قانون محاسبة أميركا .. أم محاسبة من أوصل سورية إلى ما نحن فيه...

 الطاهر ابراهيم

 

نظريا هناك في سورية مجلس للشعب "برلمان", يجدد كل اربع سنوات. اما واقع الحال فان هذا البرلمان غير موجود على الصعيد الوطني والسياسي. لماذا? هذا السؤال يجيب عليه المواطن السوري بتلقائية, خصوصا اذا كان هذا المواطن ممن ادرك مجالس النواب منذ بداية عهد الاستقلال, وحتى قيام الوحدة مع مصر عام 1958 من القرن الماضي.
ولعل من لا يزال حيا من جيل "حقبة الاستقلال" ما يزال يذكر حيوية تلك المجالس وما كان يجري فيها من نقاشات ساخنة بين نواب الكتل النيابية ( حزب الشعب, الحزب الوطني, الاشتراكيين, الاسلاميين), التي ربما انتهت باشتباك بين النواب بالايدي أو بالكراسي, مما اضطر احد رؤساء تلك المجالس ان يأمر بتثبيت الكراسي على الارضية تحت قبة البرلمان ,تفاديا لما يمكن ان يحصل.
حكومات تلك الحقبة التي كان يصفها اعلام حزب البعث بانها حكومات رجعية, كان يقف فيها الوزراء امام نواب "البرلمان", يتصبب العرق من وجوههم, يكاد يرتجف احدهم كما يفعل الطالب امام استاذه, بعد ان ضبطه متلبسا في الغش في الامتحان.
ولعل الذاكرة ما تزال تحتفظ في تلافيفها, كيف وقف "حكمت الحراكي" وزير المواصلات ,امام اعضاء مجلس النواب, بعد ان وُجه اليه الاتهام بشق طريق زراعي الى قرية"الهلبة" وما جاورها من قرى في منطقة معرة النعمان, كانت "للحراكي" فيها املاك, مع ان التهمة كانت كيدية ولم تثبت عليه بشكل قطعي.
وقارن -ان شئت ايها القارئ- هذه الحادثة بما اشيع ,مؤخرا, عن ملف اتهام بالفساد يتعلق (بتعديل في اتوتستراد يمر في منطقة "التل", بلدة الاستاذ عبد الله الاحمر الامين العام المساعد لحزب البعث, كلف الخزينة نحو 400 مليون ليرة سورية, لكي يمر بالقرب من منزل واراض يملكها,وهو ما رفع سعرها اضعافا مضاعفة...انظر اخبار الشرق 20/7/2004), وزاد بالتالي في كلفة الطريق, مع ان اسم الاستاذ الاحمر اقل الاسماء تداولا في سوق مافيا الفساد في سورية.
جلسات مجالس الشعب , ومنذ اول مجلس في عام 1974 , اتسمت بكل ما يبعث على الهدوء والشاعرية, حتى لكانك في ناد من نوادي لاعبي الشطرنج. كل شيء يجري فيه بانسجام كامل, حتى لتشعر كان النواب نسخة واحدة,تم استنساخها عددا من المرات يساوي عدد اعضاء مجلس الشعب. اما عملية التصويت فتتم بايقاع موسيقي متناغم.. من يوافق?.. العدد اجماع...حتى بمن فيهم الغائبون عن الجلسة.
مرت في ذهني هذه الافكار,وانا اتابع ما يقوم به اعضاء في مجلس الشعب الحالي, نشطوا لجمع تواقيع-بلغت حتى بداية الاسبوع الثالث من تموز اكثر من 130 نائبا- على مشروع قانون سماه بعضهم "قانون محاسبة اميركا", تصوروا محاسبة اميركا دفعة واحدة!.
وعاد ذهني سريعا الى ما قبل ثلاثة شهور عندما وافق الرئيس الاميركي جورج بوش على وضع قانون "محاسبة سورية" موضع التطبيق, وكيف ان رموزا كثيرة في حزب البعث وفي الحكومة وفي اجهزة اعلام النظام, قللوا كثيرا من التأثير السلبي لهذا القانون. ثم جاءهم من ينصحهم بخطا سلوكهم هذا, لان اميركا تريد فعلا ان تضيق على النظام السوري, وانها قد تزيد من الجرعة العقابية وتنتقل بها الى التضييق السياسي الاكثر نفاذا, اذا شعرت بان العقوبات لم تكن مؤثرة.
ثم سمعنا بعدها وقرانا ان رموزا في نظام الحكم, صرحوا بان سورية تتاثر فعلا بقانون "المحاسبة". وكان القضية كلها لعبة "كشتبان". فما لم نجده تحت "كشتبان" التهوين من شان العقوبات الاميركية, قد نجده تحت "كشتبان" اظهار الجزع منها.
الشعب السوري كله مع الوقوف في وجه الابتزاز الاميركي, على ان يكون هذا الموقف موقفا مبدئيا, مبنيا على حسابات وطنية, لا على حسابات ضيقة, همها الاول الحفاظ على بقاء نظام الحكم في السلطة, ولو ترتب على ذلك التفريط بالكرامة الوطنية.
المواطن السوري له رأي اخر في الموضوع. فهو يسمي اعضاء مجلس الشعب "نواب المرسيدس". لان الدولة تسمح لمن يصبح نائبا بشراء سيارة مرسيدس معفاة من الجمارك. هذا من حيث التصنيف. اما من حيث طريقة وصولهم الى المجلس, فان اكثر من النصف تعينهم القيادة القطرية من بين البعثيين, والربع الثالث "كوتا" ممنوحة لاعضاء احزاب في الجبهة الوطنية التقدمية, واقل من الربع هم من المستقلين المرضي عنهم في دائرة صنع القرار البعثي في كل محافظة.
وعلى هذه الخلفية فان المواطن السوري يعتبر ان هؤلاء النواب غير مؤهلين لاتخاذ اي قرار يتعلق بالمصلحة الوطنية. ولذا تسمعه يتمثل بقول الشاعر:
ومكلف الاشياء ضد طباعها
متطلب في الماء جذوة نار
ويضيف قائلا: ان مجلسا للشعب تم اختياره حسب الاجندة السابقة, لم يخطط له لكي يصنع سياسات, وانما "ليبصم"على السياسة التي تريدها القيادة السياسية في سورية. ويزيد محدثك تفصيلا فيقول: كنا نرى رئيس مجلس الشعب الاسبق, "عبد القادر قدورة" كانه الخروف "المرياع" الذي يضع الراعي في عنقه "جرسا", وكل اعضاء مجلس الشعب يمشون على صوت جرس المرياع. اما ما كان اكثر من ذلك, فليس من مهمة هذا المجلس.
واذا حدثتْ احدَ النواب نفسُه ان "يتفلسف" ويذكر رئيس المجلس باللائحة الداخلية للمجلس, فان هذا الرئيس "المرياع" يهز الجرس في وجهه, اشعارا له بان "نفسه الامارة بالسوء" قد تجاوزت حدود المسموح به.
اما ان تتهم بالفساد رموزا أو مؤسسات عليا في النظام,حتى وان لم تسمهم, فانك تكون قد جئت امر ادا, وتجاوزت كل الخطوط الحمر.وعندها ستقوم قيامة من يفعل ذلك, كما حصل مع "رياض سيف"و "مامون الحمصي", (مساهما الله بكل خير) عندما خرجا عن الطريق التي رسمها الرئيس "المرياع", فالقي بهما في السجن, ومن راى العبرة بغيره فليعتبر.
يا اخوتنا يا حبايبنا النواب:
اميركا قوة جبارة غاشمة منفلتة من عقالها. من صانع سياستها بمعزل عن شعبه, فقد دخل بيت الطاعة, وليس له ان يقف في وجهها ليقول لها لا!. وويل لمن اراد ان يتمرد فقد حكم على نفسه ان يوضع ضمن محور الشر.
الذين قالوا لها لا قالوها وقد تسلحوا بشعبهم يسندهم ويقف معهم في وجه اميركا. ظهورهم محمية لا يخافون من عدو الخارج بعد ان رصوا الصف الداخلي. هذا هو الطريق, وليس هناك من طريق غيره.كما ان سياسة الترقيع -عين على اميركا وعين على كرسي الحكم- لا تجدي ولا تنفع على المدى الطويل.
يا اخوتنا يا حبايبنا النواب:
ان اميركا ليست اخطر من سوس الفساد الذي ينخر في مؤسسات الدولة, حتى اصبح اكثرها خارج الخدمة, والباقي يعمل باقل من نصف طاقته. وهي بعبع اجوف, لا يخيف الا الانظمة التي لم تأت الى الحكم من خلال الخيار الديمقراطي.
ولذا نحن نتساءل ويتساءل معنا كل المخلصين من ابناء الشعب السوري, الذين تزعمون انه انتخبكم:الا يستحق هذا الشعب ان تستشيروه في قضايا خطيرة تمس امنه وسلامته? ام ان هذا الشعب هو اخر من يعلم, ولا يحق له ان يبدي رأيه في مصيره المهدد بالخطر?.
يا اخوتنا يا حبايبنا النواب الكرام:
سورية بحاجة اليكم في ما هو اهم من قانون "محاسبة اميركا". سورية تتعرض لما هو اهم واخطر من تهديد اميركا لها, لان معاول التخريب بدات في اجتثاث ارومتها قبل اغصانها, بعد ان بقيت اربعة عقود عرضة لسياسات ارتجالية, لا ترى ابعد من انف مصلحة اكثر رموز الحكم.
المواطن السوري يسال: كيف نحاسب اميركا ونحن نستجدي رضاها? وكيف نحاسبها وما يزال عناصر من (سي, اي, اي) ينقبون -باذن رسمي سوري- في اثار قلعة حلب عن اثار "محمد عطا" القائد المزعوم لتفجيرات 11 سبتمبر?.
لعل القانون الواجب دراسته في مجلسكم الموقر, يا حبايبنا الكرام,هو قانون "محاسبة من اوصل سورية الى ما نحن فيه?".

*
كاتب سوري مقيم في المنفى عضو مؤسس في »رابطة أدباء الشام