المواطن السوري وثقافة النسب والأرقام...عندما يكون المواطن السوري ثلث مواطن أو سدس مواطن... الطاهر إبراهيم

القدس العربي 21 آب "أغسطس"

هناك ظاهرة سورية طبعت المواطن السوري بطابعها، ولا ينكرها هذا المواطن، الذي ليس من طبعه نكران الجميل، وهي شعوره بأن حياته في وطنه أصبحت على هامش الحياة السياسة وعلى هامش الحياة الاقتصادية وعلى هامش المجتمع المدني، وعلى هامش الحياة كلها، بل حتى على هامش الوطن. وأصبحت حياته يغلفها الهدوء والرتابة ،وهاتان الصفتان تسعى شعوب الأرض كلها كي تصطبغ حياتها بها، لكنها لدى السوري لها شأن آخر وطعم آخر .

نقول هذا الكلام بعد أن شعر المواطن السوري أنه لم يعد سوى رقم بين عشرين مليون بني آدم ،أستغفر الله، لأنه لابد أن نستثني مائة ألف من الناس "السوبرمان". وعلى ذكر الأرقام فإن في نفس المواطن السوري شيئا من أرقام كثيرة، يقرأها أو يسمعها أو تقال له في سورية، وتكون الحقيقة غير ما قيلت لهذا المواطن.

فقد بينت الإحصاءات غير الرسمية: أن الذين شاركوا في انتخابات مجلس الشعب السوري الحالي، لم يجاوز عددهم ،حسب الأرقام الحقيقية لوزارة الداخلية نفسها سوى 6.5 في المائة من مجموع الناخبين البالغ عددهم،حسب قيود السجلات المدنية، 10 ملايين و817 ألفاً و821 ناخباً يحق لهم المشاركة في الانتخابات في أنحاء البلاد. ما يعني مقاطعة 93.5 في المائة من الذين يحق لهم الانتخاب، علما أن هذه الوزارة بينت أن الذين أدلوا بأصواتهم بلغت نسبتهم 63.45% من مجموع الناخبين، أي بهامش خطأ –حسب التعبير الرياضي- قدره 876% . ولا يستغرب العارف بالشأن السوري هذه النسبةالمتواضعة 6.5% في سياق الإحباط الذي يشعر به المواطن  السوري، بعد أن جعلته سياسة حزب البعث ،خلال أربعة عقود، يعيش على هامش الحياة السياسية، بعد أن احتكر هذا الحزب كل الأنشطة السياسية والاقتصادية والثقافية.

وسنحاول أن نشير إشارات خفيفة موحية لما آل إليه المواطن السوري، نتيجة لسياسة الإقصاء والإلغاء والتهميش والتطنيش، التي اتبعها حزب البعث مع المواطن، خلال حكمه لسورية.

المواطن السوري يساوي أكثر من مواطن عند الاستفتاءات : 

ففي كل سبع سنوات يدعى هذا المواطن للاستفتاء على منصب الرئاسة من دون أن يشعر أن هناك مشكلة في اختيار الرئيس. فقد تكفلت "القيادة القطرية" لحزب البعث ،حسب نص الدستور، بحل هذه المشكلة، من خلال الاستفتاء -الذي أصبح تحصيل حاصل- على رئيس سيمدد له ما بقي على قيد الحياة. حيث يتم تعداد أصوات من حضر الاستفتاء من المواطنين ومن لم يحضر. بل إن المواطن يستطيع أن يدلي بصوته في مقره الانتخابي أو خارجه، بوجود هويته الشخصية أو من دونها. كما أن الهيئة المشرفة على الاستفتاء رفعت من قيمة المواطن، بحيث يمكنه أن يدلي بصوته في أكثر من مركز انتخابي، فهو إذن يساوي أكثر من مواطن واحد.

وحتى الذين لا يحضرون الاستفتاء، لن ينساهم جهاز الحاسب الآلي "الكمبيوتر" الذي حذفت منه الأرقام من 1 إلى 8  جميعها إلا الرقم 9، بحيث أن النسبة دائما تكون من فئة ال 99% . ولم يشذ عن قاعدة  "التسعات الأربع" إلا الاستفتاء على رئاسة الدكتور بشار الأسد حيث بين جهاز الكمبيوتر أن الذين وافقوا على رئاسته فقط 97% وكسور.

( غير أن المواطن السوري يدلي برأيه هامسا: إن الرئيس لا يحتاج إلى كل هذه التسعات فهو يكفيه ،ديمقراطيا، أن يفوز بأصوات 51% من أصوات المقترعين لكي يكون رئيسا كامل الشرعية، بل إن سفاح البيت الأبيض "جورج بوش" فاز على خصمه الديموقراطي "إل غور" بفارق 517 صوتا فقط. ولعل الدكتور بشار الأسد الذي عاش في بريطانيا سنوات من حياته، ما كان يود أن يصبح  رئيسا بمثل تلك النسبة التي أعلنها وزير الداخلية، حيث يكفي رئيس الوزراء في بريطانيا زيادة صوت نائب واحد عن أصوات خصمه.).

المواطن السوري يساوي ثلث مواطن عند انتخابات مجلس الشعب :

وفي كل أربع سنوات يدعى المواطن السوري للحضور إلى مراكز الاقتراع للاشتراك في ما يسمى بانتخاب أعضاء مجلس الشعب ،النواب، من دون أن يتعب ذهنه في التفتيش على رجل مناسب يختاره من بين المترشحين، فقد تكفلت القيادة القطرية ،أيضا، باختيار ثلثي النواب، أما الثلث الباقي فيتم اختيارهم من خلال "بازار" المساومات بين أمناء فروع حزب البعث في محافظات القطر السوري وبين "المقربين" إليهم من مستحدثي نعمة الثراء المشبوه.

وإذا قلت لهذا المواطن إن حجز ثلثي مقاعد مجلس الشعب وجعلها خارج نطاق اختياره، يجعله "ثلث مواطن" فقط، رد عليك بهدوء ورتابة، وما الفرق أن أكون ثلث مواطن أو خمس أو عشر مواطن في الانتخاب، وأعضاء مجلس الشعب أنفسهم ،المعين منهم والذي فاز في البازار، لا يستطيعون ممارسة حقهم ،الذي كفله لهم الدستور، في سن القوانين، ومساءلة الوزراء، وتعديل الدستور، إذا مست الحاجة لذلك. بل إن من تجرأ من أعضاء مجلس الشعب فاستعمل حقه هذا، حوكم وسجن. وما محاكمة النائب "رياض سيف" والنائب "مأمون الحمصي" منا ببعيد .

المواطن السوري : من يتزوج أمه يصبح عمه .

 كما أن هذا المواطن قد ترك وراء ظهره، منذ أكثر من أربعة عقود، التفكير في من يتولى شؤون الحكم من وزراء ومحافظين و ...يا لطيف .. يا لطيف .. يا لطيف.. رؤساء أجهزة المخابرات. فقد تكفلت القيادة القطرية بذلك. وفلسفته في هذا، أنه يؤثر أن يعيش في بحبوحة المثل الشعبي القائل: "من يتزوج أمنا يصبح عمنا"، خوفا من أن يتدخل في أمور، يعتقد أولو الأمر أنها لا تعنيه، لأنه لو تدخل ستكون الطامة عليه وعلى الذين "خلّفوه".

المواطن السوري همّ في الليل، وهمّ وعوز في النهار :

يحمد المواطن السوري الله ألف مرة، أن أولاده يستطيعون أن يكملوا تعليمهم حتى نيل شهادة "دار المعلمين" التي تؤهلهم كي يكونوا معلمين في المدارس الابتدائية، يتقاضون راتبا يكفي لشراء حاجة البيت من الخبز والقليل من ضروريات الحياة. أما المسكن ففي غرفة على السطح تكفيه وأولاده كل ثلاثة على فراش اسفنجي واحد، و( اللهم أدمها من نعمة واحفظها من زوال).

غير أن أكثر ما ينغص عيشه هو أن وزارة المالية أضافت لأفراد أسرته الثمانية، فردا آخر يأخذ 11% من الراتب في كل الأحوال، وهو ضريبة المجهود الحربي، التي فرضتها الحكومة عقب هزيمة حزيران 1967، ونسيتها هذه الوزارة أو تناستها، منذ ذلك التاريخ.

وبمناسبة القبول في الجامعات السورية للعام الدراسي الحالي 2004 – 2005 ، فإن النابه من أولاد المواطن السوري ربما يستطيع أن يتابع دراسته الجامعية في الفروع النظرية، مما يؤهله ليصبح مدرسا في المدارس الثانوية. أما فروع الجامعة العلمية مثل الطب والهندسة والصيدلة، فليس له أي تطلع نحوها، بعد أن أصاب علامات القبول فيها مرض "التضخم" ، الذي أصاب أسعار المواد الاستهلاكية كلها .فقد أصبحت نسب القبول فيها تتراوح من (90إلى95 )%.   كما أن المواطن ليس لديه المال كي يدفع لولده أقساط "التعليم الموازي"، الذي أدخلته وزارة التعليم العالي في صلب سياستها ماد فع نسب القبول إلى تضخم إضافي بعد أن تم اقتطاع مقاعد التعليم الموازي من مقاعد القبول المحدودة أصلا..

( وطبعا المواطن العادي لا ينظر إلى ابن جاره المنتسب إلى "شبية الثورة"، الذي قُبل في كلية الطب ومعدله أقل من 80% بعد أن أضيفت إلى معدله-للسبب الوجيه آنفا-علامات لم ينلها في الامتحان، لأنه كما قلنا آنفا، لا يريد أن يعكر هدوء حياته ورتابتها بمثل هذه التطلعات).

المواطن السوري في المهجر يساوي (سدس مواطن) وأحيانا كثيرة لا مواطن :

أما المواطن السوري في الغربة "المهجر القسري" فالهدوء والرتابة في حياته هي من نوع آخر. وثقافة الأرقام والنسب عنده لها طعم مختلف. فهو مواطن سوري موجود وغير موجود في آن واحد. فاسمه مقيّد في أدبيات أجهزة الأمن، من دون أن يدري أحد لمَ قيّد ومتى قيّد ؟ وترتب على هذا "القيد" شطب وجوده، وأحيانا وجود أولاده وربما زوجته من سجل جوازات السفر في القنصليات السورية.      

وقد لخص الأستاذ الأديب "ميشيل كيلو" معاناة مواطني الغربة السوريين في مقال قيم، نشرته له النهار البيروتية في 6 شباط الماضي تحت عنوان "مشكلة البدون في سورية"، جاء فيه:( مشكلة "بدون" الخارج، وهم مواطنون سوريون غادروا البلاد بلا سبب، أو لأسباب محددة سياسية أو اقتصادية أو جرمية،وأمضوا القسم الأكبر من أعمارهم خارجها، لكنهم حرموا حق العودة إليها، أو حق امتلاك وثائقها الرسمية كهويتها وجواز سفرها، وانقطعت، أو بالأصح قُطعت، علاقاتهم معها، إلا الأمنية منها، لأنهم موجودون ككائنات امنية فقط، فلا وجود لهم إلا بصفتهم هذه، ولا حقوق لهم ولا واجبات، مع أن بعضهم ذهب إلى المهاجِر طلبا للرزق).

 إن ما جاء بين القوسين آنفا،يصور فيه الأستاذ "كيلو" الواقع المعاش لهؤلاء المواطنين المنسيين أبلغ تصوير. ونحن بدورنا نلقي بعض الضوء على الرتابة والهدوء القسريين لهؤلاء "البدون"، من خلال بعض ما يتعرض له معظمهم في علاقاتهم بالقنصليات السورية، التي أنشئت أصلا لتيسير أمور المواطن السوري في الغربة، فتحولت إلى متاهة، يضيع فيها المواطن بعد أن تحكم مندوبو أجهزة الأمن في كل كبيرة وصغيرة. وكانت قد تنبه وزير الداخلية -من خلال ملاحظات وزراء الداخلية العرب في مؤتمراتهم السنوية- إلى الاحراجات التي تتعرض لها "سورية النظام" وما تسببه هذه الوزارة من إحراجات للمواطن في بلاد الغربة عندما يضبط وهو بدون جواز سفر، فيعترف بأن قنصليات بلده لا تمنحه جواز سفر، لا لأنه إرهابي بل لأنه من معارضي النظام. وكثيرا ما تتفهم أجهزة الأمن في بلاد الغربة وضع هذا المواطن فتتركه يمضي لحال سبيله ... وعلى هذه الخلفية أصدرت وزارة الخارجية تعميما بتاريخ 17شباط عام 2001 ، يقضي بمنح كل مغترب سوري  جواز سفر لمدة عام واحد ( أوقفت هذه المكرمة بعد شهر واحد من سريان مفعولها، كما أن الذين حصلوا على هذه "السنوية" رفض تمديدها لهم إلى ست سنوات). فإذا علمنا أن صلاحية جواز السفر ست سنوات فإن تعميم وزارة الخارجية هذا  يكون قد اختصر المواطن المغترب إلى "سدس" مواطن، أي أن المواطن السوري الذي يتحول إلى أكثر من مواطن واحد في الاستفتاءات، وفي انتخابات مجلس الشعب إلى "ثلث" مواطن، فإن وزارة الخارجية حولته إلى سدس مواطن. ويبقى هذا "المواطن السدس" -علما أن القنصليات استوفت من هؤلاء المواطنين "ضريبة الاغتراب" كاملة وليس "سدس" ضريبة- أحسن حالا من أخيه المهاجر الذي ترفض القنصليات اعتباره مواطنا سوريا بأي جزء كان، برفضها منحه جواز سفر ولو لشهر واحد ليمدد به إقامته المنتهية في بلاد الغربة.

الهموم كثيرة، والنسب وفيرة، وخير الأرقام والنسب ما قل ودل. 

* كاتب سوري مقيم في المنفى        عضو مؤسس في رابطة أدباء الشام