المعركة الأخيرة

 

بقلم : عمار قربي

 

أيام الحروب الصليبية وعندما كانت القدس لا تزال ترزح تحت قبضة الصليبيين ، أحب أحد الأمراء الصليبيين أن يسبح في نهر النيل من كثرة ما سمعه عن عظمة هذا النهر وعراقة البلاد المصرية ، وربما لأنها طلعت في رأسه ، ورغم شدة المخاطر، حيث مملكة القدس الصليبية في حالة حرب دائمة مع جوارها الجغرافي ،وهي أيضا" في نزاع مستمر مع الفدائيين –الإرهابيين-  المسلمين على ثغور الإمارات الصليبية ،  رغم ذلك ، توجه هذا الأمير إلى مصر على رأس ستة وثلاثيين فارسا" ولا أعرف إن كان معهم فارسات .

 المهم أن الرجل حقق مراده ووصل إلى نهر النيل واستقبل استقبالا"حافلا" يليق بمركزه كأمير محتل للقدس ، وسبح في النيل ، ويقال انه أكل بعدها السمك على الغداء ثم قام بتسوق بعض الحاجيات و عاد إلى القدس دون أن يتعرض له أو لحاشيته أي  إنسان .

وحسب ما علمت من كتب التاريخ والمراجع أنه في تلك الزيارة الخاطفة إلى مصر لم يتحدث أي من العربان عن حق الصليبيين في القدس أو حتى عن عذابات الصليبيين عبر العصور ، رغم أن السلاطين آنذاك ركزوا على حب الشعب الصليبي لإقامة السلام في المنطقة ، واعتبروا ذلك عربونا" من كرم الضيافة التي اشتهر به العرب تجاه الغرباء فقط .

أيضا" ..يذكر التاريخ أن إحدى الحملات الصليبية على مصر كانت تتألف من أربعمائة جندي فقط مابين مشاة وفرسان ورامي اربي جي ...

و إذا بحثنا في تاريخنا المسكوت عنه ، نجد أن ما خفي كان أعظم وأدهى ، فالضياع المتناثرة قرب مدينة حلب كانت إمارات وممالك ، وكنا نسمع عن إمارة منبج ، وإمارة حارم ..أما المحافظات السورية الحالية فكانت دولا" لها سيادة وحدود ونشيد وطني وفضائيات خاصة بها ، وكل إمارة منهم كانت مشغولة بحياكة المؤامرات ضد جارتها ، حتى عبر الاستقواء بالشرط الخارجي ..فرنجة ..أتراك ..روم ..الخ....

الحاصل ..أن الأمة بعد أن بلغت هذا المبلغ من الخواء والخور ، توحدت وقاتلت وانتصرت وأعادت أمجادها الغابرة ، وشهدت حينها نهضة في مؤسسات المجتمع المدني من شعر وأدب وفن واكتشافات علمية وتأسست النقابات والأحزاب ، أما الطوائف والمذاهب فنمت وتضخمت في ظل حرية اعتقاد ، مما ساعد على إقامة الوحدة الوطنية الحقيقية ، وكانت النتيجة المباشرة استرجاع القدس بسيوف وأقلام وحناجر كل أبناء الوطن ، وعلى رأسهم مسيحيوا هذه المنطقة .

إذا قارنا الماضي بالحاضر ربما نخلص إلى خلاصات تدفع عنا الإحباط الذي يعيشه الشعب بكل فئاته ، قواعد ومسؤولين ومثقفين ، وربما خلصنا إلى ما مفاده:  

أنه إذا  توافرت النوايا الحسنة ، والعمل بصدق وإخلاص لتحقيق هذه النوايا ، وإتاحة المجالات الحيوية لممارسة الحريات الاجتماعية والفردية ، ومحاربة الفساد عبر توقف  الدولة أولا" عن الإفساد  بعيدا" عن الشعارتية ..ووو أعتقد أن النتائج ستكون أسرع مما كنا متخيلين .

 طالما أن الغالبية مؤمنة بحتمية انتصار الخير على الشر ، وطالما أننا كنا وما زلنا أصحاب حق ، فلابد وان طال الزمن من أن تعود الأمور إلى نصابها الصحيح .

 أصلا" سياق التاريخ لم يعد يتحمل هكذا عقابيل من أمثال الدول العربية التي بدت وكأنها عصية على التغيير فعلا"، وطالما أن غالبية الشعب مؤمنة بأن هذه الأمة ستبقى إلى يوم الساعة ، وسيبقى أناس جيدون صالحون يدافعون عن دين هذه الأمة رغم تكاثر الأعداء كتكاثر الذباب على القصعة ، وان المعركة الفاصلة سننتصر بها على اليهود الكفار ....

لهذا كله ، اشعر أن مشكلتنا الحالية هي التوقيت .

فبعد احتلال العراق رأيت البعض يحزن لأنه أدرك أن انتصار هذه الأمة لن يكون على مشهد من عينيه ، فهو لم يحزن بسبب الاحتلال لوصفه السيئ ، إذا" مشكلتنا أننا جميعا" وبالرغم من أنه كل منا مؤمن بطريقته ، ولأسبابه ، بحتمية انتصارنا ، إلا أن الظروف الحالية وربما اللاحقة لن تشهد إلا مزيدا" من الإحباط والذل ، وبالتالي زيادة الخسائر .

نحن مهزومون سلفا" ، و لا نستطيع أن نجاري التحديات – حتى البسيطة منها – فنحن الأضعف اقتصاديا" وعسكريا" وعلميا" ، والمعركة غير متكافئة على الإطلاق ، فالكفة راجحة منذ أمد بعيد لمصلحتهم ، وكل محاولات الرأب الجارية تهدف إلى وقف تسارعنا نحو الهاوية ، قبل أن ننهزم حضاريا" وأخلاقيا" وثقافيا" ..

إذن الأمور محسومة ..هل نستسلم ؟؟ بالطبع لا..علينا أن نعيد التقييم ، ومن ثم التفكير بكل شيء ، علينا أن نبني دولا" من جديد بعيدا" عن هذه الأشكال القروسطية القائمة على هرم كرتوني هش ، علينا أن نبني مؤسسات قوية وقادرة ، علينا أن نبني شعب حر يفكر بطريقة صحيحة وصحية ..أن نبني جيش حقيقي يدافع عن الوطن لا عن الكراسي ، يدافع عن كرامته لاعن مصالحه ، والا أصبح جيش أبو الزولف ....علينا أن نبني ديمقراطيتنا .

من الواضح أن هذا يأخذ وقتا" لا بأس به ، ومن الطبيعي أن المتربصين بنا في الداخل والخارج لن يسمحوا لنا بهذا ، و حتى إذا بدأنا العمل فلن يقف الآخرون، بل هم أصلا" يعملون ....وكل الخوف أن نصل إلى هذا اليوم الذي تتحقق فيه تلك الأحلام ، ونجد أننا فقدنا هويتنا وفقدنا أنفسنا .

فإذا" لم يبق لنا حاليا" إلا أن نحصن أنفسنا ذاتيا"، فالمعركة الأشد التي نواجهها هي المعركة الثقافية التي تهدد وجودنا كتشكيل ضمن صفحة العالم الرحب .

أين الإمبراطورية اليابانية في عالمنا الحالي ؟ صحيح أن اليابان حققت النمو الاقتصادي والنهضة العلمية ، ولكنها في طريقها إلى تحقيق ذلك خسرت جزءا" كبيرا" من تراثها وتاريخها ، فالزي الياباني أصبح فلكلورا"، والطعام الياباني أصبح يطهى للسياح ، أما اللغة اليابانية فعليها السلام نتيجة اختراق مئات الكلمات الإنكليزية لها ، وأصبح الشعب الياباني مثل البطريق الذي حاول أن يقلد مشية النورس ففشل ، وعندها فشل في العودة إلى مشيته الاولى ، فإذا كان مآل هذه الإمبراطورية المحافظة تلك النتيجة فكيف سيكون عليه وضعنا وتحدياتنا أعظم .

إن الإمبراطور الياباني الحالي لا يستطيع أن ينقل ساعي أو فراش من دائرة إلى أخرى.

. ..ربما يقول احدهم أن هذا طبيعي ضمن التطور الاجتماعي والسياسي لمفهوم السلطة والدولة في ظل الأنظمة الديمقراطية ، ولكن ما هو التفسير بكون بريطانيا ما تزال ملكية

،وما تزال ملكة بريطانية هي رأس الكنيسة الإنجيلية ، مازال قانون السير الإنجليزي يحوي على قوانين عمرها أكثر من مئة عام ، مثلا" في بداية عهد السيارات أقر قانون يحظر على السائق قيادة سيارته إلا إذا كان أمامه يسير رجل مهماز أو كشاف يؤمن له الطريق بهدف التقليل من الحوادث ، لازال هذا القانون موجود ضمن المواد القضائية الإنجليزية بغض النظر عن عدم العمل به .

لازال الحكواتي يمارس دوره في الريف البريطاني كمصدر رئيسي في نشر الأخبار -الوسيلة الوحيدة التي كان يتلقى فيها المواطن أخبار العالم منذ أكثر من مئة عام – ورغم التطور المعلوماتي والثورات الاتصالية ووجود الجوال والانترنت لازال هذا التقليد متبعا" في بريطانيا" كنوع من تراث يجب أن يحترم ، ولم نسمع عن تطوير القوانين وإلغاء الحكواتي لان هذا لا يتناسب مع متطلبات العصر .

الإسلام والثقافة الإسلامية بما تحتويه من مسلمين ومسيحيين ، كان وكانت الحصن المنيع تجاه أي اختراق ثقافي خارجي وداخلي على مر العصور ، وكان الإسلام دوما" الترياق الأخير تجاه أي خطر مهما علا شأنه ، وساهم ذلك في بقاء هذه الأمة رغم كل الجيوش والاحتلالات والديكتاتوريات التي قامت على أرضنا ، بل أزيد على ذلك وأقول انه على العكس ،كانت الثقافة الإسلامية بوتقة صهر لكل الثقافات الوافدة وكانت تستوعب كل الجديد بما فيه الآخر مما سبب لهذا الآخر اعتناق الايديولوجيا الإسلامية بشكل أو بأخر .

اعتقد أن الوضع قد تغير الآن، فالثقافات الأخرى زاد مروجوها، وهؤلاء أكثرهم من أهلنا ومن شعبنا ، ناهيك عن ازدياد المغريات وسط التكلس الذي شهدته ثقافتنا .

إن أكثر العصور انحطاطا" في تاريخ امتنا كانت تشهد على الدوام نهضة ثقافية لافتة ، فأبو تمام نشأ واشعر وسط دولة لا تملك سوى سلطة اسمية فارغة كل مؤهلاتها الدعاء لها بالمساجد ، وأبو الطيب المتنبي نشأ في عصر كان فيه كل شارع يشكل إمارة ودولة مستقلة ،

 أما الغزالي فعاش وكتب عندما كان الصليبيون يدكون القلاع العربية ، أما ابن رشد ذلك الفيلسوف الرائع فبرز بعصر الطوائف بالأندلس في وقت كانت فيه نظرية المؤامرة نبراسا" لكل مواطن – أما قصة اضطهاده ففيها أقوال شتى أصدقها أنه دخل اللعبة السياسية بهدف الوصول إلى السلطة – والأمثلة كثيرة .

لماذا لا نشهد تلك النهضة الثقافية بواقعنا المعاصر رغم أن الانحطاط قد بلغ منا النخاع ؟. ربما كان ذلك من الفروقات التي لا تخدم مشروعنا الحالي الذي نبشر به ، وربما كان هذا من ضمن التحديات الإضافية المعيقة لخروجنا من عنق الزجاجة .

ربما يقول البعض واقصد جماعة - الإسلام هو الحل - ، إن ابتعاد الناس عن الدين كان سبب ضعف تأثير ذلك السد المنيع تجاه الغزو الثقافي ...ربما ...ولكن ظهور جماعات متطرفة تحتكر الدين لنفسها ، وظهور جماعات كثيرة تفسر الدين على كيفيتها وعلى هواها،

 ناهيك عن اعتناق مبدأ التكفير الرائج حاليا" ..ربما كان سببا" مباشرا"في دق الأسافين بذلك الحصن ، وربما كان السبب غير مباشر في انعزال وتخفي البعض أوتبرؤهم من الثقافة الإسلامية .

صحيح أن مشايخ السلطان كان لهم الدور الرئيسي  في مصادرة الفهم والتفسير للإسلام عبر كل تاريخنا ، وصحيح أن التطرف كان موجودا" بين ظهرانينا منذ أمد بعيد ، ولكن في الطرف المضاد كان هناك الكثير من الوعاظ الأحرار،رغم قمع السلطة ،ولهذا كنا نجد أكثر من خمسين فرقة ومذهب إسلامي يتصارعون فكريا" بنفس الوقت ..معتزلة ، أشاعرة ، أهل السنة والجماعة ، الإثني عشرية ، الاسماعلية ، أهل الكلام ، الجبريين ، القدريين ، المصوبة ، المخطئة ...الخ...

 رغم كل القمع إلا أن ساحة الحوار وفسحات الجوامع كانت الفيصل في انتصار هذا الفصيل أو تلك الفكرة ، وكان النقاش والمناظرات هو الذي يحسم المسائل العالقة أكثر من حسم صاحب الشرطة ، حتى أن " ابن حنبل " الذي ناهض مشروع السلطة ، ولم يكتفي بذلك بل قدم مشروعا" بديلا" مناقضا" وقام بالدعوة إليه ،ودعا إلى تغيير الدستور بالقوة فعلا" عبر حشد المناصرين له ودعوتهم إلى المقاومة بالعمل ،  ورغم أنه دعا إلى العصيان المدني ..ووو رغم كل هذا كان عقابه السجن بعد أن فرضت عليه الإقامة الجبرية ( بقصره ) ، وكانت النتيجة الأخيرة انتصار مشروع ابن حنبل .

لقد ذكرت مثالي ابن حنبل وابن رشد باعتبارهما المثلين المضروبين دائما" لإثبات قمعية السلطة آنذاك والبرهان على أحادية ذهنية الدولة في وقتها ، ومع هذا نجد أنهم تلقوا معاملة أحسن نسبيا" من معاملة أي مواطن قد ينتقد الأنظمة الحالية مجرد انتقاد ولو في أحلامه .

ما أريد أن أقوله .. أن العمل السياسي والديني عبر التاريخ كانت تحكمه مقدسات تحترم من الجميع ، صحيح كنا نشاهد السلخ والسحل ولكن في السياق العام كانت هناك مقدسات لا يجرأ احد على تجاوز عتباتها ، وكان هناك على الدوام رأي عام للرعية يعمل حسابه بدقة .

أما الآن فلا مقدسات ولا هم يحزنون ، فالسلطات العربية وبمساعدة من أجهزتها البوليسية المتضخمة تستطيع فعل أي شيء دون وجل ،ودون أن تعمل حسابا" لأي شيء طالما بقي هذا الشيء يخص شعبها .وبعد أن تعود الشعب على ذلك واستكان عليه لم يعد يتأثر حتى في انتهاك مقدساته التاريخية والثقافية ، وما تدنيس شارون للمسجد الأقصى – أولى القبلتين وثاني الحرمين – إلا فصل سخيف من مسرحية اشد سخرية .

على المثقفين والمتنورين حمل كبير ، فهم الأمل الوحيد و الرجاء الأخير من اجل نهضة هذه الأمة المهلهلة ،وهم الطلقة الأخيرة لشعب  محطم .

إن حراكا" ثقافيا" يقوده المثقفون يحيلنا إلى حراك اجتماعي قادر على فرز مؤسسات تحقق له المجتمع المدني المنشود ، وقادر على فرض إرادته على السلطات المستبدة بهدف تحقيق الانفتاح على الآخر والوصول إلى الديمقراطية كنظام يشعر الجميع انه ممثل فيه ، وعندها ستوجد الأحزاب والنقابات والجمعيات ويأخذ المجتمع الأهلي دوره في الحياة الاجتماعية والسياسية ، كل هذا سيساهم ولا شك في مواجهة الغزو الثقافي وسيساعد في تقصير مدة الوصول إلى الجاهزية المثلى لمقاومة المشروع الصهيوني على الصعيد العسكري والاقتصادي ، وربما كان ذلك سببا" مباشرا" في تحرك الجاليات العربية والإسلامية في الغرب - وما أكثرها - لتأخذ دورها الحقيقي في تشكيل مجموعات ضغط " لوبيات" عربية و تأسيس أحزاب تدافع عن مصالح الوطن الأم ، بعد أن كانت تخجل من الانتماء إلى هذا الوطن نتيجة الممارسات الديكتاتورية و اللاأخلاقية التي تعج بها بلداننا .

 

4-10-2003

د. عمار قربي . سياسي سوري –حلب-