذه المواثيق معتبرة نفسها دائماً ذات خصوصية حضارية وثقافية.

     وربما شعر أو تمتع الإنسان العربي بشيء من حرية التعبير أيام الانتدابات و الاحتلالات الأجنبية أكثر مما عاش أو تمتع بحريته خلال حكم أنظمته الوطنية وعلى سبيل المثال محاكمة إبراهيم هنانو القائد الوطني الذي حوكم أمام محكمة عسكرية فرنسية التي أسفرت عن براءته  كما رواها المحامي فتح الله الصقال، مقارنةً بمحاكمات أخرى جرت أثناء حكم وطني لمواطنين من المفترض أنهم يتمتعون بحقوق المواطنة حيث لم يتح لهم لا الدفاع عن أنفسهم أو توكيل محامين أو شهود وشتان بين محاكمات فرنسا للوطنين السوريين وبين محاكمة السلطات الوطنية لمواطنيها.

   بعد احتفال العالم بالذكرى المئتين للثورة الفرنسية التي هبت رياح ذكراها على أوروبا الشرقية وتنفست الملايين من شعوب أوروبا الشرقية تلك الرياح وتخلصت من أنظمتها الديكتاتورية، لكن الشعوب العربية مضت باتجاه القرن الواحد والعشرين لكن للأسف دون أن يتغير تحت سمائها شيء ومازال الإنسان العربي يرزح تحت ثقل كبير من الاستبداد والقمع وانعدام لأبسط أنواع الحرية رغم مرور خمسة عشر عاماً على الذكرى المئتين للثورة الفرنسية ومرور رياح التغيير العالمية .

     إن كل ما تعاني منه الشعوب من فقر وتخلف وجهل هو بسبب الاستبداد وانعدام الحرية بكل أنواعها ولأن حرية التعبير والتفكير هي الأساس فإن غيابها سيظل عائقاً أمام أي تقدم حضاري يحلم به الإنسان العربي . فالإنسان بفطرته يعشق التعبير عن نفسه إن كان بالكلمة أو الحركة، بالكلام أو الرقص عّبر الإنسان دائماً عن أحزانه وآلامه وحتى عن معتقداته الدينية وغيرها. وحتى يكون الإنسان سوياً لا بد له أن يكون حراً ويعبر بحرية،  فالاستبداد والحرية لا يمكن أن يجتمعا مهما حاولت بعض الأنظمة السياسية والاجتماعية أن تلتف على ذلك بأسماء ومسميات الخصوصيات الثقافية والحضارية وحيثما تكون حرية التعبير مضمونة و معيشة لن يكون هناك                    استبداد ولهذا فإن حرية التعبير هي الضمان للعدالة والمساواة وضمان حقوق الإنسان .

   ثلاث سنوات مضت على صدور قانون المطبوعات في سوريا لم تقدم شيئاً على مستوى حرية التعبير وحرية النشر والصحافة والطباعة فقانون المطبوعات رقم50  الصادر عام 2001 جاء قاصراً وعاجزاً عن تحقيق آمال وطموحات المواطنين من المثقفين والكتاب والصحفيين والناشرين السوريين.

   إن الحرية وحرية التعبير هي ضمان لحرية المجتمع ووحدته وعندما تكون حرية التعبير متاحة فإن الإنسان يفكر بصوت عال وتزداد الحوارات والنقاشات التي تهم حياتنا ومستقبلنا إن كانت سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية إن هذا القانون ينسجم مع الواقع السياسي و وجود دستور قاصر عن تلبية الحاجات والحقوق الأساسية في مجال الحرية وحرية التعبير وهو الدستور الذي ينص على قيادة حزب البعث للدولة والمجتمع وبالتالي فإن هذه الفقرة بذاتها هي تمييزية لكل من انتمى لحزب البعث مميزة له عن غيره إذ يحق له ما لا يحق لغيره وهنا تكمن المشكلة بالإضافة إلى ذلك وجود حالة الطوارئ منذ 41 عاماً وأعتقد أنه من غير الممكن وجود قانون للمطبوعات عصري في ظل سيادة هذا الفهم السياسي والدستوري للدولة والمجتمع .

   لكن مع ذلك لابد من إلقاء نظرة على مواد هذا القانون الذي جاء نسخة متراجعة عن القانون53 لعام  1949  وذلك لسببين أولاً: إن القانون الأول جاء في عام 1949 في ظل حكم دكتاتوري عسكري لم يدم أكثر من ستة أشهر كان يريد الحكم دون منغصات من الصحافة التي كانت تلعب دوراً هاماً آنذاك. ثانياً: إن قانون المطبوعات 50 جاء بعد52 عاماً  من صدور القانون  53  وأقرته سلطة عمرها ما يقارب الأربعون عاماً. وفي ظل الحديث عن حرية الرأي والتعبير واحترام الرأي الآخر، وقبل ذلك الاعتراف بوجود الآخر، وكان من المفترض أن يأخذ بعين الاعتبار ما جرى من تطورات على صعيد الواقع السوري أو الصعيد العالمي حيث أن العالم تغير بشكل شبه كامل وأصبحت تتضاعف فيه المعرفة كل عدة سنوات وتتسارع التطورات التكنولوجية بشكل سريع ومذهل.

    وتشهد منظومة الاتصالات تطوراً مذهلاً إن كان عبر الفضاء أو من خلال شبكة الاتصال الدولي الإنترنت حيث أصبح نشر وتلقي المعلومة يقاس بأجزاء صغيرة من الثانية الواحدة وهذا ما يجعل نقاش قانون المطبوعات رقم 50 أمراً فيه الكثير من المرارة والألم فأقل ما نستطيع وصف هذا القانون بأنه قانون العصر الحجري وليس للعام 2001 فهذا القانون لم يشر مطلقاً لما وصلت إليه منجزات الحضارة الإنسانية في الصحافة الإلكترونية أو شبكة الإنترنت .

أولاً : سأحاول إجراء مقارنة بين القانون 53 لعام 1949 مع القانون 50 لعام 2001 .

ثانياً : تسجيل بعض الملاحظات على مواد القانون 50 لعام 2001 .

أولاً :

تقول المادة 16 من القانون 53 : تعطى الرخصة بمرسوم يصدر بناء على قرار يصدر من مجلس الوزراء إلى اللذين تتوفر فيهم الشروط القانونية ولمجلس الوزراء حق رفض منح الرخصة لمن تتوفر فيهم الشروط القانونية لأسباب يعود تقديرها إليه .(أي مجلس الوزراء).

تقابلها المادة 12 من القانون 50 التي تقول : تعطى الرخصة بقرار من رئيس مجلس الوزراء بناءً على اقتراح الوزير إلى اللذين تتوفر فيهم الشروط القانونية ولرئيس مجلس الوزراء حق رفض منح الرخصة لأسباب تتعلق بالمصلحة العامة يعود تقديرها إليه . (أي رئيس الوزراء) .

نلاحظ أن القانون القديم قد حصر الموافقة أو الرفض بيد مجلس الوزراء بينما في القانون الجديد الموافقة أو الرفض بيد رئيس الوزراء .

وكذلك ورد في القانون الجديد تعبير المصلحة العامة وهذا تعبير واسع وفضفاض يمكن رفض أي ترخيص لا يروق لرئيس الوزراء الموافقة عليه .

المادة 18 من القانون 53 يقابلها المادة 16 من القانون 50 :

وهما تتعلقان بالشروط الواجب توفرها لصاحب الدورية أو الصحيفة وكلتا المادتين تحتويان على تسعة شروط وهي نفسها ماعدا تعديل جرى على الشرط السابع الذي يقول في المادة 18:

( ألا يكون قد حكم عليه بالحبس " لأسباب غير سياسية " مدة لا تزيد عن ستة أشهر أو حكم عليه من أجل جرم شائن أو طرد من الوظيفة بقرار من مجلس تأديب ..... )

بينما يقول الشرط السابع من المادة 16 ( أن يكون غير محكوم بجرم شائن أو طرد من الوظيفة)

نلاحظ الفرق بين القانونين بأن الشرط السابع من قانون عام 1949 قد حدد الجرم غير السياسي وحدد المدة أن لا تزيد عن 6 أشهر لكن الشرط السابع من قانون 2001 قد حذف هذا الاستثناء واصبح كل محكوم بغض النظر عن المدة وساوى المحكوم بجرم سياسي بغيره من المحكومين بجنايات شائنة .

أما في الشرط الثامن من نفس المادة في القانون 53 يقول : ألا يجمع بين مهنة الصحافة السياسية وأي مهنة أخرى .

 أما في الشرط الثامن من نفس المادة في القانون 50 فلم تحدد نوعية الصحافة بل كل أنواع الصحافة وهذا أيضاً تراجع عن القانون القديم وربما لأن السلطة لا تفكر بوجود صحافة سياسية مستقلة .

المادة 27 من القانون53:

تقول: تعتبر الرخصة ملغاة بكتاب صادر عن رئيس مجلس الوزراء بناءً على اقتراح وزير الإعلام في الحالات التالية .......

تقول الفقرة جـ - إذا قضي على المطبوعة بخمسة أحكام جزائية خلال سنة واحدة

 بينما تقول الفقرة 3 – من القانون 50 إذا صدر بحق المطبوعة حكمان جزائيان خلال سنة واحدة

ونلاحظ هنا أيضاً التقييد والتشديد أكثر في هذا القانون عن سابقه مما يسبب في سهولة إغلاق الصحف وإلغاء الرخص في بلد صحافته المستقلة في طورها الجنيني.

المادة 30 من القانون 53:

 تقول: لا تخضع المطبوعات الصادرة عن دوائر الدولة أو البلديات لأحكام هذا القانون.

بينما المادة 25 من القانون 53 تقول : لا تخضع المطبوعات الصادرة عن الجهات العامة والمنظمات الشعبية والاتحادات والنقابات لمهنية لأحكام منح الترخيص الواردة في هذا المرسوم التشريعي وتكتفي بإعلام الوزير بذلك .

وهنا نلاحظ كيف حلت المنظمات الشعبية محل دوائر الدولة ولم يأت القانون على ذكر دوائر الدولة أو البلديات إلا بصيغة عامة ( الجهات العامة) وهي على أي حال عبارة غير واضحة من تعني والمنظمات المذكورة هي منظمات تابعة لحزب البعث وهنا نلاحظ كيف حل الحزب محل الدولة .

المادة 28 من القانون 53:

 تقول: يجوز منح ممثلي الهيئات الاعتبارية كالجمعيات والأندية والغرف رخصاً بإصدار مطبوعات دورية ....

تقول المادة التي تقابلها وتحمل الرقم 23 من القانون 50

يجوز منح الأشخاص والهيئات الاعتبارية رخصاً ...

وهنا لا نعرف من هم الأشخاص وما علاقتهم بالهيئات الاعتبارية وبهذه الكلمة يمكن أن يمنح رئيس الوزراء  الرخص لمن يشاء. أما النقطة الثانية في هذه المادة فهي حذف( كلمات الجمعيات والأندية والغرف) وسمى محلها الهيئات الاعتبارية دون تحديد علماً أن العصر يسير باتجاه التحديد أكثر والتخصص أكثر حتى لا يكون هناك تعميم و إرباك في تفسير القوانين .

المادة 28 من القانون 50:

 لا يوجد ما يقابله في القانون 53 لعام 1949

تقول المادة : لا يسأل الصحفي عن مصدر معلوماته الصحفية باستثناء ما يسنده إلى مصدر مسؤول وللوزير صلاحية سحب بطاقته الصحفية في حال امتناعه عن التعريف بهذا المصدر.

المادة 39 من القانون 53:

يحظر على جميع المطبوعات أن تنشر 1-2-3-4-5-6 وتعنينا الفقرة 5 التي تقول : المقالات والأخبار التي تتعلق بأمن الجيش وسلامته وحركاته وعدده وتسلحه وتجهيزه و معسكراته باستثناء التي تصدر عن وزارة الدفاع الوطني أو التي تسمح هذه الوزارة بنشرها .

بينما تقول المادة 29 من القانون 50

يحظر على جميع المطابع أن تنشر 1-2-3-4-5-6 والفقرة الخامسة تقول : المقالات والأخبار التي تمس الأمن الوطني ووحدة المجتمع وكذلك التي تتعلق بأمن الجيش وسلامته وحركاته وعدده وتسلحه وتجهيزه و معسكراته باستثناء التي تصدر عن وزارة الدفاع أو التي تسمح الوزارة بنشرها .

نلاحظ كيف أضاف قانون 2001. تعبير الأمن الوطني ووحدة المجتمع كتعبير واسع وفضفاض غذ أن أي مقالة يمكن أن تعطى تفسيرات بحسب ما يرى الرقيب وفهمه للأمن الوطني أو وحدة المجتمع فمثل هكذا تعابير واسعة وفضفاضة تحد أكثر من حرية التعبير التي لا ينقصها تضييق أكثر مما هي عليه محدودية في سوريا.

المادة 47 من القانون 53 :

يحظر على الأفراد تعليق نشرات ملونة تمثل ألوان العلم الوطني أو الشعار السوري هذه المادة ليس لها مقابل في القانون 50 لعام 2001 . وحيث نلاحظ استخدام العلم الوطني في الإعلانات على نطاق واسع أو جعله شعارات لمصنوعات أو رمزاً لشركات خاصة. مما يسيء  لعلم الذي هو رمز الوطن وراية كل مواطن.

المادة 63 من القانون 53:

إن جرائم الافتراء والذم والقدح والتحقير المرتكبة بواسطة المطبوعات تعاقب وفقاً للأحكام الواردة في قانون العقوبات. أما المادة المقابلة لها المادة رقم 49 من القانون 50 لعام 2001

فقد أصبحت أ & ب – تقول أ- يعاقب مرتكبو جرائم الذم والقدح والتحقير بواسطة المطبوعات بالحبس من شهرين إلى سنة وبالغرامة مائة ألف ليرة سورية إلى مائتي ألف ليرة سورية, إن تحديد العقوبة بهذا الشكل هو أيضاً للتشديد وزيادة العقوبة إن كانت بالحبس أو الغرامة المالية .

المادة 65 من القانون 53:

يعاقب نقل الأخبار غير الصحيحة أو نشر الأوراق المختلفة أو المزورة أو المنسوبة كذباً إلى الغير بالحبس وبالغرامة 1000 ليرة سورية وإذا كان النشر أو النقل قد تم عن سوء نية أو سبب إقلاقاً للراحة العامة أو تعكيراً للصلات الدولية أو نال من هيبة الدولة أو كرامتها أو ألحق ضرراً باقتصاديات البلاد أو مس بانتظام أو معنويات الجيش .......

لا تختلف هذه المادة عن المادة الموازية لها من القانون 50 وهي المادة 51 إلا إضافة تعبير (أو مس الوحدة الوطنية) و زيادة الغرامة المالية بما لا يتناسب مطلقاً مع إمكانيات الصحفيين حيث وصلت الغرامة إلى مليون ليرة. وهذا مبلغ لن يستطيع أي صحفي جمعه مدى حياته وهذا ما يجعلنا نتساءل عن من سيحدد سوء النية أو حسنها في مقاله صحفيه وفي ظل واقع الفساد فإن أي محاكمة لصحفي ستقضي على مستقبله المهني والشخصي بموجب هذه المادة .

المادة 66 من القانون 53:

يقابلها المادة 52 من القانون 50 لعام 2001 التي تقول في أ- كل من حرض على ارتكاب جرم بواسطة المطبوعات الموزعة أو المبيعة أو المعدة للبيع أو المعروضة في المحلات والتجمعات العامة أو بواسطة الإعلانات المعلقة في الطرقات وأنتج هذا التعريض مباشرة مشروعاً في ارتكاب جرم يعاقب بالعقوبة التي تفرض على الشريك في الجرم المذكور.

وكذلك لا يوجد فرق بين المادتين 66 و 56 سوى تشديد عقوبة الحبس لتصل إلى ثلاث سنوات وقبلاً كان حدها الأقصى سنة وبالغرامة المالية التي تصل إلى مليون ليرة سورية وقبلاً كانت 1000 ليرة سورية.

 

المادة 69 من القانون 53 :

تقول الفقرة الأخيرة:

  كل مطبوعة أو دورية تدعو إلى تغيير دستور الدولة بالطرق غير الدستورية أو إلى تأييد الحكم غير الشرعي أو على العصيان ضد السلطات. يعاقب المسؤولون عنها بإلغاء رخصتها علاوة على العقوبات المنصوص عليها في القوانين النافذة .

تقابلها الفقرة 5 من المادة 56 من القانون 50 لعام 2001

وهي نفس المادة مع حذف عبارة (أو تأييد الحكم غير الدستوري)

نلاحظ الفرق بين المادتين هو فقط في شطب هذه العبارة. وهذا كان يحصل في الفترة السابقة التي سن فيها القانون 53 وتعديلاته أي حدوث الانقلابات العسكرية حيث نظر إليها المشرعون على أنها غير دستورية. ولكن هذا يدعونا إلى التساؤل لماذا حذفت هذه العبارة. ألا يجب أن يطلب من الصحافة عدم تأييد الحكم الغير دستوري  ؟

 

ثانياًُ:

بعض الملاحظات على مواد القانون 50 لعام 2001

 

المادة 9 :

على كل صاحب مكتبة أو موزع للمطبوعات يستورد المطبوعات الدورية الأجنبية أن يسلم عدداً من النسخ من كل مطبوعة قبل توزيعها في السوق ...

المادة 10 :

 للوزير أن يمنع دخول أو تداول المطبوعات الخارجية إذا تبين أنها تمس السيادة الوطنية أو تخل بالأمن أو تتنافى مع الآداب العامة.

إن عبارات مثل السيادة الوطنية أو مثل تخل بالأمن أو تتنافى مع الآداب العامة. هي تعابير فضفاضة تعطي الرقيب حق التفسير لأي عبارة كما يشاء وسلطة لا حد لها طالما لم يتم تعريف هذه العبارات ويسمح أيضاً بمزيد من القيود على حرية وصول المعلومات للمواطن السوري. ورغم أن شبكة الإنترنت قد أتاحت تصفح هذه الصحف إلا أن محدودية استخدام الإنترنت في سوريا تجعل الحاجة لهذه الصحف من قبل عدد كبير من المواطنين أكثر وهي بالمحصلة مزيداً من الرقابة في عصر أتاح حرية شبه مطلقة على تبادل المعلومات ونشرها.

المادة 12 – أ :

تمنح الرخصة بقرار من رئيس مجلس الوزراء بناءً على اقتراح الوزير إلى الذين تتوفر فيهم الشروط القانونية . ولرئيس مجلس الوزراء حق رفض منح الرخصة لأسباب تتعلق بالمصلحة العامة يعود تقديرها إليه .

إن عبارة المصلحة العامة هي عبارة أيضاً كان من المفترض تحديدها أو تعريفها من قبل القانون فهي عبارة فضفاضة وتسمح بتحكم رئيس الوزراء بمنح التراخيص لمن يشاء ورفض منح الآخرين لاعتبارات  قد لا تكون المصلحة العامة.

ومثل هذه العبارات تعطي صلاحيات أكبر علماً أن أي قانون طالما وضع الشروط الواجب توفرها يجب أن لا يسمح برفض الترخيص لأسباب غير معروفة تحت عنوان المصلحة العامة وهذا ما يوحي بأنها قد تكون تقييدات أو شروطاً أخرى لمن يرغب في الترخيص للصحف أو الدوريات غير معلنة.

المادة 12 ب  :

علاوة على الشروط الواردة أعلاه (أي أ ) يجب على كل طالب رخصة لإصدار جريدة يومية سياسية تعنى بالأمور الأخبارية أن يتقيد بالتعليمات المتعلقة بأعداد الجريدة ومواصفاتها والمحررين والمراسلين والاشتراك بوكالات الأنباء التي تحدد بقرار يصدر عن الوزير.

واضح من النص أن مزيداً من التحديد والتقييد لكل من يرغب بالحصول على جريدة يومية سياسية وواضح أن ما يخص الصحيفة السياسية مقيد تقيداً كبيراً إذ حتى اليوم لم تصدر سوى مجلة سياسية واحدة هي مجلة أبيض أسود.

المادة 16 :

وهي عشرة شروط يجب أن تتوفر في صاحب المطبوعة أو الدورية. ونخص بالتحديد الشرط الثاني. أن يكون متمتعاً بحقوقه المدنية والسياسية وهذه المادة تحرم الكثير من الذين جردوا من الحقوق المدنية من حق الحصول على رخص لإصدار صحيفة أو مطبوعة وهؤلاء أغلبهم من حكموا لأسباب سياسية.

المادة 18 الفقرة 2:

أن يكون حائزاً على إجازة جامعية أو حاملاً بطاقة صحفية صادرة عن الوزارة بالاستناد إلى كتاب مصدّق من اتحاد الصحفيين ....

إن هذه الفقرة تمييزية بين من ينتمي إلى حزب البعث وغيره إذ أن اتحاد الصحفيين يشترط على المنتسب له أن يكون منتسباً لحزب البعث.

المادة 20 :

على صاحب المطبوعة الدورية إذا أوقف صدورها بصورة مؤقتة أو نهائية أن يعلم بذلك الجهة الإدارية فوراً وإذا كان وقف المطبوعة مؤقتاً وجب أن يكون ذلك لعذر مشروع تقبل به هذه الجهة وأن تذكر مدة هذا الوقف على أن لا يمنع ذلك من تطبيق أحكام المادة 22 من المرسوم التشريعي.

نلاحظ من هذه المادة مسالتين:

 أولاًً : العذر المشروع ومن يحدد مشروعية العذر فإذا لم تعتبره الجهة الإدارية مشروعاً وكان بالفعل مشروعاً فقد وجب أن يكون هناك تحديد واضح للأعذار المشروعة حتى لا يترك للجهات الإدارية التفسير على هواها وهذا ما يمكن أن يستخدم بصورة غير صحيحة .

ثانياً : تقول المادة 20( على أن لا يمنع ذلك من تطبيق أحكام المادة 22) وهذا يعني حتى وإن كان العذر مشروعاً فإن ذلك لن يمنع من إلغاء الترخيص الذي تنص عليه المادة 22 .

المادة 24 :

تعطى الأحزاب السياسية المرخصة قانوناً بناءً على طلبها رخصة بإصدار مطبوعة دورية تنطق باسم الحزب .....

وهذه المادة لا تتيح سوى لأحزاب الجبهة الوطنية التقدمية التي تشترك مع حزب البعث في الحكم بإصدار صحفها علماً أنه لا يوجد قانون للأحزاب في سوريا وهناك أحزاب موجودة واقعياً لكن غير مسموح لها بإصدار صحفها ويحق للسلطات مصادرة ما تنشر وتصدر هذه الأحزاب وإحالة القائمين عليها للقضاء .

ولم ينص القانون على السماح للجمعيات والمنظمات الأهلية غير المرخصة بإصدار صحف أو دوريات خاصة بها على الرغم من أن المادة 23 تقول : يجوز منح الأشخاص والهيئات الاعتبارية رخصاً بإصدار مطبوعات دورية على أن تكون أهدافها ذات صلة وثيقة بأنظمتها .

المادة 28 – ج

لا يسأل الصحفي عن مصادر معلوماته الصحفية باستثناء ما يسنده إلى مصدر مسؤول وللوزير صلاحية سحب بطاقته الصحفية في حال امتناعه عن التعريف بهذا المصدر إن تعبير" مصدر مسؤول" تعبير غير واضح وكان من المفترض تحديد درجة مسئوليته أو وظيفته وهذا تضييق على عمل الصحفي ويجعله عرضه للمساءلة.

المادة 30

على المطبوعات أن تنشر مجاناً كل تصحيح أو رد ترسله إليها الوزارات والإدارات العامة أو المؤسسات الرسمية بشأن مقال أو خبر نشرته يتعلق بالأعمال التي تقوم بها وذلك في أول عدد يصدر بعد استلامها الرد أو التصحيح على أن لا ينشر هذا الرد على أية مطبوعة وأية مطبوعة دورية أخرى قبلها ..... وتلزم أيضاً بنشر الرد على الرد أو التصحيح.

إن هذه المادة تجعل المسؤولين عن الصحيفة يحسبون لأية مادة انتقادية اتجاه مؤسسة أو إدارة تابعة للدولة حتى لتلتزم بنشر الرد مجاناً وبالتالي تعيق التحقيقات أو المتابعات حول نشاطات أو أعمال أو فساد ضمن هذه المؤسسات. إضافة إلى ذلك فإن الدولة بإمكانها أن تدفع أجور الردود أو النشر ضمن الصحف التي تمتلكها لكن أسوة ببقية المواد التي سجلنا ملاحظات عليها فإن ما ورد في الكثير من هذا القانون يعيق عمل الصحافة وبالتالي يقلل من انتقادات عمل دوائر الدولة ومؤسساتها ويلغي دور الرقابي للصحافة وهذا ما تنحو الدولة اتجاهه.

 

المادة 44 : -ج-

تفرض على المسؤولين وفق هذا المرسوم التشريعي في كل مطبوعة دورية غرامة من عشرة آلاف ليرة سورية إلى عشرين ألفاً إذا أغفلت ذكر أحد الأمور التالية :

1- اسم صاحب المطبوعة أو أسم الشركة إذا كانت هي صاحبة المطبوعة ومركز إدارة هذه الشركة. أسم المدير المسؤول ورئيس التحرير.

2- عنوان مركز التحرير أو إدارة النشر .

3- أسم وعنوان الناشر والمسؤول عن الطباعة.

4- تاريخ صدور المطبوعة .

تعتبر هذه الفقرة ببنودها الأربعة كافية لأن تحرم أي حزب سياسي غير مرخص من نشر مطبوعة.

 

المادة 51 : -أ-

يعاقب من ينقل الأخبار غير الصحيحة أو ينشر أوراقاً مختلفة أو مزورة منسوبة كذباً إلى الغير بالحبس من سنة إلى ثلاث سنوات وبالغرامة من خمسة آلاف ليرة إلى مليون ليرة سورية أو بإحدى هاتين العقوبتين ويقضى بالحد الأقصى للعقوبتين معاً إذا كان النشر أو النقل قد تم عن سوء نية أو سبب إقلاقا للراحة العامة أو تعكيراً للصلات الدولية أو نال من هيبة الدولة أو مس كرامتها أو مس الوحدة الوطنية أو معنويات الجيش والقوات المسلحة أو ألحق ضرراً بالاقتصاد الوطني وسلامة النقد ما لم ينطبق على الفعل عقوبة أشد.

إن هذه تفسح المجال أمام مقاضاة الكتاب والصحفيين بل أكثر من ذلك القضاء على مستقبلهم المهني من خلال العقوبة القصوى بالحبس وغرامة المليون ليرة سورية وحيث أن ما يحصله أي صحفي من دخل لن يستطيع دفع مثل هذا المبلغ. وتشدد العقوبة بهذا الشكل ينشط الرقابة الذاتية بحيث لا يفكر الصحفي أبداً بالتطرق إلى الموضوعات التي قد تكون مثار جدل أو يمكن أن تعطى تفسيرات وخاصة أن ما ورد في الفقرة من مثل عبارة مس كرامة الدولة وهيبتها أو مس الوحدة الوطنية وكذلك عبارة سوء النية التي ستكون كالسيف المسلط على رقاب الصحفيين والكتاب وغيرهم ممن لهم صلة بالطباعة والنشر والتوزيع.

وهذه المادة تؤكد على مدى إصرار السلطة على منع أي نشاط سياسي حتى لو كان رأياً في مقالة صحفية.

المادة 52 : -أ-

تقول: كل من حرض على ارتكاب جرم بواسطة المطبوعات الموزعة أو المبيعة أو المعدة للبيع أو المعروضة في المحلات والتجمعات العامة أو بواسطة الإعلانات المعلقة في الطرقات وأنتج هذا التحريض مباشرة مشروعاً في ارتكاب جرم يعاقب بالعقوبة التي تفرض على الشريك في الجرم المذكور .

من الواضح تماماً أن المقصود بالجرم في هذه المادة هو السياسي لأنه من غير المعقول أن تكون الصحف والمطبوعات المكان المناسب للتحريض على جرائم شائنة إذ لا يزال يحظر في سوريا أي نشاط سياسي خارج إطار حزب البعث وأحزاب الجبهة الوطنية. وتستطيع هذه المادة أن تدين أي كاتب أو صحفي يحرض على نشاط سياسي ما مهما يكن صغيراً. فحتى انتقاد محافظ أو موظف في دائرة حكومية ممنوع فما بالك بأن يكتب حول موضوعات ذات أهمية وطنية وبسبب مثل هذه المواد وغيرها ومثل ذلك تطبيق حالة الطوارئ على مدى أكثر من أربعين عاماً فإن الرقابة الذاتية كان لها التأثير الكبير في عمل الصحافة ومهنة الكتابة والنشر بشكل عام في حين أن سوريا إذا أرادت حكومتها أن تسير كما تدعي نحو الإصلاح والتغيير فأول فعل يجب أن تفعله إطلاق الصحافة ورفع كافة القيود على عملها إن كان بتأسيس صحف مستقلة أو برفع كل أنواع العقوبات التي تفرض رقابة على الرأي والتعبير عن الرأي لتلعب الصحافة والإعلام بشكل عام ودورهما  كسلطة رابعة.

المادة 55 –أ-

كل من اتصل بدولة أجنبية وتقاضى منها أو من ممثليها أو مجلاتها أموالاً لقاء الدعاية لها أو لمشاريعه عن طريق المطبوعات يعاقب بالحبس من ستة أشهر إلى سنتين وبغرامه من خمسين ألف إلى مائة ألف ليرة سورية .

إن كلمة (دعاية) الواردة في النص غير واضحة ولا يوجد في النص تعريف أو تحديد لها وهذا ما يزيد من وطأة الرقابة إذ قد تفسر كلمات أو آراء أو مقارنات على أنها دعاية لمشاريع دولة أو جهة أجنبية إذ ربما يفسر امتداح لموقف سياسي ما على أنه دعاية لهذه الدولة أو تلك.

المادة 56 : -د-

كل مطبوعة تدعو إلى تغيير دستور الدولة بطرق غير دستورية أو إلى العصيان ضد السلطات القائمة بموجب أحكام الدستور يعاقب المسؤولون عنها بإلغاء رخصتها علاوة على العقوبات المنصوص عليها في القوانين النافذة.

إن عبارة تغيير دستور الدولة بطرق غير دستورية الواردة في المادة سمحت بمحاكمة أشخاص تحدثوا  وطالبوا بضرورة تغيير الدستور أو بعض من مواده فكيف إذا كان هذا الكلام مكتوباً في صحيفة، ولنا أن نسأل هل الكلام أو الكتابة و انتقاد الدستور أو بعض منه يعتبر طريقة غير دستورية مثلاً؟ وهل الدستور كتاب مقدس لا يجوز المساس به؟ إذ أن كل الأنظمة والشعوب تعدل وتبدل دساتيرها بما يتناسب مع المتطلبات والضرورات التي يفرضها التطور الحضاري، وهذه المادة تأتي منسجمة مع السياق العام لهذا القانون، الذي قضى على كل الآمال التي كان يعلقها العاملون في مجال الإعلام والصحافة في التمتع بهامش من الحرية بعد سنوات طويلة من غياب أي منفذ للتعبير عن الرأي.

     إن محاولتي هذه  لتسليط الضوء على قانون المطبوعات من أجل قانون جديد يتعامل مع متطلبات العصر ومواكبة تطوراته التكنولوجية وخاصة في مجال الاتصالات فمن المعيب إضافة لما ذكرت أن يصدر قانون للمطبوعات في العام 2001 ولا يذكر بكلمة شبكة الاتصالات الدولية الإنترنت أو الأقمار الصناعية والفضائيات أو الإذاعات ومحطات البث التلفزيوني. فالمحطات الفضائية وبرامجها دخلت أصغر بيت في سوريا تتحدث ما تشاء عن سوريا وتوجه الانتقادات وعلى مستوى عال لأداء السلطات فيها بقضايا من مثل الإرهاب ودعم المقاومة اللبنانية أو التنظيمات الفلسطينية أو قضايا مثل حقوق الإنسان أو الفساد الخ ... في حين محظور على الصحافة المحلية أن تمس الكثير من الموضوعات التي تعالجها وسائل الإعلام الأخرى في الخارج.