في النظام الشمولي: مدخل نظري

أصلان عبد الكريم *

لا يقوم وطن حيث لا يوجد قانون، لذلك لا وطن للشعوب التي تعيش تحت نير الاستبداد إلا وطن احتقار الأمم الأخرى.

سان جوست

يثير مصطلح الشمولية أو النظام السياسي الشمولي(1) الكثير من الاعتراضات ـ على الرغم من الاتفاق العام على محتواه ـ وبخاصة عندما يتعلق ببلدان العالم المتخلفة والبلدان العربية من بينها وقد أثارت في الأصل اعتراضات حادة ورفضاً واضحاً من قبل المدرسة الشيوعية الكلاسيكية عندما أطلق على النظام الستاليني المنظور إليه اشتراكياً جنباً إلى جنب مع النظام الهتلري.

فالمصطلح المذكور يتضمن العديد من البنى والممارسات وأشكال القسر والتنظيم الموجودة في أنماط أخرى للدولة "أو النظم السياسية" القديمة أو المعاصرة والأهم من ذلك أن بعد المفكرين السياسيين والباحثين الاجتماعيين يفضل استخدام مصطلحات أخرى عندما يتعلق الأمر ببلداننا العربية(2) من مثل استبدادي أو تسلطي أو أمني. في حين يذهب قسم آخر من المثقفين عندنا إلى القول بغياب الدولة بالمعنى الحديث للكلمة على الأقل؟..(3)

وربما كان هناك الكثير من الحق في هذه الخيارات أي كانت درجة دقتها، وفي المساحة المتاحة لي هنا، وحتى لا أخرج خارج الموضوع أترك النقاش الضروري حول وجود أو عدم وجود الدولة لدينا مؤكداً على أنه في كل الأحوال سواء كانت الدولة موجودة أم لا فإن هنالك سلطة كلية الحضور تفقأ العين بما هي الدولة على الرغم من الفارق الأصيل وغير القابل للخلط بينهما، أو بما هي متماهية معها في حال كانت الدولة موجودة، وتحويلها إلى حيز خاص للطبقة السياسية الحاكمة فرداً أم حزباً أم فئة أم…. الخ.

وآمل أن يتاح لي مستقبلاً أن أدلو بدلويَ في مسألة وجود الدولة هذه.

وفيما يتعلق بنطاق البحث الذي أنا بصدده أسارع إلى القول: إنني أفضل مصطلح الدولة الشمولية أو النظام السياسي الشمولي على ما عداه تاركاً الآن أيضاً الدخول في متاهة الفروق الدقيقة بين المصطلحات المذكورة أعلاه إلى وقت آخر. أقول: إنني أفضل مصطلح الشمولي لأسباب عديدة من بينها:

1 ـ تتقاطع الشمولية مع الاستبدادية والتسلطية والأمنية، ومع ذلك لم أجد أي من الصفات الثلاث الأخيرة قادرة على استغراق المضمون الأساسي للشمولية، بما هي من حيث المبدأ وبما هي أقدر على وصف بعض النظم السياسية أيضاً. ليس فقط في بلدان الرأسمالية المتطورة والبلدان التي سميت اشتراكية بل ـ وهذا ما أريد التأكيد عليه ـ في بعض البلدان المتخلفة ومنها بعض البلدان العربية في النصف الأخير من القرن العشرين.

من الممكن القول إن كل شمـولية هي تسـلطية أو استبدادية أو أمنية بل (هي ريعية بمعنى ما على صعيد الاقتصاد الذي يلعب فيه القسر السياسي دوراً كبيراً في التوزيع على الأقل إن لم يكن في الإنتاج) على الرغم من أن مصطلح الريعية ليس له مكان عضوي في مصطلحات الحقل السياسي.

إلا أن العكس ليس صحيحاً بالقدر نفسه إن لم أقل غير ذلك. إنني أعتقد أن القارئ يعرف ما فيه الكفاية عن الاستبداد وبخاصة لأننا في منطقة من العالم تناسل فيها هذا النمط من الحكم تناسل الموت الزؤام لقرون طويلة.

وفيما يتعلق بالتسلطية أعتقد أنها محاولة لوصف الدولة العربية المعاصرة والتي هي مصطلح يكاد يكون مطابقاً في محتواه لنمط الاستبداد القديم مع الأخذ بعين الاعتبار الآثار الحقيقية على الحكم التي تنشأ من شروط الحياة المعاصرة،  ولكن المصطلح في النهاية يدل على الهيمنة التسلطية على المجتمع، وانتزاع حقه في حكم نفسه، والاستئثار به بدون أي وجه حق أو سند قانوني أو أخلاقي أو سياسي.. الخ. وربما يشكل مصطلح الدولة الأمنية دلالة على الدولة التي يشكل الهاجس الأمني فيها المحدد الأساسي لسياستها الداخلية وحتى الخارجية إلى حد كبير. ليس هذا فحسب بل إن الأجهزة الأمنية فيها تشكل الوسيلة والأداة الرئيسية التي يتم الحكم بها وعبرها، الأمر الذي يؤدي في نهاية المطاف إلى التهام دور الدولة إن لم أقل التهام الدولة في الأصل من قبل الأمن.

وأخيراً تضاف صفة الريعية إلى مضامين المصطلحات السابقة بما في ذلك الشمولية، ليس لأنها تتعلق بالمصطلحات السياسية الخاصة بالدولة وما يتفرع عنها بما هي البنية السياسية الأبرز في المجتمع، بل لأنها تساعد في تفسير تفاقم وديمومة النظم التسلطية (إن لم أقل في نشوئها أيضاً).

وتأتي هذه الصفة من خلال امتلاك الدولة ـ وفي الحقيقة السلطة ـ لمفاتيح المال الخارجية والداخلية من خلال القسر السياسي أولاً ومن خلال إلغاء المسافة الفاصلة  بين الدولة كحيّز عام، وبينها كحيّز خاص للعائلات أو الفئات الحاكمة بحيث تتحول الدولة(4) في النهاية إلى جابي عمولات لحيّزها الخاص عبر احتكارها للآلة التي تبيض ذهباً "ريعا".

ويمكن القول دون مجازفة تذكر إن الرأسمال السياسي يتحول في هذه الحال بشكل أو بآخر إلى رأسمال مالي واجتماعي على حد سواء.

قبل الدخول في مناقشة الشمولية منظوراً إليها انطلاقاً من العوامل والظروف التاريخية التي تولدها أرغب في تسجيل بعض الملاحظات حول وجهة نظر الكاتب الفلسطيني د. عزمي بشارة لأنها جديرة بحق بالاهتمام ولأنها تنفي إمكانية وجود الشمولية في البلدان العربية لأسباب سوف أوجزها باختصار نقلاً عنه بتصرف أحياناً وبشكل حرفي أحيان أخرى من محاضرة ألقاها بعنوان “…” حيث يعتبر الأنظمة العربية في نهاية المطاف أنظمة تسلطية ذات طابع ريعي لأن النظام الشمولي في رأيه بحاجة كيما يوجد إلى أسس غير موجودة في الواقع العربي وفي السلطات على حد سواء ومن هذه الأسس:

أ ـ مسألة المجتمع المدني: حيث أن وجود الشمولية يفترض بالأساس وجود المجتمع المدني الذي ستقوم باختراقه من داخل بنيته وبالأدوات ذاتها التي أنجبت هذا المجتمع وأنجبها كحيّز للعلاقات الفردية المبررة المتبادلة، ومن بين هذه الأدوات العناصر التكنولوجيا، الخطاب الجمهوراني، الحيّز العام القائم الذي يتم تأميمه، وأهم من ذلك الفرد المذكور سابقاً.. الخ.

ب ـ مسألة الإيديولوجيا: حيث يرى بشارة أن إيديولوجيا الدولة العربية غير قادرة على التحول "أو لم تقدر أن تتحول إلى دين علماني بديل لما هو قائم أو أن الإيديولوجيا بالمعنى الفعلي للكلمة غير موجودة بالأصل".

إنني إذ أتفق من حيث المبدأ "والمبدأ فقط مع الفهم السابق بمعنى أن المجتمع المدني المكوّن عبر التاريخ “وبخاصة أو بالتحديد عبر تاريخ تطور الرأسمالية" هو شرط لازم وبالطبع غير كاف لقيام الشمولية في ظروف تاريخية خاصة، ولأن هذا الوضع يشكل النموذج يمكن أن يتبادر إلى الذهن أن لاشيء ممكن خارجه، في حين أن بالإمكان تصور صيغ مقاربة لهذا النموذج، مثله في ذلك مثل كل الظواهر والمؤسسات الاجتماعية التي ولدت في الغرب بدءاً من الدولة الحديثة، وانتهاءً بالديمقراطية، مروراً بالطبقات الاجتماعية وأنماط الإنتاج... وما دمنا بهذا الصدد أستعيد ما ذكرته في البداية حول الدولة بصفتها واحدة من الظواهر المذكورة لأقول: ما من شيء كان بالإمكان كان أن يوجد عندنا لو كنا نريد انطباقه على النموذج تماماً ومع ذلك فإن هذه الظواهر بدءاً من نمط الإنتاج وانتهاءً بالشمولية مروراً بالدولة يمكن أن توجد وهي توجد بالشكل الذي يمكن أن توجد فيه تاريخياً وبالمعنى النسبي للعبارة وبدرجة مقاربة إلى هذا الحد أو ذاك لما كان في الأصل ولما وجد في سياق الرأسمالية العالمية.

ونحن بالفعل في مقارباتنا السابقة لهذه الظواهر انطلقنا من هذه القاعدة وفي السياق نفسه تحدث مفكرو اليسار بشكل عام قبل أكثر من قرن عن الإمبراطورية الروسية التي آلت إلى الاتحاد السوفياتي، ليس هذا فحسب، بل إنني أعتقد أن بالإمكان وجود الشمولية "وقد وجدت في رأيي على قاعدة نظام غير رأسمالي كما كان عليه في نظام ستالين السياسي والنظام الكوري اليوم نظام الأب والابن على حد سواء". في الإطار نفسه أريد دفع استنتاجين آخرين للدكتور بشارة خطوة إضافية إلى الأمام وهما:

أ ـ إن الإدعاء بأن استبداد الدولة العربية الحديثة يعتمد على بيروقراطية الدولة التي تقوم بتنسيق البنية التحتية، وبذلك تخترق المجتمع المدني هو ادعاء صحيح جزئياً فقط(5)

ب ـ إن الدولة العربية أضعف بكثير من أن تكون دولة شمولية وفي المرحلة الراهنة تفتقد إلى الإيديولوجيا أصلاً إلا إذا أطلقنا تسمية إيديولوجيا على هذا الخليط من الإرهاب والبراغماتية السياسية والخطاب السياسي الذي يشمل لماماً من الحداثوية والإسلامية والشعبوية.. الخ.

والآن لندفع هذين الاستنتاجين في الاتجاه الصحيح دون أي تدخلات متطرفة:

 1-    ـ يتضح من القولين السابقين وما سبقهما أيضاً أن وصف الشمولية لاينطبق على الأنظمة العربية أو هو فضفاض جداً عليها لعدم قدرتها على أن تكون كذلك فالوصف بالتسلطية في هذه الحال يجيء لتشخيص ما هو قائم مادام ليس شمولياً الأمر الذي يشير بوضوح إلى أن الشمولية تضيف شيئاً قد يكون نوعياً إلى كل وصف سبق كالاستبداد أو التسلط.. الخ.

 2-    ـ الاعتراف بوجود الدولة وهذا يوفر علينا لحسن الحظ نقاشاً ليس مكانه المناسب هنا. كما يسمح في الوقت نفسه “بقدر من التسامح النظري والعملي بالطبع” بالتعامل مع الظواهر الأخرى التي سبقت الإشارة إليها ومنها الشمولية.

 3-    إن الاستنتاجان السابقين عموميان، وهذا لايعيبهما أبداً، ومع ذلك لابد من التدقيق، فنحن لسنا معنيين بالحديث عن الأنظمة العربية جميعاً فحسب بل ينبغي تمييز بعضها وعلى سبيل المثال النظامين العراقي والسوري وبدرجة ما الليبي، لأنه من الواضح أن الأنظمة المذكورة هذه أقرب من غيرها بكثير إلى مصطلح الشمولية في العديد من السمات التي ليس أقلها الإيديولوجيا ذات الطابع القومي الشعبوي وفي هذه الحال فإن الخليط الذي تحدث عنه الدكتور بشارة ليس بين الإرهاب والبراغماتية والحداثوية والإسلامية والشعبوية بل بشكل رئيسي بين القومية والشعبوية والاشتراكية والحداثوية ويبقى الإسلام عباءة للاستخدام في ظروف خاصة بالطبع بالإضافة إلى القمع المعمم والميكافيلية.. الخ. وهذا المزيج كان له حضور قوي وأثبت فعالية نسبية بدءاً من أمريكا اللاتينية وانتهاء بشرق آسيا مروراً ببعض البلدان العربية الأساسية (في هذه الحالة من التعميم ينبغي استثناء الإسلام في البلدان التي لاتدين به في الأصل وهذا بديهي).

 4-    ثمة اعتراف من قبل بشارة بأن القول بتنسيق البيروقراطية للبنية التحتية صائب جزئياً (وهذا جيد ويساعد على الحوار) في حين أنني أعتقد أن دور البيروقراطية في البلدان العربية المذكورة أعلاه وما يشابهها دور أكبر بكثير من إمكانية وصفه بالصواب الجزئي.

 5-    إن ثمة قدراً صغيراً من الاعتراف المضمر في القول الثاني لبشارة المتعلق بالإيديولوجيا الخليط وإمكانية اعتبارها تستحق اسمها وعلى الرغم من أن هذا المضمر يبدأ في الظاهر بالاشتراط بحرف إذا وهو يعني عدم الإقرار العلني بصحة التسمية أقول: على الرغم من ذلك وبخاصة مرة أخرى “في البلدان العربية التي جئت على ذكرها فإنها أكثر قدرة على تخفيف الاشتراط (إن لم أقل على إلغائه) ومن الجدير بالذكر أن بشارة يتحدث عن غياب الإيديولوجيا في هذه المرحلة الأمر الذي يعني افتراض وجودها قبل ذلك أو بعد ذلك.

والآن إذا كنا لانستطيع أن نفهم الظواهر الاجتماعية عندنا وفي العالم المتخلف بشكل عام بدون تمفصل الخارجي مع الداخلي، وبدون فهم التجربة الشمولية في الرأسمالية الغربية "الهتلرية" "الموسولينية" وفي التجارب الاشتراكية على حد سواء، وإذا كنا لانستطيع إدارة الظهر لمصطلحات العلوم الطبيعية والإنسانية في الغرب (والدكتور بشارة يعترف بجرأة المفكر بأننا نستورد الأفكار بالضرورة ما دمنا عاجزين حتى الآن عن إنتاجها) فإن المطلوب التعامل مع هذه المصطلحات بالفعل ولو بشكل نسبي (مع ضرورة أخذ كل المعطيات الخاصة بنا بعين الاعتبار العميق) لأنه في غير هذه الحال سيكون من العسير فهم مجتمعاتنا وتنظيماتنا ومؤسساتنا ومنعاً لكل التباس يجب القول: لسنا معنيين أبداً باستيراد المصطلحات والأفكار التي لاوجود للظواهر الاجتماعية المقاربة لها في واقعنا الراهن.

إن التعامل مع المصطلحات المذكورة وما تعبر عنه في واقعنا بما يكفي من الحذر العلمي الموضوعي والضروري في آن معاً لاينفي أن لها امتداداً مهما اتخذ هذا الامتداد من أشكال خاصة بنا وسأحاول أن أبيّن لاحقاً في البنية والأمثلة على حد سواء ماذا تعني الشمولية في سوريا.

أسارع إلى القول إنه مهما يكن التحليل معمقاً فإنه من الصعب الوصول إلى الصورة المعبرة للشمولية التي قدمها جورج أورويل في روايته حول هذا الأمر ومع كامل التقدير للكاتب المذكور وعمله الشهير أعتقد أن ثمة شيئاً يمكن أن يقال في واقعنا سواء من المنظور التاريخي أو الراهن وبخاصة فيما يتعلق بتسليط الضوء على الاستبداد القديم وإمكانية وجود علاقة قربى بينه وبين النظم السياسية القائمة اليوم لدينا. وما إذا كان هنالك فروق ذات معنى ناتجة عن اختلاف السياق التاريخي.

بعد هذه الملاحظات ذات الطابع الجدلي مع المصطلحات السياسية الأخرى لابد في المحصلة من الإمساك بالمحتوى الفعلي للشمولية والتي هي المصطلح الذي فضلته على ما عداه، ليست الشمولية الاستبداد فقط ولا التسلط فقط ولا طغيان الهاجس الأمني وحكم الأجهزة الأمنية الملتهمة للدولة فقط ولا طغيان القمع العارية فقط ولا استجرار الريع من خلال السلطة ـ الدولة المضاف إلى كل ما سبق ولا .. ولا.. الخ.

إنها ربما تكون كل ذلك بالإضافة إلى سمة نوعية خاصة بها، إنها في الجوهر اختراق المجتمع من داخل آلياته الذاتية والإمساك به بنيوياً بحيث يكون القمع العاري الوسيلة الموازية وليس "النوعية" لهذا التملك البنيوي للفعل من الداخل. وبهذا المعنى إذا كانت كل الأنظمة الديكتاتورية بغض النظر عن أسمائها تبدو كما لو أنها ـ وإن يكن بدرجات مختلفة ـ قبعة مركبة على رأس المجتمع من فوق وإلى حد ما كما لو أنها من خارجه فإن الشمولية تتداخل مع المجتمع إلى حد تحولها ناظماً داخلياً له. ولأنها كذلك يمكن القول عنها: إنها طغيان المستوى السياسي على الاجتماعي طغياناً لاحد له قد يصل في نهايته المنطقية والعملية إلى التهام المجتمع أو جـعله في أحسن الأحـوال لاحـقة عضوية بالمستوى السياسي، وهي تعمل دون كلل وبدأب قلّ نظيره على التدمير المنهجي المنظّم لكلّ أشكال التنظيم الاجتماعية وبخاصة المستقلة منها وعلى الفرض القسريّ لـ تنظيمات بديلة لها الأمر الذي يؤدي إلى الهيمنة الشاملة للدولة على المجتمع والفرد وإقامة تنميط بنيوي أحادي يتحول المجتمع بمقتضاه إلى قطيع ليس أمامه إلا الامتثال والخضوع من جهة وإلى أفراد مذررين لاحول ولاطول لهم من جهة أخرى.

ومن الجدير بالذكر هنا الإشارة إلى التناقض المستحكم بين تعميم التنظيم الشامل للمجتمع وتحولّه إلى قطيع وشظايا فردية مذررة(6) من جهة أخرى ولكنه بالتأكيد تناقض ظاهري ليس إلّا، فالشكل  والمحتوى هنا يخدمان بنجاعة الإطباق التام على خناق المجتمع من داخله وخارجه. هذا الإطباق الذي يعني موت السياسة بالمعنى العميق للعبارة وبخاصة موت السياسة المستقلة عن الدولة. إن استقلال السياسة سمة نوعية للمجتمعات الديمقراطية التي من شأن أحزابها الحرة تشكيل فضاء ضروري للحياة السياسية بحق.

إن موت السياسة وانتفاء الدولة كحيّز عام وتحولّها إلى حيّز خاص من خلال التهام السلطة لها يعني فيما يعنيه احتكار السياسة والحق والصواب وطغيان الخطاب الرسمي الأحادي الجانب، الرافض بشكل عنيد لكل خطاب مواز أو معارض مهما يكن اسمه ومحتواه، ولأن الأمر كذلك لايتبقى للمجتمع إلا الانكفاء على نفسه والانعزال عن مجرى الأحداث الفعلي والتحوّل إلى حشد من الرعايا يتحرك فقط عندما تريد السلطة منه ذلك في حشود قطيعية أسطورية للتمجيد والتصفيق والثغاء بحمد ذوي الشأن متحولين بهذا الشكل إلى بوق كبير المتحدث الوحيد به وعبره هي السلطة "الرسولية" التي لايجيئها الخطأ من أية جهة كانت؟! لٍم لا؟ أليست منزهّة وفوق كل اعتبار!.

وعندئذ لن يبقى أمام الأفراد سوى البحث المحموم عن اللقمة والخلاص الفردي إلى حد التضحية بكل شيء بدءاً من الكرامة والحرية، وانتهاءً بالسياسة في سبيل الحفاظ على الحياة بوصفها الشيء الوحيد المتبقي بعد أن تم انتزاع كل شيء منهم عبر الاختراق البنيوي وعبر الرعب الذي يصل إلى حد خوف المرء من ظله. إن هذا الارتداد إلى الحياة البيولوجية (وإن يكن بدرجات مختلفة بين مجتمع أو آخر وبين هذا الفرد أو ذاك) يعني فيما يعنيه كما قلت من قبل موت السياسي وضياع روح المسؤولية والمبادرة كما يعني تآكل القاعدة الأخلاقية الضرورية للمجتمع والفرد على حد سواء.

إن القمع (والعاري منه بشكل خاص) والذي يشكّل القاسم المشترك لكل الأنظمة الدكتاتورية يتفاقم ويتخارج "ويتناغم" في الشمولية في وحدة جامعة بين أشكال ثلاثة القمع العاري والكامن والذاتي وقد يكون الأخير هو الأخطر حيث تتحوّل الرقابة الداخلية الذاتية إلى شرطيّ حقيقي يقوم بواجبه خير قيام في تدمير الكينونة الإنسانية وربما أكثر بكثير من الشكلين الأول والثاني اللذين ولّداه في الأصل.

إن الشمولية كما تبدو لي هي النمط النوعيّ المعاصر من الاستبداد والطغيان والتسلّط نمط من الصعب "إن لم نقل من المستحيل" تصوره خارج نطاق المجتمع الحديث، وبهذا المعنى إنّها تقوم على وتستدعي التقدم التقني العاصف والمركزة الشديدة، والتدخّل المباشر للدولة في الحقلين الاقتصادي والاجتماعي، والتطور الهائل للعلوم والتطبيقات المترتبة عليها، وبخاصة وسائل الإعلام والاتصال، والنمو السرطاني للبيروقراطية، والمؤسسة العسكرية (بما في ذلك الجندية الإلزامية والاحترافية معاً) وأجهزة الأمن، وتطور عناصر الضبط والربط والإدارة والتنظيم، وظهور الحشود الجماهيرية الهائلة على المسرح.

إن الدولة التي وجدت في الأصل لخدمة المجتمع، وضبط صراعاته الداخـلية، وضمان وحدته واستمراره، وإعادة إنتاجه بما هو مجتمع طبقي، بدأت مع مرور الوقت ومنذ زمن غير قريب تتحول شيئاً فشيئاً لتصبح سيدة عليه، وهذا أمر معروف ومفهوم للجميع، ولكنها لم تقف عند هذا الحدّ، بل إنها في حالات كثيرة ونتاجاً لظروف وشروط معقدة لم تستطع أن تمنع نفسها من إغراء التقدم لتجاوز دورها، دور الخادم والحارس "بل والسيد أيضاً" باتجاه صيرورة تدخليّة واسعة النطاق في المجتمع وهذا أيضاً أمر معروف للجميع بل إنه مطلوب ومرغوب لدى الكثيرين والجديد، فيما يتعلق بالنظام السياسي الشمولي هو تحوّل هذا التدخل إلى صيرورة مأساوية صيرورة التهام المجتمع الذي وجدت الدولة في الأصل من أجله.

وعلى هذا الصعيد يشكل الدور التدخليّ المتصاعد للدولة في الاقتصاد سواء تم ذلك على قاعدة النمط الرأسمالي الصريح في الإنتاج أم على قاعدة "رأسمالية الدولية الوطنية"، أما عـلى قاعدة الدولة الـعامة فيمـا سمي سابقاً أنظمة اشتراكية، أقول: يشكل هذا الدور التدخلي سلاحاً ذا حدين فهو من جهة ربما كان قاعدة ضرورية للإقلاع الاقتصادي في بعض الأحيان أو قاعدة لإعادة توزيع الناتج القومي بطريقة أقرب إلى العدل في مواجهة وحشية السوق المنفلتة العقال في أحيان أخرى، وهو الدور الإيجابي ومطلوب في الاتجاه العام وبخاصة في بعض الشروط التاريخية التي يكون فيها هذا التدخل ممراً (ولو مؤقتاً) للتقدم إلى الأمام. ولكنه أي هذا التدخل يشكّل من جهة أخرى مدخلاً في سياقات تاريخية معينة" للإمساك بخناق المجتمع وإطباق القبضة السلطوية عليه وتحويله إلى بقرة عجفاء، وقد قدم لنا التاريخ أمثلة عديدة على الحدين معاً.

إذاً ليس ثمة شمولية بالمعنى المليء للعبارة بدون قاعدة اقتصادية ولذلك يشكّل القطاع المؤمم أحد أهم الأسس الأمر الذي يدفع بالبيروقراطية "على النقيض مما يظن البعض" إلى التشبث به إلى حد ما وإلى زمن ليس بالقصير، ولا غرابة في ذلك فحيثما تنتفي القاعدة تتعرض القمة من حيث المبدأ إلى التآكل، وحتى ذلك الوقت لاشيء يمنع من تفاقم وجشع البيروقراطية وهو ما ينعكس على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي في كوارث مدمّرة على الأصعدة كافة.

ومع ذلك من الضروري ألا يفهم من كوني قد أشرت إلى الأساس الاقتصادي أن جوهر المسألة يكمن هنا، بل ربما في مكان آخر. فإذا كان من الصحيح أن الشمولية تستدعي دوراً تدخلياً واسعاً "إن لم أقل نوعياً" في الاقتصاد فإنه ليس من الصحيح أن كل دور تدخليّ يؤدي إلى الشمولية، وإلّا لكانت كل دولة تدخليه  شمولية، وبخاصة لأنه لم يبق في عالم اليوم دولـة ليبـرالية بالمعنى المليء للكلمة، على الرغم من وجود دعوات مستميتة إلى ذلك من قبل تيارات رأسمالية قوية تحقّق العديد من الانتصارات على هذا الطريق، وربما كانت العولمة أحد أبرز هذه الدعوات، ومع ذلك لابد من الانتظار بعض الوقت كي نرى المدى الذي سوف تصل إليه إيديولوجيا السوق "الحرّة" هذه.

إن الدور التدخليّ الواسع للدولة في الاقتصاد شرط لازم، ولكنه عاجز عن أن يفسر بنفسه الشمولية، الأمر الذي ينبغي البحث عنه في الميدانين الاجتماعي والإيديولوجي ـ السياسي، ولأن الأمر كذلك فإننا مانزال قادرين على مواجهتها مع الاعتراف بالوقت نفسه بضرورة تدخّل الدولة في الحقلين الاقتصادي والاجتماعي، مع التحلّي بما يكفي من اليقظة حتى لا نستيقظ ذات صباح لنكون وجهاً لوجه أمام (لوياثان هوبس) أو (كابوس أورويل).

إن الشمولية التي هي كما أشرنا من قبل بنت التطور المعقد للسياق التاريخي المعاصر، وبخاصة بنت الأزمات الاجتماعية والسياسية الحادة في الرأسمالية، هي في الوقت نفسه بنت ظروف الانتقال في الظروف عينها تقريباً بشكل أو بآخر في الرأسماليات المتخلفة كما هي أيضاً بنت ظروف الانتقال إلى التجارب التي سميت في حينه اشتراكية على قاعدة التخلف الرأسمالي، وهي بهذا المعنى إذاً بنت الإرادوية وحرق المراحل وردم الهوّة بين الواقع المتخلف والطموحات المشروعة بطريقة فوقية وسلطوية وسياسية في الغالب الأعم. ولأنها كذلك يمكنها أن تنشأ من حيث المبدأ وعلى قاعدة الأوضاع المذكورة أعلاه حيثما توجد سلطة تعمل بشكل مستميت "على طريق تجاوز هذه الأوضاع" على تنميط المجتمع ككل في منظور اجتماعي ـ إيديولوجي ـ سياسي أحادي الجانب سواء كان هذا المنظور قومياً أم طبقياً أم دينياً، ويشكّل الدور الخاص الذي قد تضطر إليه الدولة في هذه الحال الأرضية الخصبة المحتملة لولادة الشمولية.

وأياً تكن العناصر التي تؤسس لهذه الولادة، وأياً تكن الصيغ التي تتخذها، وأياً تكن القاعدة الاقتصادية المدولة، فإنها تشترك "وهذا هو المهم في سمات رئيسية لاتخطئها العين مهما يكن بينها من فروق عائدة إلى خصوصياتها التاريخية بدءاً من ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية وانتهاءً بالاتحاد السوفياتي في فترة ستالين بشكل خاص، ويمكن رؤية ذلك اليوم بسطور في كوريا الشمالية والعديد من البلدان الأخرى من بينها ولو بتمايزات مختلفة سوريا والعراق".

ولعل من أبرز السمات المشتركة: التماهي بين الدولة والسلطة والحزب أو الفرد الحاكم أو لنقل التهام الدولة "أياً يكن عمق وجودها وتمأسسها" من قبل السلطة الحاكمة وفي الغالب الأعم يكون النمط السائد إندغام الدولة والسلطة والزعيم الأوحد في ماهية واحدة يكون نجمها الساطع الفرد المعبود طواعية أو بالقوة أو مراءاة وبكلمة واحدة فإننا أمام سلطة مشخصنة بامتياز وكليّة الحضور بامتياز.

بعد هذا التحليل المقتضب للشمولية كعناصر مولّدة، وآلية للسيطرة ومظاهر دالّة، يمكن تلخيص ما سبق بكلمات قليلة بالقول: إن أهم العناصر المولّدة للشمولية على قاعدة الظروف الاجتماعية التي ذكرناها أعلاه هي: (1) ـ قاعدة اقتصادية مدولّة. (2) إيديولوجية ذات طابع شمولي أو احتكاري وذات نفوذ ملموس قادرة على نظم الواقع والحلول فيه من موقع القوة وذات طابع شعبي أو شعبوي كبير على أن نفهم عبارتي القوة والكبير على أساس نسبي وبالنظر في كل حالة بعينها وفي كل شروطها التاريخية الخاصة. (3) حزب شعبي أو شعبوي يعبر بدرجة تقل أو تكبر عن طبقات وفئات اجتماعية وبخاصة عن الطبقة ـ أو الطبقات ـ الوسطى ومن بينها بشكل رئيسي البرجوازية الصغيرة بل إن العمال"وإن يكن بالاسم" يشكّلون في بعض الأحيان قاعدة رديفة لما سبق ويمكن في أحيان أخرى أن نرى ظلاً للفلاحين أيضاً بل كما يقول بعضهم دوراً حقيقياً لهم. ويمكن لفئات سياسية وأحياناً أخرى لفرد أن يشكل الدور المركزي داخل الحزب المذكور أعلاه حيث يجري بناء الحزب حول هذه الفئة أو الفرد المذكور في بعض الأحيان وأياً يكن الحال لابد من وجود نفوذ حقيقي سواء كان الأمر متعلقاً بحزب أم بفئة أم بفرد وفي الغالب الأعمّ يتكثّف كل ذلك في فرد بعينه ويصل الأمر في العديد من الحالات إلى حضور ذي طابع كارزمي بحق أم بغيره منذ البدء أم بشكل متدرّج ومن خلال ديماغوجيا إعلامية تربوية واسعة النطاق.

أما الآلية الحقيقية لها فقد أشرنا إليها من قبل وهي: بشكل رئيسي اختراق المجتمع بنيوياً والإمساك بمفاصله وإلحاقه التام أو شبه التام بالدولة ـ السلطة المتماهيتين في الشمولية ـ ويشكل القمع الكامن في هذه الحال آلية سيطرة لا تجارى. أما فيما يتعلق بمظاهرها فهي عديدة وتتقاطع وتتشابه إلى حد كبير مع كل المظاهر المعروفة في الأنظمة الديكتاتورية بدءاً من القمع العاري بكافة أشكاله (قتل ـ نفي ـ تعذيب ـ سجن ـ حرمان من الحقوق ـ إقصاء ـ عزل.. الخ). وانتهاءً بتعميم سائر المظاهر الأخرى المتعلقة بالديكتاتورية. ولعل أبرزها فيما يتعلق بالشمولية هو موت السياسية كنتاج لكل العوامل السابقة وبخاصة تعميم القمع  واختراق المجتمع كما يمكن ملاحظة تفاقم ظاهرة الهاجس المرضي لاستشراء السلطة الكلية الحضور والهاجس المرضي في الحفاظ على بقائها الأبدي.

والآن ما دمنا نعيش في وننتمي إلى بلدان يشكل الاستبداد العنصر الأبرز في تاريخها السياسي فإن من المناسب القيام بمحاولة مقارنة هذا الاستبداد القديم بالشمولي لعلنا نستطيع التعرف على ما يجمع أو يفرّق بينهما بل ربما نجد صلة نسب وتوطئة من قبل القديم للجديد.

 1-    لعبت الشروط الطبيعية للإنتاج في الشرق دوراً مهماً في إسناد وظيفة اقتصادية للدولة بما في ذلك بالطبع غياب الملكية الفردية الخاصة للأرض جنباً إلى جنب مع مركزة الشؤون العامة في يد الدولة (في الاستبداد الغربي تم الأمر على حساب النبلاء سياسياً لا على حساب أرضهم أو أملاكهم اقتصادياً) وقد شكّل هذان الجذران: المركزة العامة والتدخل الاقتصادي أحد أهم القواعد المولّدة للاستبداد أو على الأقل كانت قاعدة في حيّز القوة، حيّز الإمكان كما يقال عادة في الفلسفة، ولم تكن بحاجة لإخراجها إلى حيّز الفعل والواقع سوى إلى بعض ظروف التاريخية وهو ما حصل. بينما تقوم الشمولية المعاصرة على الشروط الاجتماعية للإنتاج وعلى الأزمات الحادّة  في المجتمع في هذا السياق التاريخ أو ذاك.

 2-    لعبت أنماط الاقتصاد الاكتفائي الطبيعي دوراً في إضعاف السيطرة الاقتصادية المركزية للدولة في الاستبداد القديم، بينما لم تعد هذه الأنماط تشكّل في الحاضر دوراً فاعلاً في المجتمع.

 3-    لم يكن الاستبداد قادراً على المركزة بالقدر الذي تستطيعه الشمولية المعاصرة وذلك للاختلاف الحقيقي بين الشرطين التاريخيين، وبخاصة فيما يتعلق بتطور آلة الدولة ووسائلها وتطور وسائل النقل والاتصال والإعلام ووحدة المدرسة والتربية و.. الخ. الأمر الذي يعني أن الشمولية أعمق عمودياً وأوسع أفقياً مما كان عليه الحال في دولة الماضي.

 4-    لم يكن الاستبداد القديم قادراً على تنميط المجتمع مثل الشمولية المعاصرة وذلك بالضبط للأسباب المذكورة أعلاه وبخاصة من بينها المدرسة والإعلام والحضور الكلي للسلطة وشبكة التنظيم الهائلة المخترقة للمجتمع بنيوياً والتي تمسك به وبالأفراد من المهد إلى اللحد.

 5-    في الاستبداد القديم كانت هناك الكثير من الانتماءات السائدة التي كانت تقف حاجزاً أمامه (بهذا القدر أو ذاك) بل كانت تشكّل أحياناً ملاذاً ممكناً منه كالإنتماءات العشيرية والإقليمية والدينية والمذهبية والعرقية في حال الإمبراطوريات بل والشروط الجغرافية الطبيعية كالجبال والمناطق الوعرة البعيدة عن المراكز الحضرية الأمر الذي كان من شأنه تقليص يد الدولة وقدرتها على تنميط المجتمع بل من الممكن ملاحظة أن الأخيرة كانت مضطرة في أحيان غير قليلة على مراعاة الانتماءات المذكورة كيما تكون قادرة على الاستمرار.

 6-    لم يعرف الاستبداد القديم ظاهرة الحشود الجماهيرية الهائلة بالقدر الذي هي عليه اليوم. والتي تتقاطع في لحظة ما مع ظاهرة غريزة القطيع كما لم يعرف الاستبداد القديم الوظيفة السياسية والدعائية والقمعية لهذه الحشود بالقدر الذي هي عليه اليوم.

 7-    كان الاستبداد القديم أقلّ قدرة بما لا يقاس عن تحقيق ما أسميته القمع الكامن بالشكل والمحتوى والعمق التي تتمكن منه الشمولية عبر شبكتها الهائلة من التنظيمات الاجتماعية والإيديولوجية والأمنية. ويمكن الذهاب أبعد من ذلك في المقارنة بين الاستبداد القديم والشمولية المعاصرة اتفاقاً أو اختلافاً ولكن منعاً للإطالة نكتفي بالقول إن العناصر متشابهة بينهما من الوضوح إلى درجة لا تحتاج الإشارة إليها أو التأكيد عليها.

ومع ذلك يمكن القول: إن هناك ارتباطاً من نوع ما بين الاستبداد القديم بصفته قائماً على بنية اجتماعية محددة وبين الشمولية على الرغم من التغيّر الذي أصاب هذه البنية لأن ثمة رواسب حقيقية عميقة في البنية الذهنية والروحية والأخلاقية للاستبداد القديم ومفاعيله ما تزال قائمة بهذا الشمل أو ذاك ساعدت كثيراً أو قليلاً في بلداننا على الأقل ـ إن لم يكن في غيرها ـ على جعل الطريق أمام الشمولية أقلّ وعورةً بما لايقاس على صعيد الحاكم والمحكوم معاً.

إن هذه البنية وتجسيداتها في الممارسة العملية وبخاصة  في الحقل السياسي بما في ذلك الموقف من الدولة والسلطة لا تزال حاضرة في الوعي والممارسة الراهنين بأشكال مختلفة. إن الجهل وثقافة الخوف وعصمة السلطة، والاتكال عليها، والاستنكاف عنها، والاحتكام للقضاء والقدر، والصمت المتواطئ تشكّل معاً بالإضافة إلى ظواهر أخرى أرضاً خصبة لكلّ تسلّط أو طغيان أو استبداد أو شموليّة.

إنني لا أقول: إن الشمولية تتناسل ميكانيكياً من الاستبداد القديم أبداً لكن الأخير يشكّل بمعنى ما وبدرجة ما نسغاً لم ينقطع بعد أسهم ولا يزال يسهم في تغذية الأوضاع المولّدة للشمولية.

*أصلان عبد الكريم من أبرز القياديين المؤسسين لحزب العمل الشيوعي في سورية، والمقال مقدمة لدراسة أعدها الكاتب عن الأنموذج السوري للشمولية

ملاحظات:

   1-            أقصد النظام التوتاليتاريTotalitarian، أي النظام الكليّاني، وقد فضلت استخدام الشمولي بدل الكلياني، لأن العبارة أسهل لفظاً وأدرج استعمالاً.

   2-            انظر النقيب، وبشارة، وتيزيني.

   3-            تيزيني وذلك على الرغم من أنه يسمي ما هو موجود بالدولة الأمنية، إذن ثمة دولة، وإن تكن ملتهمة من قبل الأمن.

 4-    انظر البحث المعمق حول هذه النقطة للدكتور عزمي بشارة في محاضرته: واقع وفكر المجتمع المدني (قراءة شرق أوسطية) التي ألقاها في القاهرة. وقد استقيت هذه التعليقات منه بتصرف لأنني اقتنعت بها وكان من الضروري الإشارة إلى أسبقيته بالنسبة لي تجسيداً للأمانة العلمية.

 5-    /Syndrom/ المتلازمة.. التناذر: بمعنى تعايش وتواجد عناصر مختلفة أو مؤتلفة في آن معاً وهو مصطلح في الأصل يصف في العادة ظواهر في علم الصحة الجسدية والنفسية. الأمر الذي يعني أن التلازم المذكور أعلاه بين تنظيم وتسييس كل شيء وموت السياسية وتذرر المجتمع هو سمة أصيلة في الشمولية.

 6-    أما فيما يتعلق بتنفيذ أو عدم تنفيذ الأحكام الصادرة عنها فإن السلطة التنفيذية هي من يقرر ذلك ولرئاسة الجمهورية القول الفصل في هذا المضمار بما في ذلك إلغاء هذه الأحكام.