رؤية مقترحة من أجل التحول الديمقراطي :

مشروع "عهد وطني"

        علي محمود العمر

 

 

 

أولاً - إننا نطلق هذا ( العهد الوطني )  متضمناً المبادئ والالتزامات التي نقطعها على أنفسنا أمام الملأ جميعاً . وجل ما نصبو إليه هو قبول اعتباره ملكية عامة للجميع ، ودعوة مشرعة دون قيد أو شرط لمشاطرتنا التزام هذه المبادئ من قبل كل من يشاء من قبل أبناء قطرنا العزيز ، سواء كان جهة عامة أو خاصة ، رسمية أو أهلية ، اعتبارية أو شخصية .

ثانياً- وأول التزامات هذا ( العهد ) هي تأكيد ثقتنا أن كمية الانفتاح والحراك الاجتماعي والسياسي التي تحققت في مجتمعنا تؤلف خطوة إيجابية ينبغي الدفاع عنها بكل الوسائل الممكنة . وفي نفس الوقت فهي ليست كل ما يستطيع تقديمه ميراثنا الوطني ، أو ما تحتاج إليه بلادنا سواء من طرف مجتمعها أو نظامها السياسي على السواء . ومن ثم يقتضي العمل لتوسيعها في جميع الاتجاهات التي تحسّن حياتنا العامة وتصون وحدتنا ومنعتنا الوطنية .

ثالثاً - ونؤكد ثقتنا أن ما تخلّل هذه الخطوة أو واجهها من مظاهر أو إجراءات سلبية ، ليس هو القول الفصل أو النهائي في كل ما يستطيع تحقيقه ( وبالأحرى الاستسلام أمامه ) مجتمعنا وقواه الحية على اختلافها . بل هي مجرد عقابيل وذيول أوضاع وتجارب نعتقد أنها لم تحظى بالفرصة أو الأجواء الكافية لاستخلاص نتائجها المفيدة وطيّ جوانبها التي أصبحت من الماضي . ونؤكد نظرتنا إلى صفتها العرَضية بصفتها ثمن مؤسف كان و ما يزال يمكن تضييقه ، وحتى تحاشيه نهائياً ، في مجرى نضال قطرنا لتطوير حياته العامة وخبرته السياسية ، التي هي ملك لأمته وواجب ملقى على عاتق أبنائه جميعاً من أجل مستقبله وأجياله القادمة .

رابعاً - ونؤكد أن نظرتنا هذه تنطلق من زاوية مستقبلية تقع في صلب التزامات ( العهد الوطني ) وهي الدفاع  عن مصلحة شعبنا المستقبلية ومصير قطرنا أولاً وأخيراً ، واعتبار ذلك شأناً يعلو فوق أي اعتبار آخر . وهو      يقتضي - من باب أولى – التعامل مع جميع الأوضاع والتجارب وذيول الماضي انطلاقاً من هذه النظرة المستقبلية ، وليس عكس ذلك أو أقل منه على الإطلاق !

خامساً - وتؤكد المبادئ السابقة التزامنا الأساسي بخيار الديمقراطية من أجل بلادنا ، بصفته خيار نهائي لا يقبل الرجوع والمساومة أو استبداله بأي خيار آخر .

ومع اعتبارنا هذا الالتزام كافياً بحد ذاته في نطاق ( العهد الوطني ) إلا أنه لا بد من توضيح طبيعته التي تؤلف وحدة لا تتجزأ من أجل تأكيد بقية التزامات (هذا  العهد)  وتفنيد التحفظات ، وأحياناً المغالطات ، التي تثار حول هذا الخيار من هنا أو هناك :

أ‌-                                        أ‌-        فنحن نعتبر الخيار الديمقراطي شأناً موضوعياً عاماً يخص طريقة الأداء الأفضل للدولة والمجتمع ، سواء في قطرنا وعالمنا العربي .. أو عموم البشرية !

ب‌-                                     ب‌-    ونحن نختلف مع النظرة التي تعتبر الديمقراطية شيئاً أجنبياً مستورداً أو متنافياً مع عاداتنا وخصوصياتنا وهويتنا ومصالحنا القومية والدينية وغيرها . معتبرين أن المضي في هذه النظرة إلى حد الإقصاء والاضطهاد وإيقاع التنكيل ضد المطلب الديمقراطي .. يخرج أصحابها من دائرة الدفاع عن هذه الاعتبارات ، ويضعهم في دوائر أخرى ، منها نبذ الفضيلة لأنها فضيلة ، ونبذ الحق لأنه حق ، ونبذ الطرق الصالحة لحياتنا لأنها صالحة ؟!

ج‌-    ج‌-    ونحن نرفض اعتبار الديمقراطية – في حد ذاتها – مادية أو الحادية ، برجوازية أو رأسمالية ، عنصرية أو إمبريالية .. الخ ، لأنها الوعاء الأسلم الذي حققه كفاح البشرية بهدف تمكين المجتمعات من إدارة شؤونها بأفضل الطرق المستطاعة وأقلها فساداً وإفساداً . وفي نفس الوقت وضع هذه الديمقراطية في خدمة الخيارات

 

وطرق الحياة التي تشاؤها  الشعوب بحسب ثقافاتها ومعتقداتها وإرادتها الحرة والحقيقية!

د-  ونحن لا نعتبر الديمقراطية شيئاً بديلاً عن روابط الوطنية والقومية وغيرها ، بل هي على العكس تماماً الوسيلة الأمضى بين أيدي شعوبنا لتحقيق وحدتها الوطنية ومنعتها القومية ، وتعبئة مقدراتها ( المادية والروحية )من أجل المواجهة الفعالة والحقيقية ضد غائلة العولمة وتحديات الصهيونية والإمبريالية ومخططاتها العدوانية . إضافة إلى المشاركة اللائقة مع الشعوب الأخرى في تخطيط نظام أكثر عدلاً وإنسانية لعموم البشرية !

هـ- نتيجة كل هذا وإضافة له ، فنحن نعتبر التزامنا الديمقراطي جزءاً لا يتجزأ من حركة البشرية كلها الساعية نحو الديمقراطية ، بصفتها اتجاه البشرية الأساسي لتحقيق الآدمية والإنسانية في مواجهة الهمجية ولأنها – بكل بساطة – السبيل الأكثر قرباً واستجابة لكرامة الأوطان وكرامة الإنسان على السواء..!؟

سادساً - ومع تأكيد الارتباط العميق بين الديمقراطية وثوابت بلادنا الوطنية والقومية . فإن (العهد الوطني) لا يعتبر خيار الديمقراطية أساساً أميناً - فقط – للدفاع عن وحدة الكيان السوري وتحسين حياته الداخلية ، بل هو        يتسع – أيضاً – بهذا الكيان نفسه إلى مستوى الدور القومي والتحرري الذي يمثله في حياة أمته كلها . ونعتبر هذه النظرة جزءاً لا يتجزأ من التزامنا الوطني والديمقراطي ، بل ومعيار حقيقي لشعار المحافظة على ثوابت سورية الوطنية ، انطلاقاً من أن هذه الثوابت ليست شيئاً آخر سوى التئام وحدة شعبنا حول قيم التحرر والمؤاخاة الوطنية وشراكة المصير القومي التي ترعاها الديمقراطية بصفتها أساس النهوض الذي يليق بمكانة قطرنا ودوره القومي.

-                                                                                             -         من ثم فنحن نعتبر القضايا القومية , وفي القلب قضية فلسطين ، قضية مركزية ، ليس بصفتها مجالاً خارجياً حيوياً لدولة سورية كاملة الهوية أو السيادة ، بل بصفتها جزءاً لا يتجزأ من كفاح الشعب السوري لاستكمال هويته ووحدته ودولته في نطاق الأمة كلها . ونعتبر الكيان السوري نفسه محطة تستقيم وحدتها وتتعزز منعتها بصورة تتفق مع مقدار التوافق العميق والديمقراطي الذي تحققه على قاعدة مشروعها الوطني القومي التحرري !

-                                                                                             -         ونؤكد أن العلاقة بين قضيتي الديمقراطية وفلسطين هي أبرز صور هذا التوافق على الإطلاق ، سواءً في الحرب أو السلام . فإذا كان لـ ( العهد الوطني ) أن يقبل التعاطي مع فرضية استبعاد الحروب النظامية ضد الكيان الصهيوني، أو استبدالها بأية وسائل سياسية أو فرضيات نضال أخرى ، فإنما انطلاقاً من أسباب واقعية وخيارات وجيهة ينبغي أن تؤدي ( في المدى القصير أو الأبعد ) لنزع صفة الكيان الصهيوني ، واستئصال الوظائف التي يمثلها في منطقتنا. بل حتى الانفتاح لإيجاد حلول إنسانية لمشكلة اليهود الدينية والمواطنية ، الذين يرغبون العيش في إطار نظام عربي يرعى القيم وحقوق الإنسان لمواطنيه دون استثناء . وهذا يعني – بنفس القدر تماماً – رفض الصفقات (وحتى الخيارات التي تسمى استراتيجية )  التي يكون ثمنها الحفاظ على اعتبارات سلطوية زائلة مقابل التسليم بشرعية مستقبلية للكيان الصهيوني وتكريس الوظائف الخبيثة من ورائه . لأنها وظائف سياسية ابتلاعية تصادر مستقبل أمتنا ومصير أحفادنا ، وتجعل منه غدة سرطانية لا تنحصر في حدود فلسطين بل تطال اللحمة الوطنية في بلادنا ومنطقتنا  (  بل والبشرية كلها ) .. ويتعين نتيجة كل هذا من باب أولى ، وضع القضية الفلسطينية مع جميع الخيارات المتصلة بها تحت عهدة التوافق الديمقراطي الحقيقي العميق الذي يكفل صون اللحمة الوطنية من جهة ، كما يوفر لهذه الخيارات نفسها أسباب قوتها ومنعتها ووجهتها الوطنية، سواءً من خلال الحلول العسكرية  أو السلمية . ونعتبر أن خَطو مجتمعنا السوري واتجاهاته المختلفة ونظامه السياسي على طريق الديمقراطية واحترام حقوق المواطنة والكرامة الإنسانية هو الاتجاه الوطني السليم بلا منازع لصون القضايا الوطنية خصوصاً في ظل انحسار النزاعات العسكرية والحروب النظامية مع الكيان الصهيوني . وهو البداية الصحيحة لتمكين مجتمعنا وكياننا الوطني من حمل أعباء الصراع الطويل ضد الصهيونية وامتداداتها والآليات التي تستند إليها ، ووضع كل هذا في السياق الصحيح المتفق مع حركة البشرية التقدمية ومظاهرها المتعاظمة على صعيد مناهضة العولمة والرأسمالية والعنصرية والصهيونية والدفاع عن قضايا البيئة والحرية والعدالة الدولية وحقوق الإنسان والحوار

الحضاري ووحدة المصير البشري ، استقواءً بهذا الاتجاه العالمي وتقويةً له على السواء ؟!

سابعاً - على أننا تماشياً مع هذه الالتزامات جميعاً ، فإننا نضع في  صلب ( العهد الوطني ) اعتبار الديمقراطية نفسها هدفاً مستقبلياً ، وليس مهمةً مستكملة الشروط أو قيد الإنجاز الفوري !

 وغاية هذا الالتزام هي توجيه النضال لتحقيق الديمقراطية ضمن أفق عملية مستقبلية حقيقية تليق بالديمقراطية وترقى بها إلى مستوى المشكلة الحقيقية التي ننشد حلها بواسطتها ، وعدم ترخيصها إلى مجرد شعارات للمنازعة السياسية وتصفية الحسابات الضيقة ، أو حتى رد بعض المظلم أو المكاسب المشروعة ذات الطابع الوقتي !؟

-            -            هذا يعين التفريق بين مرحلتين : الأولى مرحلة ما بعد قيام الديمقراطية . والثانية مرحلة راهنية لإجراء التحول والانتقال الديمقراطي ، التي يقتضي أن تتسم بمتطلبات شديدة الخصوصية والأولوية .. ومن ثم فنـحن

 نعتبرها جزءاً عزيزاً لا يتجزأ من التزامات ( العهد الوطني ) !

-            -            آية ذلك أن الديمقراطية تشكل بعد قيامها ،  نظاماً موضوعياً للجميع .الذي يتطلب حفظ استقلاليتها ومسافتها المتساوية من الجميع . لأنها تؤلف واقعاً جديداً تتبدل من خلاله المواقف ومراكز الأطراف المختلفة ( من سلطة ومعارضة وغيرها ) .. وبالتالي أساساً جديداً لتقييم مواقف هذه الجهات جميعاً وتقدير قيمتها وصوابيتها انطلاقاً من معيار موضوعي يتألف – بكل بساطة – من : توجه الفئات الشعبية وصندوق الانتخاب الديمقراطي !

-            -            عليه فإن اعتبار الديمقراطية شأناً مستقبلياً من ناحية ، وحفظ استقلاليتها ومسافتها المتساوية من الاتجاهات جميعاً من ناحية أخرى ، غايته الحفاظ على مصداقيتها وقوة صوابيتها واحترام كل ذلك خلال المراحل السابقة لقيامها ، على الوجه الذي يحقق لها قوة الجذب والمصداقية عند الناس دون استثناء . وهذا يتطلب تجنيب الديمقراطية خطر الاحتكار أو مماهاتها مع الجماعات المختلفة ( بما في ذلك المعارضة ) أو اعتبار الأمرين شيئاً واحداً . فهذه ( المماهاة ) تنطلق في العادة من تأثيرات ذاتية ورغبوية تنشأ عن ظروف النضال السلبي والحرمان من الحريات السياسية الذي يصاحبه ارتباط المطلب الديمقراطي بالمعارضة السياسية . وغالباً ما يشكل – للأسف – أساساً خاطئاً يجعل المطلب الديمقراطي غطاءً يساوي احتكار الصوابية الدائمة والحقيقة المطلقة التي تنافي الديمقراطية وتطعن مصداقيتها وتهدر كيانها الموضوعي التراكمي وتعيد إنتاج الوحدانية والاستبداد .. وبالتالي فهي تؤدي لإساءة استخدام شعارات المطلب الديمقراطي نفسها في مراحل النضال السابقة للديمقراطية ، وزجها في مهاترات كثيرة، وإفقادها الكثير من زخمها ومصداقيتها التي هي أساس قوتها عند الناس دون استثناء .

-            -            و( العهد الوطني ) إذ يلتزم خيار الديمقراطية انطلاقاً من صوابيتها للإنسان والأوطان ، فإنه يلتزم – بنفس القدر- صوابية الوسائل المؤدية إلى تحقيقها في مختلف أطوارها المتعاقبة . وهو ينشد الانتصار لهذه الصوابية والاستقواء بها سواءً من قبل السلطة أوالمعارضة أوأية جهة أو مخلوق آخر . لأن منطلق الصوابية ينبغي أن يكون خالصاً بذاته بمعزل عن أية اعتبارات أخرى ، بما فيها اعتبار الضعف أو القوة ، سواءً بالنسبة للمعارضة أو السلطة على السواء . لأنهما اعتباران نسبيان جداً .. وغالباً ما يكونا مضللين . وفي مطلق الأحوال فإن أياً منهما ليس معياراً لخطأ الرأي أو صوابيته من أية جهة كانت . فضلاً أن حسابات الضعف والقوة الماديين هي أبعد ما تكون عن التقدير السليم ، خصوصاً في القضايا المصيرية أو في وضعنا العربي الذي يقيم فوق أرض متحركة تحف بها المتغيرات الداخلية .. والإقليمية .. والدولية . ويواجه جميع فرقاء النزاع السياسي – بسبب ذلك – ضعفاً عميقاً حقيقياً يتسرب من تحت أبوابهم .. ويتجول في فقرات ظهورهم .  مما يقتضي من باب أولى التوجه نحو خيار الديمقراطية لأنها الأيسر للاستقواء بمقومات شعوبهم ، وفي نفس الوقت توخي الصوابية في السعي لتحقيقها ، وتجنيبها مغبة الأولويات الخاطئة .. والمهاترات السقيمة .. والأحكام القطعية ، خصوصاً تلك التي تريد تناول مراحلَ سابقة للديمقراطية انطلاقاً من قيم ديمقراطية ناجزة، في حين أن الديمقراطية نفسها لم تتحقق ولم تترسخ قيمها وعاداتها على الأرض ولمّا تزل شأناً مستقبلياً ؛ مما

يجعل الإخلال بمقتضياتها سبيلاً مؤدياً للطعن بمصداقيتها ووصمها بنزعة الثأر والرغبوية التي تضعها في خدمة المزاودة وتصفية الحسابات الضيقة وتجردها من أشرف أسلحتها على الإطلاق !

-            -            عليه لا بد من اعتبار أن القيم الديمقراطية تؤلف منظومة جديدة ( و بالأحرى شرعية جديدة ) من أجل مجتمعنا بكل ما تحمله الكلمة من معنى . أي أن  تحمل الأنفع والأصوب والأكثر .. لصالح مجتمعنا وليس الأردأ أو الأقل ، مع عدم جواز استخدامها بأثر رجعي على المراحل السابقة . وهذا يقتضي من القوى الشريفة أن تنشد تحقيق مصداقيتها ليس من منطلق التطهرية وإثبات البراءة الذاتية بأي ثمن حيال شوائب الظلام والاستبداد ، بل من منطلق الجدارة والصوابية في تقديم مفهوم جديد وأمل حقيقي ينفع الناس ويرقى بهم إلى حياة أفضل . ومن باب أولى يتوجب حفظ استقلالية ( المطلب الديمقراطي ) التي تتفق مع نزاهته وقيمته المستقبلية المترفعة عن أية منفعة شخصية أو ثأرية تنطلق من تصفية حسابات الماضي وتأثيراته السلبية !

ثامناً - إن تمييز الديمقراطية الناجزة عن مرحلة التحول الديمقراطي السلمي ، هو التزام غايته الحرص على أهداف العملية الديمقراطية في مراحلها المختلفة وعدم العبث بها . وهو يقتضي تمييز المتطلبات التي تخص كلاً من هاتين المرحلتين على حدة ، لأن كلاً منهما هدف عزيز حيوي قائم بذاته . ومن الخطأ اعتبارهما شيئاً واحداً .. تحاشياً لأضرار النظرة الرغبوية غير المجدية ، أو النظرة المقابلة التي تجعل العملية التاريخية ( خبطة واحدة ) على طريقة المؤامرة .. والانقلاب العسكري وغيرها من الوسائل التي تتنافى مع الديمقراطية ، كما تخطتها المرحلة التاريخية من أساسها !

-                                                                                             -           غاية القول إن التحول الديمقراطي السلمي هو مطلب أساسي مستقل ، ينبغي توجيه الطاقات الشريفة والمسؤولة من أجل تحقيقه بواسطة السبل التي تتفق مع طبيعته ومتطلباته الحقيقية ، وتحميله أقل ما يمكن من الأخطاء والأوزار التي لا تطعن مصداقيته ولا تسحب آثارها على كيان الديمقراطية عند قيامها في المستقبل .

.. ولا ريب أن يتطلب كلُّ ذلك قبولَ الانفتاح على أفكار وآراء ومشاريع ومبادرات .. ليست مألوفة بالضرورة من قبل . لأن النضال الديمقراطي السلمي لا يملك في الواقع تقليداً وافراً في ميراثنا السياسي . ولأن صحة الأشياء لا تقاس بكبر حجومها بل بوجهة نظر كل منها . فضلاً أن التحول الديمقراطي نفسه ليس ( أمراً جاهزاً تحت الطلب) .. بل تعترضه معيقات كثيرة . وقد يتراءى للبعض أنها معيقات تنحصر في النظام السياسي القائم وتقع على مسؤوليته الحصرية جميعاً  . ومثل هذا الفهم تبسيطي جداً لأن الأزمة العامة التي ننشد حلها بواسطة الديمقراطية هي أكثر تعقيداً ، وهي تشمل في الواقع السلطة والمجتمع والمعارضة على السواء . وهذا –على الأقل- ما يؤكده ويردده الكثيرون .. من ثم فهو يفصح عن حجم المشكلة وامتدادها الحقيقي ، ويتوجب أن يرقى مطلب الديمقراطية إلى سوية معالجتها ؟!

-                                                                                             -         عليه فإن هذه الأزمة المركبة تؤدي إلى سلسلة من المعيقات والكوابح التي تعيق الديمقراطية وتتطلب التذليل من خلال تحول ديمقراطي عميق .. وبعيد .. وحقيقي ، يجب أن يتصف بالصدق والصبر مع المواظبة والتصميم ، وأن يحترم قواعد العملية التاريخية وبُعدها التراكمي ، ويأخذ جميع الاعتبارات ، المذكورة أو التي لم تذكر ، في حسبانه . بحيث يؤدي كل هذا إلى إنجاز عمل توافقي كبير يلتف حول مطلب التحول الديمقراطي السلمي ، من خلال أدوات علنية سلمية تتعاظم وتشكل تأثيراً  ضاغطاً يتزامن مع التحولات الأخرى التي يفترض أن تسعى لتذليل معيقات التحول الديمقراطي من طرف النظام السياسي !

-                                                                                             -         هنا لا بد من إثبات مصداقية الالتزامات السابقة جميعاً حيال العائق الأخير بالذات . خصوصاً ما يتعلق بفلسفة الوحدانية وانفراد الحزب الواحد بقيادة الدولة والمجتمع وما يترتب عنها من نتائج معروفة . وبرغم ما يتراءى للبعض أن هذا العائق هو الأكثر صعوبة بل استحالة  أمام التحول الديمقراطي .. فإن من الواجب اعتباره العائق الأكثر أهمية فحسب  من أجل امتحان صوابية المخرج الديمقراطي ، وصوابية أصحابه في اتباع السبل والوسائل المؤدية لتحقيقه .. مع النضال في سبيلها الذي لا يلين !

تاسعاً - في نطاق العائق الأخير ، فإننا نلتزم النظرة المحددة ، التي تعتبر أن فلسفة النظام القائم هي مجرد امـتداد

لشرعيات تخص مراحل تاريخية .. وثقافة .. وتقاليد سابقة ، قد مضى أوانها فحسب . أي أنها ليست مجرد منتوج لاعتداء أو انقلاب أو مؤامرة شريرة قادمة من كواكب أخرى ، أو من طرف جماعة ذات طبيعة شيطانية فوق-بشرية .على العكس فإن هذه الفلسفة الوحدانية تؤلف في الواقع أرضيةً للممارسة السياسية وتوجيه دفة السلطة ، ذات أصل عقلي واجتماعي – تاريخي يتصف بالعمومية التي تنال الجميع  ، بمعزل عن ماهية الفئة التي تتربع على السلطة أو أهدافها وشعاراتها ومعتقداتها الأيدلوجية، وحتى بمعزل عن درجة حسها الأخلاقي ؟!

-                                                                                             -           ومع احتفاظنا بواجب العرفان للكثيرين الذين أبدوا المعارضة ضد هذه الفلسفة على امتداد تاريخنا  ، وهي لا تخلو من جذور أصيلة في الميراث العربي و الإنساني ، إلا أنه يتوجب إقرار أنه هذه المعارضة لم تستطع إقرار مشـروعية واقعية على أرضـية الواقع الموضوعي و الميراث السياسي الفعلي . وهي لا تملك أن تنفي حقيقة استقرار (فلسفة الوحدانية) في صلب البنى الاجتماعية والسياسية .. طيلة الأطوار التاريخية المتعاقبة ، بل وامتدادها إلى حركات المعارضة الكثيرة نفسها التي امتلأ بها فضاؤنا التاريخي ، وشكلت قاعدة لحركات المعارضة الحديثة أيضاً !؟

.. فقد انطلق معظم هذه الحركات في مناهضة السلطة القائمة من زعم امتلاكها لمعتقدات شمولية أفضل ، وليس لطرق أصوب وحلول أكثر عقلانية وتماشياً مع حاجة الاجتماع البشري للنمو والتطور وتحسين مشاركته في حياته ومصيره ؟!

وواضحٌ أن هذا الزعم يتصل على الفور بدهليز سرّي يوصل كل واحدة من هذه الحركات بالحقائق المطلقة ويجعلها تنصب نفسها وصية عليها وتفصيل (ماهية جوهرانية خالصة) تميزها عن الآخرين بمقابل (ماهيات أخرى ) تخلعها عليهم تتصف بكل ما هو حيواني وشيطاني !

ومثل هذا الاعتقاد يحوي عنصراً بدائياً يقف وراء مشاعر العدوانية والعنف وكراهية الآخرين وتسويغ كل وسيلة شيطانية للتنكيل بهم . وتعتبر السلطة واحدة من أخطر هذه الوسائل فور تمكن هذه الحركات من الاستيلاء عليها، ليس فقط بسبب ما توفره من إمكانات هائلة لممارسة الإقصاء والتنكيل ( امتثالاً لمعتقداتها النظيفة !)، بل أيضاً لأنها تشكل مقدمة جديدة قائمة بذاتها لسلسلة من النتائج والمضاعفات التي تدور في حلقة عبثية مفرغة من التاريخ . وأبرز هذه النتائج انفكاك الأجيال اللاحقة التي تظهر من تحت عباءة هذه الحركات عن بواعثها الأخلاقية ومعتقداتها وشعاراتها ومناضليها الأوائل تحت قوة الإغراءات الكثيرة التي تطلقها آلية التسلط ، وتوجيه التنكيل بعيداً عن هذه (المقدسات) جميعاً لخدمة المآرب النفعية .. وبدوره فإن هذا الاتجاه الجديد للتنكيل – وقد أصبح عارياً من أي قناع – يشكل سبباً إضافياً عند ضحاياه لتكريس اعتقادهم المغلوط أنه مجرد حصيلة لخصائص جوهرية شيطانية أو مؤامرة خبيثة تخص طبيعة الفئة الحاكمة (بل تخص معتقداتها أيضاً!) دون أن تكون له أدنى صلة بقضية فساد الطريقة في حد ذاتها التي اتبعتها في التحكم والوحدانية والاستحواذ على الحقيقة المطلقة . وهو وضع يدفع هؤلاء الضحايا (خصوصاً حركات المعارضة) إلى تعويض الغبن والظلم والهزيمة بواسطة التوغل نحو مسافات أبعد في الجواهرانية وتقمص المقدس والحقيقة المطلقة الخاصة بهم ، على النحو الذي يجعلهم أكثر وحدانية وعدوانية وتكفيراً للآخرين . كل هذا مع تقمص صورة الطغاة أنفسهم في اتباع نفس الطرق التي حققت لهم السطوة والقوة ، ونعني بها وسائل الفئوية العصبوية الهرمية المركزية السرية وبقية تفرعاتها المعروفة ، التي يمكن أن توصف بأي شيء إلا التنمية البشرية والديمقراطية !

عاشراً – على أن ( العهد الوطني) لا يتعمد تقديم تحليل نظري أو أكاديمي لقضية الديمقراطية وعوائقها إلا بالقدر الذي يعتبره ضرورياً لتوضيح عبثية انطلاق العمل الديمقراطي من نفس المشروعيات والوسائل السابقة المتصلة بمعتقدات شمولية . وهذا يقتضي التذكير أن اقتران المطلب الديمقراطي بالمعارضة السياسية ( نتيجة فقدانها الحريات السياسية) لا يبرر اعتبار الديمقراطية شيئاً مساوياً للمعارضة فقط . وبالأحرى لا يبرر لها طـلب الديمقراطية انطلاقاً من طريقة الشرعـيات الثورية والعقائدية وأساليبها المعروفة ، بل لا بد أن تفـعل

ذلك بمستلزمات الشرعية الديمقراطية وأساليبها وقيمها وعاداتها الجديدة ، خصوصاً عن التعامل مع السلطة القائمة وفلسفتها وسياستها الوحدانية . إذ لا يجوز للمعارضة التنصل من هذه المهمة بذريعة أن السلطة لا تترك لها أي خيار أو هامش للعمل السياسي ، أو أنها لا تقوم من طرفها بتقديم ما يتوجب عليها من مبادرات تتزامن مع خطوات المعارضة في التحول الديمقراطي ، أو أنها تتخذ إجراءات تعسفية ضد المعارضة ونشطائها.. إلخ .  .. فهذه الذرائع جميعاً تخلط بين خطين وعهدين متباينين جداً من نشاط المعارضة، أحدهما يخص نضالها السابق من أجل معتقداتها وأهدافها الوحدانية الخاصة .. والثاني يخص النضال من أجل الديمقراطية نفسها ، الذي يقتضي أن يملك قواماً جديداً مستقلاً تحترمه المعارضة وتضع نفسها في خدمة أولوياته ، دون أن تجعله مشروطاً أو مرتهناً بمشاركة مسبقة من قبل السلطة و إلا لما استحقت أصلاً فضيلة الديمقراطية أو حتى مجرد هذه الصفة التي تنشدها لنفسها .وهذا يقتضي بالأحرى إحلال نهج جديد يتسع لامتصاص إجراءات التعسف نفسها التي يمكن أن تصدر عن أجهزة السلطة أو بعضها من أجل وضعها في خدمة الهدف الديمقراطي وتحملها بشجاعة تليق به، والامتناع عن إبقاء هذه الإجراءات في دائرة المنطق التقليدي للقمع الموجه ضد معارضة ذات تطلعات فئوية وعقائدية خاصة ، وجعلها مجرد أعمال طائشة تصدر عن أطراف غير مسؤولة ضد سياسة ديمقراطية تجسد الصوابية والحكمة وتشكل خطة وطنية متعاظمة لعموم البلاد والعباد ، من ثم فهي أعمال لا تحظى بأي تسويغ من قبل عامة الجماهير بما في ذلك اتجاهات التعقل والإصلاح داخل السلطة نفسها ، بل هي تزداد ضيقاً وانعزالاً واندحاراً نحو النسيان !

- غاية القول ضرورة توفير أساس صحيح للعمل الديمقراطي يحقق له قاعدة متماسكة من المبادئ التي تتصف بالمصداقية والاحترام وتتخطى الآنية والازدواجية والتقلب والانكفاء . كما تشكل أساساً عملياً لتحقيق خطوات مثمرة لصالح التحول الديمقراطي وسط أجواء تكون أكثر ما يمكن استجابة من قبل المجتمع وأقل ما يمكن إثارةً لأجواء التوتر التي تحقق مآرب الفئات المعادية للوطن والديمقراطية .

.. من ثم نأمل أن يكون مفهوماً أن اتجاه (العهد الوطني) للاهتمام بجانب واحد من عوائق الديمقراطية ( المتصل بآلية المعارضة وميراثها التاريخي ) يستهدف تحقيق غاية عملية وأخلاقية معاً ، وهي مباشَرة التحول الديمقراطي انطلاقاً من معسكر المعارضة بصفتها تمثل الرأي الآخر في وضعنا السياسي . والغاية من ذلك هي تحرير فكرة الرأي الآخر ، كقوة عظيمة ملهمة للشعوب ، من دائرة المنازعة الضيقة حول السلطة وتحويلها إلى رصيد حقيقي ومتراكم لصالح المستقبل والوطن والديمقراطية . ونؤكد أن هذا الهدف لا يرمي إلى التضحية بالمعارضة أو جعلها تخسر كل شيء بل هو يسعى لجعلها تضحي بعيوبها فقط ودفعها إلى طليعة المشاركة في إطلاق قضية وطنية عمومية وتيار عميق جارف يستحيل رده لأنه يجسد حقوقاً جوهرية تخص الناس جميعاً ، بما في ذلك أهل السلطة .. واتجاهات المجتمع .. والأفراد على السواء !

ونعتبر أن وضع هذا الالتزام على عاتق ( العهد الوطني) هو أمانة سياسية وأخلاقية يتعهدها الموقعون عليه أمام شعبهم والتاريخ من أجل تكريس ثقافة وتقاليد جديدة تبدأ اعتباراً من ساحة المعارضة لجعلها تباشر -من طرفها- استحقاقات الديمقراطية التي تخصها قبل الآخرين جميعاً ، على الطريق المؤدي لإصلاح الاختلال وجسر الهوة العميقة التي تحكم –في الحقيقة- علاقات المجتمع .. والسلطة .. والمعارضة على السواء !

.. ففي مثل هذا الاتجاه فقط يستطيع أصحاب فكرة الرأي الآخر التحول إلى قوة إيجابية يكسبون فيها أنفسهم وقضيتهم معاً مع التمسك بطرح أسلوب في توجيه النقد والتعبير عن التطلعات العامة يتركز حول المستقبل ويتسم بالمسؤولية المؤدية لنزع فتيل الألغام والاعتداءات ضد العمل الوطني . وهي اعتداءات يمكن توقع صدورها من تحت عباءة السلطة أو حتى أي عباءة أخرى ينشد أصحابها الدفاع عن مآرب ضيقة . ويقتضي بالأحرى تحمل كلفتها بكل الشجاعة الأخلاقية لكن دون السعي إليها ، بل اعتبارها مجرد أفعال تنتمي إلى الماضي وتدافع عن قضية خاسرة وتقع على عاتق أصحابها الذين سيطويهم النسيان !

حادي عشر - في ضوء هذه الأهداف والالتزامات فإن ( العهد الوطني ) ينطلق في نظرته إلى السلطة القائمة وفلسفتها الوحدانية من زاوية محددة ، وهي زاوية الطريقة الصائبة في التعامل مع ( موجود اجتماعي سياسي واقعي ) وليس الصراع بين ماهيات جوهرانية ثابتة نهائية تقيم خارج الزمن والتاريخ !

وهذه الأولوية ( لصالح الطرق الصائبة على حساب الماهيات والجواهر والعقائد الشمولية ) هدفها إخراج التطور العقلي والسياسي لمجتمعنا من الدائرة المفرغة ووضعه على طريق التنمية البشرية والدخول في المعترك التاريخي .

وفي هذا الصدد نشير إلى أن أبرز التحولات في التاريخ هي التي قدمت (طرقاً وأهدافاً جديدة) لصالح حياة البشرية دون أن تشذ عن ذلك خيرة الأديان والعقائد الوضعية والروحية على السواء . بل يمكن القول إن هذه (الأهداف والطرق الجديدة) لم تقتصر على الانتفاع بنتائجها بعد انتصار هذه الدعوات واستتباب أمرها ، بل كانت وما تزال تؤلف واحداً من أبرز وأفضل الشروط لكسب الانتصار نفسه من خلال فعاليتها في تحسين السوية البشرية بواسطة الجديد والضروري والنافع الذي تقدمه للمجتمعات ويرقى إلى مستوى المنجز التاريخي والإنساني ! .. ويكفي للتدليل على ذلك الدعوات الأولى للديانتين المسيحية والإسلامية ، وصولاً إلى حركتي المهاتما غاندي ونيلسون مانديلا ، مع عدم إغفال مقدمات النهضة الأوروبية الحديثة التي جاءت للبشرية بدعوة التسامح والعقلانية والأنسنة والديمقراطية فجعلتها أهدافاً تنشد تحقيقها وفي نفس الوقت كانت سبب انتصارها أيضاً !

- وواقع الأمر أن الديمقراطية ليس مجرد نظام تنعم به المجتمعات بعد انتصارها على القوى المعيقة لتقدمها . وبالأحرى ليست مجرد دعوة فئوية لانتصار جماعة على أخرى ، بل هي تقدم نوعي في المنجز التاريخي والمجتمعي الذي يرفع سوية الحياة ويخص الناس جميعاً دون التمييز بين خصوم البارحة على اختلافهم .

.. ونعيد التأكيد أن الديمقراطية لم تكن شرعية قائمة ومستمرة في مجتمعاتنا ، ثم قامت فئات تفتقر لأية شرعيات سابقة بالاعتداء عليها ، بل هي بالأحرى شرعية جديدة تستجيب لضرورة التطور الاجتماعي ويقتضي أن تحمل الأكثر والأفضل وليس الأسوأ أو الأقل . وأن تجعل ميدانها المستقبل و الجديد وليس الماضي ومنازعاته التي تقادمت مع التاريخ . وهي في كل هذا يجب أن تختلف عن التجارب السابقة التي احتكرت صفات الجذرية والثورية والراديكالية انطلاقاً من ارتباطها بمعتقدات شمولية وحركات انقلابية مصحوبة بوسائل القوة المادية والعنف والإقصاء والتنكيل . فهذه الوسائل غالباً ما أفضت إلى الاستقلال عن غاياتها ، بل الانقلاب عليها وابتلاعها ودَوس خيرة مناضليها الأوائل تحت النعال . وهي تؤكد اختلافها الجوهري عن سبيل الدعوة الديمقراطية التي تشكل طريقة في التغيير تعتمد الترقية البشرية واحترام قواعد العمل التاريخي وحرمة الكرامة الإنسانية . وبتعبير آخر فهي تعتمد على إلغاء المسافة بين وسائلها وغاياتها وتحقيق قوتها انطلاقاً من صوابيتها وليس العكس على الإطلاق . وهذا ما دفع كثيراً من رواد الديمقراطية لتفسير قوتها وقدرتها على النماء والاستمرار في مواجهة العواصف المختلفة انطلاقاً من ضعفها خلافاً لشتى الأنظمة الشمولية وقوى الهمجية التي تصبح رهينة أدواتها التعسفية وقوتها المعزولة باضطراد عن أي هدف ومصير نهائي !

.. ومن جهته فإن (العهد الوطني ) يؤكد رفضه التزام الديمقراطية كمجرد هدف نهائي فقط يتوقف تحقيقه على تغيير الأوضاع القائمة بأي ثمن . مؤكداً انتهاجها (كخطة عمل وطريقة صائبة وثابتة) لإحداث التحول الديمقراطي بطريقة الأداء السلمي الذي يكرس قيم حيادية فوق –فئوية تتجه نحو المستقبل ، ويكون إطارها صالحاً لاحتضان عامة المجتمع واتجاهاته وقواه العاقلة والصالحة مع تلافي الحظر على مصادرها جميعاً بما فيها النظام السياسي ، كل هذا بصرف النظر عن أية معيقات وقتية يمكن أن تعترض هذا السبيل .

ويعتبر (العهد الوطني) أن إتباع هذا النهج هو وسيلة شعبنا لتحقيق الانتصار على نفسه وظروفه معاً ، لصالح تحول تاريخي حقيقي يليق بمكانته وحضـارته وحقه في الحياة . كما يحقق للديمقراطية معانٍ أخرى للجـذرية


والتأثير التاريخي البعيد الذي افتقرت إليه مختلف الشرعيات الثورية والانقلابية التي وقفت جذريتها عند حدود التغييرات الفوقية وقشرة المجتمع السطحية والأثر الوقتي سريع الذوبان !؟

- وإذ يعتبر ( العهد الوطني ) أنه ما من ذريعة في الدنيا تبرر التنصل من استحقاق الديمقراطية في وضعنا العياني ( بما في ذلك ذرائع الخصوصية المحلية ، والعقيدة الدينية ، والتحدي الصهيوني ، وأولوية التنمية ، وخطر العولمة والغزو الثقافي .. إلخ ) لأن هذه الاعتبارات – مجتمعة ومنفردة – تستدعي الديمقراطية أكثر من أي شيء .. وأي وقت .. وأي مكان آخر . وهذا يشمل بالأحرى ذريعة ( الخوف على كيان الدولة والوطن والمجتمع من مغبة الديمقراطية ) لأنه ما من وقت شهده شعبنا على امتداد تاريخه جعله أحوج من الوقت الحاضر لقوة الدولة ، بل ومعها أيضاً مجتمع مدني وافر الخصوبة بتنوع ينابيعه وإمكانات أبنائه وحرية علمائه ومبدعيه وفئاته الحية كي يفيض على هذه الدولة هيبة ومنعة وقدرة على مواجهة الأخطار وامتصاص التحديات !

.. نقول أنه مع ضرورة الديمقراطية لأجل هذه الاعتبارات جميعاً ، فإنه يقابلها بنفس القدر والأسباب ضرورة وضع واقعنا العياني السوري في أولوية الاعتبارات التي تحدد كيفية إجراء التحول الديمقراطي السلمي وتذليل عقباته دون التضحية بالبيت الذي نسكنه جميعاً ، لأنه وطن ومجتمع ودولة ولحمة وطنية وميراث مشترك ومصير قومي وإنساني . ونؤكد أن أولوية الديمقراطية وحجم المشكلات التي ننشد حلها عن طريقها تستحق منا قدراً كافياً من الجرأة العقلية والأخلاقية لابتكار الطريقة التي تليق بها ، بل وابتكار عناصر فرادتها الخاصة أيضاً، بمعزل عن الأساليب و العادات الشائعة لدينا ، وبمعزل عن مهاترات القداسة ( غالباً غير الأمينة ) التي يخلعها البعض من هنا وهناك على أساليب وطرق أخرى اختطتها بعض الشعوب نحو الديمقراطية . ومن الطريف أن يلجأ هؤلاء -من مواقع متباينة جداً حيال الديمقراطية- للتذرع بتجربة الديمقراطية الغربية ( التي تطلبت 400 عاماً من الحروب الأهلية  والدماء للحصول على الديمقراطية ) . ففضلاً عن انتفاء الدقة في هذا المثال بل وإساءة فهمه كثيراً فإنه يكشف روح العبثية المميتة لتحميل الديمقراطية أكثر مما تتطلبه أو تحتاج إليه في واقعنا السوري و العربي على السواء !

- وإذا كان نظام السلطة القائمة في قطرنا ، بفلسفتها الوحدانية وحزبها القائد للدولة والمجتمع ، هو أحد معيقات الديمقراطية ، فقد آن الأوان لإخراج هذه المشكلة وإخراج الديمقراطية أيضاً من الحلقة المفرغة والارتقاء بها إلى مستوى يليق بلحظتها التاريخية التي تحف بنا جميعاً . خصوصاً أنها لحظة تاريخية مزدوجة لمواجهة استحقاقات وتحديات أخرى جارفة تحدق بقطرنا وعالمنا العربي ، ويتعين علينا جعل نظرتنا للديمقراطية وكيفية تحقيقها .. أقل ضيقاً وأبعد نظراً وأوسع حكمة من أجل مواجهة هذه التحديات وكسب الوطن والديمقراطية معاً ، تحت طائلة خسارة الاثنين على السواء !؟

فلأن الديمقراطية هي ضرورة حياة ومصير تتعدى مجرد الترف والرفاهية بالنسبة لشعبنا وأجياله القادمة ، لهذا ينبغي اعتبارها ( أمانة ) تساوي الحفاظ على المركب الذي يحتوينا جميعاً وعدم تعريضه للغرق ، سواءً من جراء منطق السيطرة عليه بأي ثمن من قبل البعض ، أو السعي لنزع هذه السيطرة بأي ثمن وتحت أية راية .. من قبل البعض الآخر !؟

- وبرغم أن دعوة الديمقراطية التي يطلقها كثيرون في بلادنا اليوم لا تخلو من قدر كبير من الصدق والجدية ورغبة التخلي لأجلها عن مختلف الأساليب والمطامح غير الديمقراطية السابقة ، في حين مازال ينبئ الظاهر على الأقل عن ضعف إرادة التخلي عن طريقة التحكم والوحدانية عند أهل السلطة ، بل وانعدامها عند بعضهم على الأقل .. إلا أنه لا غنى عن مقابلة هذه الوضعية المؤسفة بقدر كبير من الإحاطة والتفهم لخصوصية التحول والانتقال نحو مرحلة تاريخية جديدة . لأن هذا التحول والانتقال يحمل مواصفات مرحلة قائمة بذاتها تتصف بكثير من الممانعة والدفاع عن المألوف والريبة حيال مرحلة تاريخية لم تتبلور معالمها بعد وماتزال في طي المجهول المصحوب بشعارات ممزوجة بالمهاترة وآثار الماضي التي تثير مخاوف الكثيرين . خصوصاً أن قيم


الديمقراطية ومناقبها لا تولد جاهزة مثالية خالية من كل عيب ، بل إن الدعوة إليها تصدر عن أشخاص وجماعات يعيشون نفس المرحلة الانتقالية ويؤلفون جزءاً من نفس الجيل الذي أرهقته العيوب والمنازعات والتجارب المسكونة بمواريث الماضي وعاداته وأوهامه المعروفة .. من ثم يتعين أن يحظى مطلب الديمقراطية في هذه المرحلة الانتقالية باهتمام خاص واستثنائي لجعل الطريق إليه أكثر إقناعاً وأوسع قبولاً وانفتاحاً في الشراكة لأجله مع خصوم هذه المرحلة ، مثلما مع الحلفاء سواءً بسواء . وينبغي بالأحرى مد النظر من قبل دعاة الديمقراطية إلى ما وراء حدود هذه المرحلة الانتقالية وردود أفعالها ومواريثها ، بهدف جعل الديمقراطية أكثر نضوجاً ومصداقية وقبولاً لصالح مرحلة أخرى قادمة ، وبالأحرى جعلها أقل استنزافاً في المعارك الراهنة التي يثيرها البعض من هنا وهناك ، سواء لتصغير قضية كبيرة كالديمقراطية .. أو تكبير قضايا صغيرة على حسابها!

ثاني عشر -  في ضوء هذه الاعتبارات جميعاً فإن ( العهد الوطني ) لا ينطلق في رؤية السلطة وفلسفتها وحزبها القائد باعتبارها ( عقدة شيطانية ) أو كارثة لا حل لها . أو أن الفئة المتربعة عليها مسؤولة عن جميع أوزار التاريخ بما في ذلك تعطيل الديمقراطية ومنع إعادتها لأصحابها الشرعيين . وبالأحرى فهو لا يعتبر أن تاريخنا كان ناصع البياض قبل ظهور هذه السلطة ، وكنا ننعم بديمقراطية مؤسسية تداولية مستقرة معافاة في مجتمعاتنا .. إلخ . وعكس ذلك فهو يعتبر أن مثل هذا التهويل في خطايا السلطة الحاضرة (ودون الدفاع عن أخطائها طبعاً) هو مجرد تعبير طفولي في تصور العدالة لا يتخطى حدود ( الظليمة الوقتية ) التي نعيشها . وهو أشبه بالطفل الذي يتمسك بحاجة وقتية بأي ثمن ، حتى لو انصرف عنها بعد دقيقة أو دقيقتين . وإن مظاهر السلطة الوحدانية والأنظمة الشمولية مع جميع المنظومات والشرعيات التي استندت إليها في بلادنا ( من سياسية ودينية وإيديولوجية ..إلخ ) هي أولاً وأخيراً منتج اجتماعي تاريخي محلي ، بل أكثر من هذا فهي تعكس رغبة ما تزال تصاحب ( الوضع الإنساني ) للاستئثار بالسلطة وتحقيق الجاه والنفوذ واحتكار الرأي والمقدس .. التي تتحدر جميعاً من عنصر بدائي تكرسه أجواء ثقافة وعادات ما تزال تفتقر لكثير من قيم العقلانية ذات المحتوى النقدي والإنساني ، وما تزال بالأحرى تنتظر منا الكثير من العمل الذي يجب القيام به دون إبطاء !

- وانطلاقاً من طبيعة هذه المشكلة يعتبر ( العهد الوطني ) أن التحول الديمقراطي ينبغي أن يتصف بطابع العمل التاريخي الحثيث الموجه لإحداث التبدل والتغيير في البنية التحتية لأطراف المجتمع دون استثناء ، بما في ذلك بنية السلطة السياسية نفسها . و بالأحرى إطلاق هواء جديد يجعل الديمقراطية مطلباً مستساغاً وعمومياً . وأن يكون عملاً سياسياً وثقافياً وأخلاقياً يتسم بقيم نقدية تنويرية لا تكتفي بالهدم بل تقدم الجديد والضروري الذي يمس كل ميادين حياتنا دون توفير مجتمع الأحزاب والسلطة السياسية ، والمثقفين ، وما يترتب عليهم جميعاً من مهمات انتقالية لصالح التحول الديمقراطي . وأن يقيم رهانه الأساسي على الزمن .. والصوابية .. ومصداقية الجهود ومثابرتها التي لا توفر باباً أو نافذة أو كوة صغيرة من أجل تضافر الإرادات الصالحة والعاقلة وتوسيع مشتركاتها حول أهداف التحول الديمقراطي بعيداً عن روح الاستقطاب التقليدية وما تحمله من القيود والقيم الرمزية المشبعة بالأحكام المسبقة والعدوانية !؟

- ويوضح ( العهد الوطني ) رؤيته في نظرة البعض ( التي تعتبر السلطة عائق الديمقراطية ويتوجب تكسيره بالوسائل غير الديمقراطية .. أو الانكفاء عن الديمقراطية نفسها ) .. وكذلك نظرة البعض الآخر (التي تعتبر السلطة قوة أبوية قادرة على كل شيء وتملك المفاتيح السحرية للديمقراطية وسواها ) .. معتبراً أن هاتين النظرة هما مجرد تعبير عن بقايا المأزق المزدوج لأيدلوجيات العمل الوطني التي تحمل روح التصلب والهشاشة في آن معاً ، لأنها تفتقر بالأحرى إلى قواعد العمل الاجتماعي والتاريخي !

- وينطلق ( العهد الوطني ) من الاعتقاد أن وحدانية السلطة وحزبها القائد هي مجرد واحدة من الظواهر البشرية ( الاجتماعية والسياسية والثقافية .. إلخ  ) و تحكـمها قواعد الظاهرة البشرية إجمالاً التي تتسم بالتغير


والتبدل والاستجابة للمؤثرات والمتغيرات التي تصيب الواقع الموضوعي ومناخات العمل السياسي . وبالأحرى فهي ليست واحدة من الظواهر الميكانيكية والفيزيائية التي تتسم بصفات الحتمية والنهائية .. مهما أضفيت عليها من صفات القداسة أو تم تكريسها في النصوص التشريعية ، أو جعلها البعض سبيلاً لخدمة المصالح والولاءات الخاصة . ويعتبر ( العهد الوطني ) أن هذه المظاهر جميعاً هي مجرد إطار أو سقف خارجي تتحرك تحته جميع عوامل التغير والتغيير التي تميز الظواهر البشرية دون استثناء . وهو لا يعبر بالضرورة عن علاقة ثابتة أو آلية بمضمون محدد ونهائي لا يقبل التغيير . وإن الخير كل الخير لقضية شعبنا نزع الديمقراطية من دائرة التصادم الضيقة مع هذا الإطار الخارجي وإطلاقها للتفاعل في الدائرة الأوسع التي تحقق إمكانية التعايش السلمي مع وجود السلطة وإطارها القائم ، مقابل توجيه خيرة الجهود لتأصيل ثقافة التحول الديمقراطي السلمي على الأرض وجعلها شأناً عاماً واتجاهاً واسعاً يعيد ترتيب الوقائع والمصالح والطموحات الواسعة القائمة على الأرض ، دون استثناء المجتمع .. والمعارضة السياسية .. وأهل السلطة على السواء .

إن هذا يقتضي تقدير ( التعايش ) الذي ندعو إليه بقدره الصحيح وتفنيد التحفظ الذي يعتبره اعترافاً بالسلطة .. ومهادنتها .. والتسوية معها .. إلخ . موضحين أننا لا نعتبر هذا ( التعايش ) تهمة تعيب ( العهد الوطني) بل هو بديهة قائمة وجزء لا يتجزأ من سياسة مبدأية أوضحناها آنفاً . وهو يخرج عن أية دائرة نفعية أو ميكافيلية، وليس جزءاً من سياسة السلطة أو فرعاً لها ، مثلما أنه ليس سلطة تقابلها . بل هو أفق سياسي يلتزمه ( العهد الوطني ) لإنتاج حراك سياسي يليق بآدمية مجتمعنا ويطلق أملاً جديداً لأجيالنا من أجل إجراء تحول ديمقراطي سلمي يخص الجميع ويكون معياره التطلع للمستقبل والتآزر في تحقيقه من قبل الجميع دون استثناء !

.. وهذا يعني باللسان الفصيح الذي لا يعرف الازدواجية والالتواء ، التزام الخطاب والبرنامج الذي يحقق الصوابية للعمل الديمقراطي بصرف النظر عن المواقف والإعاقات التي تصدر عن أية جهة كانت وتقع مسؤوليتها على عاتق أصحابها فحسب . وهذه الصوابية تقتضي اعتبار أهل السلطة قوة واقعية من قوى مجتمعنا وهي مدعوة مثل غيرها للمشاركة في تحقيق التحول الديمقراطي السلمي ، سواء بصفتها الخاصة أو من خلال إمكانات الدولة على السواء . انطلاقاً من أن خلاف الديمقراطية مع الإطار السياسي والدستوري الذي يحيط بمؤسسة الدولة في الوقت الحاضر ، لا يعني الخلاف مع مؤسسة الدولة نفسها لأنها ركن عزيز من أركان السيادة الوطنية التي تسعى الديمقراطية لجعلها أكثر منعة وقوة واحتراماً . كما أنه لا يعني التناقض – بصفة نوعية خاصة – مع الفئة الاجتماعية والسياسية الحاكمة وحزبها السياسي . وعلى العكس فهو يأمل أن تتسابق مع جميع الفئات والاتجاهات الأخرى لوضع خياراتها في خدمة الديمقراطية ، وتوجيه أقصى ما تستطيع أن تفعله مؤسسة الدولة من خلال إطارها الراهن لخدمة هذا الهدف الذي يرقى بسويتها وسوية المجتمع والحياة على السواء !

-  ونوضح أن التزامات ( العهد الوطني ) هذه ليست موقفاً سلبياً نقطعه على نفوسنا فقط ، بل هي موقف إيجابي نسعى للترويج له وإشاعته في كل الأرجاء . مع السعي دون كلل أو ملل لإقناع الناس جميعاً بمزايا هذه السياسة ، وأخلاقيتها ، وصوابيتها وجدواها من أجل مستقبل أفضل لنسلهم وأحفادهم ، مع حفزهم للالتفاف حولها وموآزرتها وتقبل التضحيات ( المكرسة لأجلها فقط ) بالغالي والنفيس !

ثالث عشر - وجواباً على التحفظات التي تعتبر هذه الالتزامات شيئاً مثالياً وأنها تتصف بالإصلاحية وتعوزها الجذرية حيال المظالم ومظاهر الفساد المتفاقمة ، وأنها تتصف بحيادية – وحتى عدمية – إيديولوجية وتجعل تحقيق المطلب الديمقراطي عملاً تاريخياً أبعد مما يحتمل ومرهوناً بعمي ثقافي تنويري يهتم بالأخلاق والعقل على حساب المصالح الواقعية ..إلخ .

.. نقول أن هذه التحفظات – وبصرف النظر عن مبالغاتها – تخص وقائع لا تحمل أية قيمة ذاتية ، بل تتوقف قيمتها الحقيقية على صوابية المنظـومة التي تعمل في نطاقها . فالمثالية .. والإصلاحية .. والتاريخانية ..


والتنويرية .. والحيادية الأيدلوجية .. يمكن أن تكون عيوباً ومثالباً في منظومة الفكر الفئوي الشمولي الانقلابي، الذي يستهويه اغتصاب التاريخ وفرض الوصاية على المجتمعات ومصادرة الحقوق الأساسية للجنس البشري وفي مقدمتها حق الحرية والتنمية والمشاركة الإنسانية . ولكنها تمثل بالنسبة لمنظومات أخرى ( وبالنسبة لالتزامات العهد الوطني أيضاً!) : قيم الأخلاقية .. والنزاهة .. والصوابية .. واحترام قواعد العملية التاريخية ومكانة العنصر البشري في تحقيقها والارتقاء معها وصونها من الانكفاء ..

- ويعتبر ( العهد الوطني ) أن تحقيق منجز الديمقراطية ، ومثله بقية المنجزات الكبرى للبشرية ، ليس أمراً طويل الأمد .. أو قصيره ، بل هو عمل اجتماعي تاريخي سياسي ثقافي عنيد يتطلب احترام القواعد المؤدية لتحقيقه حتى وإن تم ذلك خلال يوم واحد فقط . وإن في مقدمة هذه القواعد ارتقاء مشاركة العنصر والمجتمع البشري في تقرير حياته العامة ، ووضعه في سياق الخطاب والمشروع الذي يمكنّه من مباشرة ذلك في مرحلة التحول إلى الديمقراطية ..؟!

.. و ( العهد الوطني ) لا يستهويه التلكؤ يوماً واحداً دون مبرر عن تحقيق هذه العملية أو إطالة عهود الاستبداد وآلامها . كما لا تستهويه الرغبة في ابتكار منظومات جديدة لتحقيق هذا الهدف أو فرضه على الآخرين بالقوة . بل أنه فقط يتلمس عواقب المنظومات والتجارب المتعاقبة التي أضلت الوصول إليه أو انكفأت عنه وقادت مجتمعاتها إلى الحلقة العبثية المفرغة ومسلسل الهزائم والتعفن والخروج من التاريخ !؟

.. ومن هذا المنطلق فهو ينشد من الآخرين جميعاً السعي لتعجيل صبح الديمقراطية مع بقية طموحات شعبنا الأخرى بواسطة التفاهم الحقيقي مع قواعد العمل الاجتماعي والتاريخي ، عوضاً عن رمي هذه العملية بالأشواك والحجارة وإطالة زمن الظلمة الدامسة أوالاكتفاء بلعنها ألف مرة في اليوم الواحد ، عوضاً عن إشعال شمعة واحدة على الطريق !

- و ( العهد الوطني ) لا يشكو العدمية الأيدلوجية ، وصفوفه تحوي خلاصة الاتجاهات الفكرية والدينية في عالمنا العربي . بل هو ينشد تحقيق النزاهة من وراء هذه المعتقدات جميعاً التي يكون أساسها أولوية الأوطان والإنسان .

وإذا كان قد أهمل التعرض للتصنيفات المعروفة التي توزع الناس إلى اتجاهات إيديولوجية وعقائدية مختلفة ، بما في ذلك اتجاه التدين أو عدمه ، فليس انطلاقاً من أي موقف سلبي أو إقصائي حيال هذه الاتجاهات أو بعضها ، وإنما انطلاقاً من الاعتراف العميق بها الذي يسمو فوق التصريح للتركيز على ما هو أساسي من القيم المشتركة التي تحفز خيرة أصحابها إلى ما ينفع الناس والأوطان ويمكث في الأرض !؟

- وهو لا تعوزه مواقف المبدئية والجذرية حيال المظالم ومظاهر الفساد الكثيرة . ولا يطلب بالأحرى لجم الأصوات الداعية للإصلاح ومحاربة هذه المظاهر والعيوب ، سواءً تلك الصادرة من بين صفوفه .. أو من أحزاب المعارضة السياسية .. أو من داخل النظام وحزبه السياسي وجبهته الوطنية ، وبالأخص الصادرة من داخل حنايا كل مواطن ينشد تحقيق العدالة ورفع الحيف والظلم عن أطفاله . وهو لا يرتضي التذرع بإرجاء هذه الإصلاحات إلى ما بعد قيام الديمقراطية بحجة عدم جدواها لأنها تهدف إلى ( ترقيع ) عيوب النظام فحسب . ولا ينظر إلى الديمقراطية نفسها على أنها نظام ملائكي يخلو من صراع المصالح والأهواء ، أو أن دعاتها ومواطنيها هم صنف مسبق من الملائكة ، وأنها سوف تولد خالية من العيوب فور إمساكهم بمقاليد السلطة العتيدة. على العكس فهو يعتقد – بمنتهى الأمانة – أن الديمقراطية هي فقط أقل الأنظمة فساداً وإفساداً . وبالأحرى أكثرها قدرة على محاصرة هذا الفساد في أضيق حدوده الممكنة . وأن السياسات على اختلافها تجعل تحقيق هذا الهدف يتناسب عكساً بقدر ابتعادها عن الديمقراطية . وأن العيوب والمفاسد المختلفة نفسها ليست منتوجاً خاصاً بفئة شريرة أو مؤامرة شيطانية  فوق-  بشرية  . وأن اجترار مثل هذه القناعة يجعل الأمر أكثر صعوبة وابتعاداً عن معالجتها لأنه يخلع الفضائل والرذائل على ( ماهيات جوهرانية  مجردة ) بعيداً عن


مصدرها الحقيقي الذي يجعل الفساد يفرخ ويتناسل إلى مالا نهاية . وأن الأصوب للبشرية ( ولشعبنا بخاصة ) اعتبار هذه العيوب والمفاسد منتوجاً لطريقة فاسدة في التحكم بالبلاد والعباد حتى لو أن قادتها اتصفوا بأصدق النوايا التي تنشد إيصال الناس إلى الجنة . وأن الخير كل الخير توجيه خيرة جهدنا البشري لتبديل هذه الطريقة الفاسدة بطريقة أصوب تليق بكرامة الإنسان والأوطان ؟!

.. من ثم فإننا نثمن مختلف الأصوات الداعية لمحاربة الفساد وإجراء الإصلاح ، أو الخطوات الساعية لذلك ، ونعتبرها خطوات إيجابية في الاتجاه الصحيح . وفي نفس الوقت فنحن نعتقد أن تحقيق غايتها على الوجه الأسلم يرتهن بوضعها في السياق التراكمي المؤدي لتحقيق تحول عميق وديمقراطي يصون كرامة الإنسان والأوطان !

رابع عشر -  وبعد .. فإن غاية ( العهد الوطني ) هي أبعد من مجرد فرض برنامج قسري لتوجيه الخطوات المؤدية للديمقراطية . وهو لا ينشد فرض الوصاية من أي نوع على أية خطوة أو مبادرة سليمة يقررها أي فرد أو أية جهة على هذا الطريق . بل إنه يستهدف إطلاق أفق سياسي جديد لتشجيع الالتزام بهذا الهدف والاهتداء بمعاييره وكسب الاهتمام والالتفاف الذي يستحقه على أي وكل صعيد .

.. في نفس الوقت فإن هذه الغاية لا تعني ولا تتعارض مع حق الموقعين على ( العهد الوطني ) كلاً أو جزءاً ، سواءً بصفتهم الخاصة أو بأية صفة حزبية أو اعتبارية ، في الإسهام بالاقتراحات والبرامج والخطوات العملية التي تشجع أجواء التحول الديمقراطي ، وتنزع الأشواك من طريقه ، وتدفعه في الاتجاه الصحيح ، وضمن هذا النطاق سوف يسعى الموقعون على هذا ( العهد الوطني ) في فترة تعقب المصادقة عليه لصياغة مقترحات وخطوات عملية يكون هدفها المساعدة في تحقيق هذا الهدف من خلال الاهتداء بمبادئ ( العهد الوطني ) التي لا تضحي بذرة واحدة من قدر بلدنا ومصيره .

 

.. يا جماهير شعبنا السوري العظيم

إننا نرسم هذا (العهد الوطني) أمام أبصاركم وقلوبكم ليكون عهداً يلزمنا أمامكم جميعاً ، وقبل الجميع . وجلّ ما ننشده هو استبدال العلاقات المختلة بين أطياف مجتمعنا الأهلي والسياسي على السواء بحقل سياسي جديد يليق بمجتمعنا ويطمئن أجياله الحاضرة والقادمة على مستقبلها ، ويجعل أبناءه شركاء حقيقيين في إنتاج زمن سوري وعربي جديد !

.. كما أن جلّ ما نطمح إليه أن يكون إجماع الموقعين على هذه المبادئ ، رسالةً صالحة لالتقاطها من كل ضمير حي وإرادة صالحة ، وأساساً مقبولاً لجعل العمل الوطني ينفتح على عهد جديد من التحول الديمقراطي الذي يكافئ ميراثنا الوطني وكفاحنا القومي والإنساني ويليق بمكانة بلدنا الذي اعتبره المنصفون الوطن الروحي والثقافي الأول لأبناء البشرية ومهد حضارات التاريخ !

.. وفرقاء الطيف السياسي جميعاً ، بما في ذلك الجهات العامة في قطرنا ، إضافة إلى كل مواطن بصفته الشخصية والأخلاقية ، مدعوون دون استثناء لمواجهة هذه المسؤولية التي تخص – ببسيط العبارة- مصير أطفالهم وأجيالهم القادمة ؟!

 

                                                                                                                                                                                     علي محمود العمر

 

 

البحث هو بمثابة مشروع مقترح من قبل الكاتب لإقامة قاعدة حوار مؤسسة للتحول الديمقراطي في سورية

لطفاً : بطاقة تعريف شخصية :

-       -       الاسم : علي محمود العمر – سوريا / حماه 033712030

-       -       العمل : المحاماة .

-       -       عضو مؤسس في جمعية حقوق الإنسان في سورية ، وعضو مجلس إدارتها السابق .

-       -       باحث ومحاضر في الشؤون العامة .

منشوراته كتب : حركة التحرر العربية إلى أين – إشكالية التجربة القومية مع قضية السياسة والثقافة – حوار حول استراتيجيات الإمبريالية الأمريكية – ملاحظات في قضايا راهنة .