منذ سنوات وسورية تعيش حالة كمون سياسي أسميته
قبل خمس سنوات نهاية حقبة. هذا الكمون ساهم في خلقه سلطة تسلطية تعد الخلافة بشكل
لا ينسجم مع كل تقاليد سورية الحديثة من جهة، ومعارضة سياسية منهكة بجروح الاعتقال
والتشريد والتجويع من جهة ثانية، ومجتمع تم اغتيال وجهه المدني عن سابق إصرار
وتصميم. ونظرا لدور نشطاء حقوق الإنسان المركزي في عملية الانتقال إلى الديمقراطية
فقد شاركت منذ 1993 في عدة مؤتمرات تتناول قضية تعثر الديمقراطية في العالم العربي
عموما وسورية خصوصا كجزء من مسؤوليتي في لجان الدفاع عن الحريات الديمقراطية وحقوق
الإنسان بين 1992-1996. ثم ومنذ الإفراج عن الزميل أكثم نعيسة والتوجه الذي
اختاره، تركت مع عدد من الزملاء المنظمة لنتابع نضالنا من أجل حقوق الإنسان دون أي
تنازل أو مساومة في القضايا المبدئية التي ناضلنا دائما من أجلها. وقبل وفاة
الرئيس حافظ الأسد بأسبوع، كتبت للحياة مقالة توضح رأيي في ضرورة الاختيار
الديمقراطي لإنقاذ سورية ليس فقط من التسلط وإنما من احتمالات التلوث العنفي
والطائفي التي زرعت سلطة الأسد المقومات الموضوعية لنموها وترعرعها. وقد نشر
المقال في 11 يونيو (حزيران) أي بعد وفاة الأسد بيوم. أما المقال الثاني فقد نشر
في القدس العربي في 3 أب (أغسطس) 2000 ، أي إثر اكتمال مهزلة التنصيب. وفيها وجهت
الدعوة لمؤتمر وطني لكل الديمقراطيين السوريين. ثم أخيرا جاء المقال الثالث لإعطاء
محصلة سريعة لثلاثة عقود من العسف تفسر لماذا أصبحت قضية الإصلاح السياسي قضية
إنقاذ لسورية من شبه الموت وقد نشرته "القدس العربي" اللندنية في
عددها الصادر يوم 12/7/2000
إن غياب
الرئيس الذي فصّل السلطة على مقاسه خلق بالتأكيد حالة اضطراب في التوازن. وهناك
فراغ كبير. هذا الفراغ تحاول السلطة الأمنية أن تملأه على حساب المجتمع السياسي،
الأمر الذي يذكرنا إلى حد ما بنموذج الشاذلي بن جديد في الجزائر الذي تعزز فيه دور
الجنرالات لغياب جنرال أكبر. وعندما نتحدث عن تعزيز السلطة الأمنية إضافة لكل ما
في يدها، فإنما نوجه الأنظار إلى احتمال القطيعة الكاملة بين جهاز ما بعد الأسد
والمجتمع بعد أن أعطى قطاع من أبناء المجتمع لفكرة التغيير نصيبا بعد وفاة
المستبد. وهذا التوجه سيخلق ردة فعل إضافية تعزز كمون العنف والحقد الذي لن يأخذ
بالضرورة شكلا مدنيا وديمقراطيا. إن السلطة بتوجهها الأمني وعزلتها السياسية
ورفضها للأخر تقود البلد نحو مغامرة ليس بوسعنا تحديد حجمها ومخاطرها، ونأمل ممن
لم يفقد بعد حاسة بعد الرؤيا أن يتذكر أن المستقبل المشترك لأطفالنا وأطفال من
يحكم البلد يتطلب من السلطة إحساسا أعلى بالمسؤولية وإدراكا أكبر لأهمية الإصلاح
السياسي. فهذا الإصلاح هو الاستفتاء الوحيد الذي نقبل به لمناقشة موضوع الشرعية
السياسية. خاصة وأن ما يجري منذ وفاة الأسد قد ربط سمعة سورية بالمأساة-المهزلة.
في حديث له
عن شعبية نظامه يقول جوزف ستالين: "في سنة 1937 حكِمَ بالإعدام على
توخاتشفسكي وياكير ومن لف لفهم من الوحوش، وبعد ذلك جرت انتخابات السوفييت الأعلى
للاتحاد السوفييتي وأعطت هذه الانتخابات للسلطة السوفييتية 6،98% من مجموع
الأصوات. وفي بداية سنة 1938، حكم بالإعدام على روزنكولز وريكوف وبوخارين وما
إليهم من وحوش، وجرت بعد ذلك انتخابات السوفييت الأعلى للجمهوريات الفدرالية،
وأعطت هذه الانتخابات للسلطة السوفيتية 4،99% من مجموع الأصوات. إننا نتساءل أين
هي علامات انحلال النظام والدولة والطليعة الحزبية ولماذا لم يترجم هذا الانحلال
في نتائج الانتخابات؟".
عند سقوط
جدار برلين ظن الديمقراطيون في العالم بأن جملة كهذه لم يعد لها إلا قمامة
التاريخ. فالإجماع ليس علامة قوة بل إشارة ضعف، وأشباه الانتخابات والاستفتاءات
المهندسة من فوق لم تعد تقنع حتى أصحابها. أما قرارات أشباه الأحزاب التي تتناسب
شرعيتها طردا مع حجم مراكز الأمن في البلاد فقد ولت إلى غير رجعة.
إلا أننا
ما زلنا وللأسف ننتمي لعالمنا بالمكان لا بالزمان، وبالمعنى الجغرافي لا بالمعنى
التاريخي. لهذا لم نحقق بعد النقلة إلى الحقبة التي نعيشها رغم كل المآسي والهزائم
المبكرة والمتأخرة التي لحقت بالعالم العربي في القرن العشرين.
لقد خلق ما
سمي بالاستقرار الأمني الذي ساد في ظل الرئيس الأسد قناعة عامة عند الأجهزة التي
شكلت الواجهة السياسية لحقبته بأن الاستمرار على نهج الرئيس هو السبيل الأمثل
للبقاء في السلطة ولو ماتت المواطنة واحتضر الوطن. ألم يسجل الرئيس السوري أطول
فترة حكم عرفها تاريخ سورية المعاصر؟ ألم ينجح في لجم وخنق كل أشكال الاحتجاج
السلمية والعنفية في البلاد؟ ألم يجعل السجن والمنفى السبيل الوحيد للمعارضة في
البلاد؟ ألم يستبدل مبدأ انتخاب الرئيس بالاستفتاء على مرشح يعينه حزب البعث ؟
إن هذا
التحليل للفريق الجديد لا ينتمي فحسب إلى نظرة جامدة ومحدودة للعمل السياسي، لكنه
يعتمد على منطلقات بائدة تعاملت مع المجتمع السوري باعتباره نسيج من الرعية لا حول
لها ولا قوة. فالرئيس هو الملهم والقائد والحزب هو الأداة السياسية لترجمة سياسته
والمؤسسة العسكرية-الأمنية هي الضامن الفعلي للاستقرار.
منذ 1973 ،
كانت قناعتنا أن الدستور جاء ليدعم مع حالة الطوارئ سلطات الرئيس، وشاطرنا كل من
قال بأن من العار على سورية أن يبقى في دستورها ما يجعل من حزب البعث قائدا
للدولة والمجتمع الرأي. وإن كنا مضطرين اليوم للتأكيد على هذه النقطة، فلأن
"الحزب القائد للدولة والمجتمع" قد مات كخط إيديولوجي ومصدر إلهام سياسي
ومصدر استقطاب للشبيبة والكوادر، اللهم إلا بالمعنى النفعي والانتهازي للكلمة.
وكان الاجتماع المأساوي لمجلس الشعب في يوم وفاة رئيس الجمهورية إعلانا عاما
لهزالة السلطة التشريعية على الطريقة السورية. عبر تعرضه لتعديل المادة 83 مع
الإبقاء على المواد التي تليها والتي تركز السلطات بيد الرئيس، من المؤكد أن
الجهاز المقرر للخلافة لم يأخذ عند تفصيله الثوب على مقياس الكاهن إلا قياس
الحذاء. لذا لا يستغرب أن يطالب الابن في أربعة أسابيع بكامل ميراث أبيه في ثلاثة
عقود.
سورية
اليوم، تعيش واحدة من أصعب أزماتها المعاصرة، وكأن العاشر من يونيو (حزيران) هو
يوم الخوف في تاريخ هذا البلد. ففي هذا اليوم قرر حافظ الأسد في 1967، وكان يومئذ
وزيرا للدفاع، الانسحاب الكيفي للجيش السوري من الجولان الذي توج هزيمة حرب الأيام
الستة بعد أن خسرت مصر سيناء. وها نحن بغياب الأسد، نعيش فراغا سياسيا مخيفا. حدث
بهذه الأهمية والخطورة يتطلب وقفة بحجم الحدث وعلى مقاسه. فلا خلاف عند أنصار
السلطة وخصومها على أن الصلاحيات الكبيرة التي كانت بيد الرئيس السوري ليست على
مقياس خليفته المعيّن منذ فترة، وأنه لا توجد قوة سياسية واحدة أو فئة اجتماعية
واحدة قادرة على مواجهة التحدي التاريخي الكبير الذي تعيشه سورية اليوم. ستخطئ
السلطة العسكرية الأمنية إذا تصورت أن بالإمكان اجترار الطريقة نفسها في الحكم عبر
قرارات خيالية السرعة تكسر كل هيبة للدستور والشرعية السياسية.
من
السهل أن ينكفئ الفريق الحاكم على نفسه وأن يفرض بالدعاية الإيديولوجية والقوة على
الشعب عبور المرحلة الانتقالية. ظانا بأن المواطن السوري سيقبل بالوريث لأنه أقل
من في الأسرة والجيش سوءا. إنه ينسى الاحتمالات غير المنظورة لخيار الاستفراد
بتقرير مصير الوطن، أي خيار رفض الانتقال نحو التعددية الحزبية والحريات الأساسية
واستقلال السلطة القضائية وإطلاق العنان لحرية التعبير والرأي.. فهي مسؤولية
أخلاقية سياسية ووطنية كبيرة على كل من يشارك في صياغة الوضع السياسي الجديد في
البلاد. ذلك، مع كل ما تحمل من عنصر اضطراب كبير للسلام الأهلي في البلاد أو اتخاذ
القرار الأصعب الذي يعيد الاعتبار للوطن كقضية عامة تمس كل مواطن.
إن القيادة
السورية الجديدة تسير بسرعة في سياسة الطريق المسدود. متناسية أو متغافلة عن
كون سورية بحاجة اليوم إلى مواقف حكيمة من الجميع، من السلطة قبل المعارضة.
مواقف تؤكد على الوحدة الوطنية وترفض نبذ أي طرف وتعيد الاعتبار للمواطن كضمان
أساسي لكرامة الإنسان والوطن. مواقف تترك تغيرات القشرة والسطح لتبلغ عمق الأزمة المزمنة
التي أوصلت أحد أكثر المجتمعات العربية دينامية إلى حالة التراجع الراهنة.
لقد انحصر
مؤتمر حزب البعث في الوراثة والتوريث حاملا في العلن فزاعة الفساد وفي السر تهديد
كل من هو خارج الجوقة من عواقب موقفه. وبذلك كان هزيمة جديدة لحزب لم يتعلم في 15
عاما من الغياب أي درس سوى التبعية للتجمع المصلحي العسكري الحاكم. وعوضا عن
القيام بنقد ذاتي لحقبة بادت ومد اليد إلى كل التعبيرات الحية في البلاد من أجل
حكومة وفاق وطني ولجنة دستورية يعتمد تشكيلها على الكفاءات لا على البطاقات
الحزبية ؟ اكتفى بالإشادة بالانجازات والتغني بانتصارات لم يرها سوى المنجمين من
أنصاره.
إن كان
"الفريق الجديد" قد قرر المضي في مشروعه مغلقا السمع والبصر فما هو موقف
الديمقراطيين والمدافعين عن كرامة الإنسان وحرياته وحقوقه؟ إن هؤلاء مدعوون اليوم
لتدارك الوقت الضائع واستعادة المبادرة لتكوين قوة ديمقراطية حقيقية في البلاد
قادرة على فرّض الإصلاح السياسي بالنضال السلمي اليومي بعد أن فشلت كل نداءات
الحوار. فالحق ليس مكرمة يقدمها الحاكم، والسماء لا تمطر تغييرا ولا ديمقراطية.
وبالمقابل لذلك، لا ضياع لحق وراءه طالب.
من هنا
ضرورة انعقاد مؤتمر وطني يجمع كل الأفراد الأحرار الذين فشل الاستبداد في قتل روح
المقاومة في نفوسهم وفشلت حالة الطوارئ في شّل عزيمتهم النضالية للاتفاق على
برنامج ديمقراطي يشمل دمقرطة الدستور ورفع حالة الطوارئ وفرض العفو العام والترخيص
للقوى السياسية والاجتماعية والثقافية المستقلة بالعمل في ظل نظام تعددي
يؤكد على احترام حرية الرأي والمعتقد وحقوق الأقليات الثقافية . على أن يكون هكذا
مؤتمرا مفتوحا لكل القوى التي ترفض الإهانة التي ستنجم عن العاشر من تموز (يوليو).
إن هكذا مبادرة يمكن أن تعيد رسم الخريطة السياسية للأحزاب والمنظمات والتجمعات
الممنوعة في البلاد وتسمح بدفع كل الرافضين للوراثة "الجمهورية"
بالانخراط في النضال السلمي من أجل الديمقراطية في سورية.
أدى
المواطن سعد جودت سعيد من قرية بئر عجم حقه بالمشاركة في الاستفتاء الأخير في
سورية واضعا (لا) على السؤال المطروح. فأتى رئيس القلم واستبدلها بغفلة عنه بنعم.
انتبه سعد للعملية واختلف مع مسؤول المركز من منطلق أنه يحق له أن يعبر عن رأيه
كما يريد. طبعا حمل سعد إلى فرع الأمن الجنائي للتحقيق ومازال معتقلا حتى كتابة
هذه الأسطر(أفرج عنه الآن).
لا يوجد
فترة زمنية للتوقيف الاحترازي في سورية ولم تجر العادة في سورية على أن يتلقى
موقوف سياسي مذكرة توقيف أو يؤذن لمحام بالدفاع عنه، أو أن يحال خاصة إلى محكمة
عادلة. فكل هذه الاجراءات غائبة حتى اليوم في قاموس "الجمهورية" العربية
السورية. بل حتى المقاضاة التي عرفها المجتمع العربي قبل الإسلامي ليست مرجعا وأمر
الإحضار أمام المحكمة أو قانون الإحضار habeas corpus
الذي عرفته انجلترا منذ عام 1679 لا يشكل إلزاما للسلطات الأمنية.
لدى اللجنة
العربية لحقوق الإنسان قوائم غير مكتملة بثلاثمائة شخص بدأت محاكمتهم أمام محكمة
أمن الدولة بعد عشر سنوات على اعتقالهم. وقائمة غير كاملة من 650 شخص لم يحاكموا
يوما رغم بقاء بعضهم في السجن 27 عاما. ومن أصل 2010 معتقل سابق يعملون في قطاع
الدولة جرى رصدهم، عدد قليل جدا منهم عادوا لعملهم.
كذلك، من
كل ضحايا الوفاة تحت التعذيب لم يجر التعويض على عائلة ضحية واحدة، وإنما قدم
تعويض مهني لعدد من الأشخاص لا يتجاوز أصابع اليدين ولاعتبارات غير قانونية. وصل
عدد أسماء الذين دخلوا السجن في العقود الثلاثة الماضية وبقوا لأكثر من عام
ولأسباب تتعلق بحرية الرأي والضمير في حوزتنا إلى 18700 شخص، منهم أكثر من 5000
فلسطيني وأكثر من 800 لبناني. والقائمة غير كاملة بالتأكيد.
لم تقبل
السلطات السورية حتى اليوم بإجراء تحقيق واحد حول مصير أي مفقود، وتوجد قائمة غير
حصرية بأسماء 3100 شخص مازالوا غير معروفي المصير. الحالات الوحيدة التي أجابت
عليها السلطات السورية هي تلك التي قدمناها إلى فريق العمل الخاص بالاختفاء القسري
أو اللا إرادي التابع للمفوضية العليا لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة. ردت
الحكومة على 71 حالة، معظمهم أعدم كما تقول هذه السلطات "لكونهم إرهابيين
ينتمون لحركة الإخوان المسلمين". أحدهم، جامعي من حزب العمل الشيوعي، المهندس
مضر الجندي، وهو وفق رد الحكومة السورية "حكم بالإعدام لقيامه بعملية خطف
رهائن وتقطيع أوصالهم ولكنه مات قبل تنفيذ الحكم فيه"، طبعا دون توضيح كيف
ومتى وأية محكمة وأي خطف رهائن. هذا بالإضافة إلى قوائم لبنانية وفلسطينية أنكرت
السلطات السورية دخولها الأراضي السورية يوما رغم شهادات من سجناء سوريين بالتعرف
عليها.
وفقا
لشهادة المهندس فاتح جاموس الذي أمضى 18 عاما في عدة سجون منها تدمر، قتلت أجهزة
الأمن من عام 1980 إلى 1985 في سجن تدمر خمسة آلاف إلى ستة آلاف سجين، في حين يعطي
معتقلون سابقون من أقرباء أعضاء في حركة الإخوان المسلمين العدد نفسه فقط لعامي
1980-1982. دخل فاتح جاموس السجن بعد ست سنوات من الملاحقة وبقي فيه 12 عاما دون
محاكمة. بفضل الضغوط الدولية أحيل إلى محكمة أمن الدولة. ورغم انتهاء الحكم عليه
بالسجن (15 عاما) بقي ثلاث سنوات إضافية. وهذا هو حال الأستاذ عبد الكريم أصلان
الذي أمضى 16 عاما في السجن وثماني في الملاحقة ( كلاهما كان ضد العنف السياسي ومع
الحريات السياسية ومن مؤسسي حزب العمل الشيوعي). أما المحامي رياض الترك، الأمين
العام للحزب الشيوعي السوري، فقد بقي في عزلة كاملة عن العالم 17 عاما دون محاكمة.
كذلك حال قياديي حركة 23 شباط ورئيس الجمهورية السابق الدكتور نور الدين الأتاسي
(الذي خرج من السجن ليموت بالسرطان المتقدم الذي أصيب به في سجن المزة). أي منهم
لم يحل إلى محاكمة أكانت استثنائية أو سرية أو ميدانية.
يفوق عدد
المحرومين من الحقوق المدنية اليوم الخمسة آلاف شخص. أما عدد المنفيين لأسباب
سياسية مباشرة أو غير مباشرة فهم حوالي 27 ألف في أقل تقدير.
نسطر هذه
المعطيات على صعيد العسف الفردي، دون التطرق للمجازر الجماعية التي تتطلب لتوثيقها
هيئات تحقيق مستقلة داخل البلاد. الأمر المستحيل حاليا. وما ذكرته، ليس سوى غيض من
فيض، لشرح أسباب المأساة التي أوصلت سورية اليوم إلى ما هي عليه من انحطاط سياسي
وحقوقي.
قام
الجنرال أوغستو بينوشيه بعمليات قتل واسعة لخصومه، لكنه لم يتمكن من اغتيال
الجمهورية وقتل المجتمع. لذلك كان الخلاص من نظامه أو تحييده شخصيا ممكنا حتى قبل
وفاته. أما في الحالة السورية، فقد تم اغتيال فكرة الجمهورية، أي السياسة كشأن عام
Res publica ، على مذبح 37 عاما من حالة الطوارئ و 35 عاما من سيادة القوانين
الاستثنائية وإلغاء مفهوم السلطة القضائية المستقلة وصيرورة أجهزة الأمن الآمر
الناهي على رقاب الناس.
لم تكن هذه
المأساة فقط مشكلة ممارسات تغيب بمحاسبة أصحابها، بل أدخلت في صلب الدستور الدائم
الذي فصّله الرئيس الراحل حافظ الأسد على مقاسه ورؤيته للدولة والعمل السياسي. لقد
أمم هذا الدستور الرؤية السياسية والبرنامج السياسي في الوطن حاصرا إياه في
الديباجة بنظرة حزب البعث وبرنامجه. كذلك ربط كل خروج من القوانين الاستثنائية
وحالة الطوارئ بشخص رئيس الجمهورية (المادة 101) ونصّب حزب البعث قائدا للدولة
والمجتمع (المادة 8) ومنع أي شكل من أشكال العمل الاجتماعي والنقابي والحقوقي لا
ينسجم مع مبادئ الحزب المذكور (المادة 49) كما أبقى على كل التشريعات الاستثنائية
التي سبقت صدوره (المادة 153). وبذلك كان الدستور أنموذجا في التعسف والجمود
والانغلاق.
في عام
1962، تأسست أول منظمة عربية لحقوق الإنسان في دمشق: الرابطة السورية للدفاع عن
حقوق الإنسان، التي جرى حظرها عام 1980 بعد مطالبتها بالإصلاح الديمقراطي
ومشاركتها في إضراب اليوم الواحد الذي دعت إليه المنظمات المهنية للمحامين
والأطباء والمهندسين والصيادلة في 31 آذار (مارس) 1980. لقد شملت حملة
الإعتقالات يومها قرابة ألف كادر جامعي ومن المهن الحرة المذكورة، وبقي بعض مناضلي
الرابطة حتى 1986 في السجن دون محاكمة. لقد أصدر رئيس الجمهورية مرسوما في 1980
يعطيه الحق بتسمية قيادات المنظمات المهنية حتى لا يبقى أي هامش للعمل المستقل في
البلاد. وعندما حاول قرابة عشرين مواطنا استعادة تجربة الرابطة في لجان الدفاع عن
الحريات الديمقراطية وحقوق الإنسان في 1989، جرت حملة اعتقالات في 1991 زجت بكل
كوادر المحاولة في السجن. وحتى كتابة هذه السطور ما زال ثلاثة قياديين هم نزار
نيوف ومحمد علي حبيب وعفيف مزهر في المعتقلات.
بعد أن
كانت سورية أول دولة عربية يصدر فيها كتاب عن حقوق الإنسان (1937) ومربض قيام
اتحاد المحامين العرب (1944) وأول بلد عربي تتشكل فيه رابطة لحقوق الإنسان (1962)،
أصبح الخطاب الرسمي يتحدث عن عدم أهلية هذا الشعب للديمقراطية وعدم استعداده لها
والحاجة الماسة إلى ظروف اجتماعية واقتصادية تؤهل هذه "الرعايا"
للانتقال إلى مستوى المواطنة. بعد أن تم اغتيال المجتمع المدني وزرعت مقومات
العصبيات العضوية القديمة من قبل السلطات يعود المجتمع نفسه مجرما ومسؤولا عما حدث
وعما وصلت إليه البلاد. ويعاقب على ذلك بقرار عدم الأهلية للديمقراطية.
كتب لي
مواطن سوري يقول: "تستطيع هنا في كل لحظة أن تشعر بالإهانة تلفك من كل جانب،
فكل من يمتلك أي نوع من السلطة، حتى ولو كان شرطي مرور، يستطيع أن يمارس سلطته
عليك بأبشع الأشكال، وعليك أن لا ترد الكلمة أو حتى الإهانة لكل من كانت لهجته
توحي بالانتماء لطائفة الرئيس. فاليوم مثلاً ذهبت مع شقيقي إلى المستشفى لتصوير
ظهره الذي يؤلمه، فاضطررت للانتظار حوالي نصف ساعة بينما ينتهي. وكنت واقفاً في
الكافيتريا الخاصة بالمستشفى عندما حضر ثلاثة شبان مقربين من السلطة وتشاجروا مع
صاحب المقهى وشتموه بأعلى أصواتهم لأنه لم يعاملهم بالاحترام اللازم، وبقي ساكتاً،
وبقي الجميع ساكتين، يحاولون ابتلاع مرارة أصبحت من سمات حياتهم اليومية..".
خلال عقود
ثلاثة، فهم الجنرال حافظ الأسد ممارسة السلطة كعمل فردي تعينه عليه بطانة أمنية
وبطانة سياسية. وكانت النتيجة اغتيال العمل السياسي كفن وعلم وشأن عام واغتيال
فكرة المحاسبة بعد تجميد سلطة القضاء وتطويع السلطة التشريعية التي تحولت إلى فرقة
من المداحة النواحة تسمى "مجلس الشعب". إضافة لمنظمات حكومية تدير
القطاعات الجماهيرية المختلفة من المهد إلى اللحد اكتشفها العالم فضحك وبكى. فأهل
الكهف رغم عدم غيابهم عن العالم كانوا عنه في قطيعة كاملة. والسؤال الكبير اليوم:
هل يمكن الحديث عن أية إصلاحات اقتصادية أو اجتماعية دون إعادة السماح للفضاء
السياسي بالتواجد ؟ هل يمكن استعمال كلمة الحداثة ودولة القانون دون القيام بعمل
تأسيسي جديد يلغي تأميم العمل السياسي من قبل السلطة ويفتح آفاق لجنة تأسيسية
دستورية ؟
ينوه أصلان
عبد الكريم إلى أنه "من الضروري اليوم تعميق دراسة آليات التطويع
والتدجين في الأنظمة المغلقة وطرق تغييرها. رغم أن هذا التطويع لفترة طويلة يعطي
الانطباع بنتائج ثابتة وراسخة، فإن هذا الثبات والرسوخ لا يستند في الواقع على أرض
صلبة حتى لو استمر استقرار النظام لفترة طويلة واستمر قبول الناس به سواء بالمعنى
السلبي، أي عدم وجود قدرة على معارضته، إما بالمعنى الإيجابي، أي تأييده. وهنا
توجد مفارقة، حيث ليس بالضرورة كل أكثرية أو الذين يؤيدون بالمعنى الإيجابي هم
مخلصون بمعنى الكلمة. لقد كان يمكن أن يبقى هذا الكلام تحليلا نظريا لو لم نشاهد
تجربة انهيار الأنظمة الاشتراكية بطريقة لا تنسجم أبدا مع مظاهر قوتها الأمنية
والشعبية والتنظيمية".
رغم تحطيم
مقومات أساسية لبناء الديمقراطية، لا يمكن الخروج من الطريق المسدود الحالي دون
كسر الصيغة أو الأنموذج paradigme السائد. من مساخر الدهر أن تكون أكبر سلبيات الحقبة البائدة هي
نقطة قوة في البناء الضروري للغد. لقد زرعت السلطة الأمنية الخوف في رأس كل مواطن.
ومنذ وفاة حافظ الأسد أصبح الخوف قاسما مشتركا أعلى بين الحاكم والمحكوم. أي لأول
مرة منذ مجزرة حماه عام 1982 يتقاسم الحاكم والمحكوم موضوعيا إحدى مصائب النظام
التسلطي: الخوف. قد يؤدي هذا الخوف في حال بقاء نهج الانغلاق السياسي إلى انفجارات
مدمرة تذهب بما تبقى. يمكن التمهيد لتحجيم الخوف من الآخر عبر إصدار عفو تشريعي
عام، أي قبول كل مواطن وكل كائن سياسي في سورية بكامل حقوق المواطنة. (لعلم مثقفي
السلاطين، العفو العام هو من أهم مقومات العمل السياسي العربي الإسلامي وليس بدعة
غربية. يبقى أهم عفو غير مشروط في التاريخ ذلك الذي تبع فتح مكة في عهد النبي
محمد). هذا العفو التشريعي العام هو الرد على الاغتيال المزمن للآخر واستبدال هذا
الإلغاء بفكرة مركزية : إعطاء الخصم قيمة حضور لئلا تصبح مواجهته محِطّة للذات أو
تنتهي بغيابها إذا انتصر.
في مواجهة
بين رئيس الجمهورية الأسبق أمين الحافظ والمعتقل الإسلامي مروان حديد في منتصف
الستينات، حاول أحد عناصر الأمن إهانة مروان في كرامته، فنظر إلى الرئيس أمين
الحافظ وقال: "فلتكن خصومتك شريفة". لم يكن أي من الشخصين ديمقراطي
الانتماء، ولكن المشهد هذا يعبر عن كون الديمقراطية في أسمى معانيها، كشكل
معاصر للمبارزة المدنية والسياسية السلمية القائمة على احترام الخصم، موجودة في
أعماق كل إنسان، حتى عند غيابها عن برنامجه.
لا يمكن في سورية اليوم تأسيس أي فعل للشرعية
السياسية، بمفهوم ابن خلدون وماكس فيبر للكلمة، دون إعادة الاعتبار لكل أطراف
الفعل السياسي والاجتماعي والثقافي والحقوقي,
* المتحدث
باسم اللجنة العربية لحقوق الإنسان.