نشرت في جريدة السفير يوم الثلاثاء 12 / 11/ 2002 وسمح بدخولها لسورية

 

التطوير والتحديث في سورية: بين الرغبة والقدرة

حدد الرئيس بشار الأسد الإطار العام لبرنامجه في خطاب القسم حيث ضمنه رؤاه السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وغيرها، انطلاقاً من نظرة واقعية وشاملة لواقع الحال في سورية والمنطقة واستشفافاً لآفاق التطوير والتحديث، بما تسمح به المناسبة وما تقتضيه التقاليد من أن يعلن الرئيس على شعبه برنامجه في بداية ولايته 0 وقد استبشر الناس خيراً وأدركوا أنهم على أعتاب مرحلة تطور جديدة، تعزز الإيجابيات وتعالج السلبيات، وعلى أبواب اعتماد معايير حديثة على رأسها المصارحة والشفافية وسيادة القانون وتحقيق تكافؤ الفرص، في إطار استمرارية الثوابت القومية والوطنية والاجتماعية، واستيعاب شروط التطور والنهوض بالمجتمع ،واحترام آراء الناس وإتاحة الفرصة لهم لمناقشة قضاياهم والتحاور في ظروف الحاضر ومتطلبات المستقبل. ومنذ ذلك الوقت أصبحت عبارتا التطوير والتحديث لازمة على لسان السياسيين والكتاب والصحفيين ووسائل الإعلام الرسمية وشبه الرسمية فضلاً عن حزب البعث وأحزاب الجبهة، دون أن تقول أي من هذه الجهات للمواطنين والمتلقين عامة ما هي مضامين التطوير والتحديث المنادى بهما وأهدافهما ومنهجيتهما وبرامجهما التنفيذية ووسائل تحقيقها في حيز الواقع، ولم يتجاوز الأمر ـ حتى الآن ـ تكرار هاتين الكلمتين في كل مناسبة وبدون مناسبة.

من البديهي أن التطوير والتحديث لايعنيان الانطلاق من العدم، أو أن الدولة والمجتمع موضوع التحديث هما ركام ينبغي بناؤه من جديد، أو أنهما قطعٌ مع الماضي واستهانة بالاستمرارية، وإنما هما ضرورة تقتضيها ظروف التطور واحتياجاته ومعطياته، فالمجتمع بحاجة للتطور المستمر والتنمية المستدامة في إطار فهم المستجدات المحلية والإقليمية والدولية واستيعابها والتعامل معها بأفضل الوسائل والأساليب، بهدف معالجة الصعوبات القائمة والطارئة والمحتملة، وسواء كان هذا المجتمع متقدماً أم متخلفاً فهو بحاجة دائمة للتطوير والتحديث، لإنجاح تنميته ورفع مستوى حياة الناس وتحقيق العيش الكريم والأمن والآمان للمجتمع، وتخليص البلاد من الركود باسم التمسك بالثوابت وتجاهل التحولات وشروطها ومقتضياتها الحتمية، بحيث يبقى التطوير والتحديث متصاعدان. وفي الوقت نفسه لم تعد معايير التطوير والتحديث وشروطهما ألغازاً أو مبهماً أو أهواء، وإنما هي استراتيجية ومنهجية أصبحت معروفة للقاصي والداني تكاد تكون قانوناً في إطارها العام وأسسها الرئيسة ومعاييرها الدقيقة، مع احترام الخصوصيات والتفصيلات هنا وهناك، في هذا المجتمع أو ذاك، التي تفرضها ظروف كل مجتمع، وفي الحالات كلها تكاد معايير تطوير الدولة وتحديثها تكون معادلة رياضية أو قانوناً رياضياً .

إن الاستمرار بتطوير الدولة لتبقى دولة حديثة متجددة قادرة على العيش في عالمنا المعاصر، يقتضي الانطلاق من مباديء أساسية ومسلمات أهمها : احترام الدستور والقانون، وفصل السلطات ( استقلال القضاء ، وممارسة السلطة التشريعية صلاحياتها الدستورية بلا حدود وبحرية ومسؤولية )،وفك التداخل بين الحكومة والدولة، واحترام حرية الرأي والتعبير والاعتراف بحق المواطنين في مناقشة قضاياهم وعقد الحوار بينهم عن طريق مؤسساتهم التشريعية والأهلية، وانتخاب ممثليهم بحرية، وإتاحة الفرصة لوسائل الإعلام والاتصال والمؤسسات الشعبية (ومؤسسات الرقابة الرسمية) لمراقبة نشاطات الحكومة ( والإدارة)ونقد سياساتها وأدائها، وتطبيق القانون على الجميع واحترام سيادته، وتحقيق تكافؤ الفرص بين المواطنين، وجعل حق المواطنة هو المعيار الأساس الذي يتسلح به الناس جميعاً والقول الفصل في تحديد الحقوق والواجبات وممارستها.

نلاحظ من خلال هذه المعايير ـ إن قبلنا بها ـ أن عملية التطوير والتحديث ذات أبعاد وجوانب متداخلة، تنطلق جميعها من مفهوم واضح لمهمة الدولة ووظائفها وعلاقتها بمواطنيها وحقوقهم وحقوقها وواجباتهم وواجباتها، كما تنطلق من مرجعية إيديولوجية وسياسية يحددها الدستور عادة، وعلى ذلك فإن سياسة الإصلاح والتطوير والتحديث (أو استمرار هذه السياسة) لا تستقيم بتجزئة جوانب الإصلاح وترتيبها على التوالي، فلا إصلاح بدون تحديد المرجعية والأهداف والمفاهيم والمناهج والبرامج، وربما يتعذر الإصلاح دون مثل هذه الرؤية الشاملة لواقع الدولة والمجتمع وآفاق تطورهما المقبل.

نعود لواقع الحال في سورية، حيث يوجد ـ شأن كل البلدان ـ دولة وحكومة لكل منهما وظائفها ومؤسساتها، فالدولة لجميع مواطنيها، وفي مثل النظام السياسي السوري تمثلها رئاسة الدولة، والحكومة للأكثرية، إلا أن ظروف التطور والأحداث التي مرت على سورية خلال أربعة عقود بل ربما منذ الاستقلال (ولا نريد الآن أن نفسر الماضي بمفاهيم الحاضر ومقاييسه) اقتضت أو ساهمت في تداخل مهمات الدولة والحكومة، وتحولت الجهتان إلى جهة واحدة هي السلطة التي اختلطت في إطارها المهمات والمؤسسات وأساليب العمل ومنهجياته، مما أدى إلى أن تستولي مؤسسات على مقادير أمور ليست لها وتمارس مهمات غير مهماتها، حتى كادت بعض المؤسسات (بدءاً من الحكومة مروراً بالإدارة ومؤسسات القطاع العام فضلاً عن المؤسسات الأمنية وغيرها) أن تتحول إلى سلطة بذاتها ولذاتها، تمتلك صلاحيات الدولة والحكومةمعاً، ونشأت مراكز قوى (رئيسية أو ثانوية) وزادت بعض الأحداث وظروف التطور في تعميق هذا التوجه، سواء لمواجهة أخطار هددت البلاد أو النظام السياسي أم لأن هذه الجهات وجدتها فرصة لتزيد قوتها وهيمنتها تحت مبررات مواجهة الأخطار والدفاع عن الوطن، وهكذا تولت الحكومة مهمات غير مهماتها (فغدت الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش والجهاز المركزي للرقابة المالية اللتان من مهماتهما مراقبة الإدارة تابعتين للحكومة بدلاً من تبعيتهما للدولة، وتولى وزير العدل رئاسة مجلس القضاء الأعلى أي اتبعت السلطة القضائية للسلطة التنفيذية، وأصبحت الصحافة ووسائل الإعلام تابعة كلياً ومطلقاً لوزارة الإعلام وبالتالي تخلت هذه الوسائل بحكم الواقع عن دورها الرقابي أو تعذر قيامها به) وبسبب هذا التداخل بين صلاحيات الدولة والحكومة وتحولهما إلى سلطة، صار مجلس الشعب يماليء الحكومة (من خلال لزوم ممالأته للدولة) وفعل مثله حزب البعث العربي الاشتراكي وأحزاب الجبهة، ووصل الحال إلى مرحلة يعتبر فيها أي نقد لمؤسسة أو إدارة نقداً للدولة نفسها أو للنظام السياسي والأمر في الواقع ليس كذلك،في الوقت الذي ضعفت فيه المؤسسات الأهلية ورقابة المنظمات الشعبية والمهنية، وللأسباب نفسها كاد حزب البعث أن يبتعد عن أداء مهماته الأساسية في  وضع الخطط ومراقبة تنفيذها وتقويمها ليشغل نفسه وأعضاءه (الذين يشكلون خمس القوة العاملة السورية) في مهمات إجرائية يومية وأن يغوص في تفاصيل أعمال الإدارة ومشاغل الناس اليومية، مما أفسح المجال للبعض للسعي وراء الامتيازات والاستسلام للأهواء، وأدى إلى خلل في أداء الحزب لمهماته الأساسية ،ولم تعد السياسات والاستراتيجيات والخطط والبرامج تشغل الحزب في أحيان كثيرة كما تشغله التعيينات والترقيات والأمور  المطلبيةاليومية0  

أدى مجمل هذه الظروف إلى تفشي الفساد في عديد من جوانب المجتمع والحياة والإدارة، وإلى تمرد بعض الأقوياء أو الواصلين أو المحميين على كل قانون وعرف، حتى أصبح الفساد ظاهرة ذات أثر عميق في الحياة والمفاهيم السياسية والاقتصادية والإدارية والثقافية وسلم القيم نفسه، وجائحة من الصعب الوقوف بوجهها، لأنها دخلت في آلية عمل الدولة وحياة الناس، ولم يعد هذا الفساد فساد أفراد كثر عددهم أم قل- يمكن تنحيتهم أو معاقبتهم - بل صار جزءاً من الحياة والاقتصاد تحتاج محاربته لاستراتيجية بعيدة المدى، وخطط وصبر وجهد ومشاركة من كل فئات المجتمع ومؤسساته، ومواجهة وطنية شاملة، مع التحلي بمستوى عال من المسؤولية للتخلص منه أو تحجيمه.

 قدر الناس الصعوبات التي تواجه التطوير والتحديث، ولم يصبهم اليأس بعد بسبب  التلكؤ في تحقيق إنجازات عميقة  تتيح الوصول لتطوير وتحديث شاملين، كما لم يحبطهم ما يلمسونه من العراقيل التي تضعها مؤسسات وجهات عديدة   أمام تنفيذ هذه الأهداف، ويلاحظون أن بعض الجهات زادت غلواً في ممارساتها، وكأن هناك تيار ينادي بالتطوير والتحديث والإصلاح على أن تبقى امتيازاته ومصالحه وآلية عمله  على حالها، ويحاول –هذا التيار- إقناع الناس بإصلاح على مقاسه  ومقاس مصالحه وربما يخيفهم  من التحديث تحت شتى المبررات.كما يحاول إغراق مشاريع التطوير بقضايا ثانوية مع تجاهل أساسيات بناء الدولة الحديثة، التي تساعد سورية على مواجهة الصعوبات الداخلية، والوضع الإقليمي المتردي، والظروف الدولية الخطرة، وخاصة المشاريع الأمريكية والصهيونية التي تعد للمنطقة، والتي تقع سورية في المراحل الأولى من سلم أولوياتها.

الخشية أن يدب اليأس والإحباط في نفوس الناس، ويتغلب أعداء التحديث بذلك على أنصاره.

حسين العودات