تحوّلات مفهوم الدولة وممارستها على ضوء الديموقراطية

«اقتل...ولكن ليكن قتلك جميلاً»!

د. عماد فوزي شُعيبي

 

في لقاء تلفزيوني جمعني، قبل نحو أربع سنوات، على قناة مشاكسة، مع أحد دُعاة حقوق الإنسان ، كان كلانا يتحدث بلغة لا يفهمها الآخر ؛ فبينما كنت أصر على ترسيخ مفهوم الدولة في مواجهة ضبابية الحرية المخلوطة بالديموقراطية غير الموصفة تاريخياً، كان الطرف الآخر يصر على مفهوم الحريات.

بعد هذا اللقاء قال لي أحد الأصدقاء لقد ذهبت المذهب الصعب؛ إذ أن أحداً لا يستطيع أن يُدافع عن فكرة الدولة في وقت ينزع فيه الناس نحو الحريات ويضغط العالم من أجل ديموقراطيات تعمم هوية الضاغط تعميماً عولمياً.

ولأننا نعتبر أن وظيفة رجل الدولة (وليس رجل السياسة) كما وظيفة الأكاديمي أن يُفكر بعقل بارد لا يتأثر كثيراً بالحراك الآني ولا يسيل لعابه لخلط المفاهيم تحت عناوين فضفاضة تخلط بين الديموقراطية كحراك تاريخي لا يتشكل خارج سياق اقتصادي مُعين ، بين الحريات العامة ، فإننا نعاود الحديث مرة أخرى عن الدولة، لا عبادة لها، ولكن تأصيلاً .على أن نؤكد أننا مع الحريات العامة ، وهي ليست الديموقراطية لمن يفهم الأمور في عمقها، وهذا أيضاً ليس موقفاً من الديموقراطية لكنه تعميق لفهمها لمن يأخذه الفرح الطفلي !.

سيكون البحث في الدولة في إطار المفاضلة بينها وبين الديموقراطية في نظام عالمي لم يتبلور بعد، والسبب أن الدولة بحد ذاتها كانت تعميماً عولمياً لصورة الغرب بعد الحرب العالمية الثانية، والديموقراطية تبدو تعميماً عولمياً أيضاً لصورة ذلك الغرب بعد سقوط الاتحاد السوفياتي وهبوب رياخ فوبيا الإرهاب في الولايات المتحدة الأمريكية.

إذا كان هيغل قد ارتأى الدولة تجسيداً للمطلق في سيرورته تحققاً،و إذا كان ماركس قد انتهى إلى الدولة لا ريب راحلة لأنها رمز الشر المطلق إذ تمثل انعكاساً لواقع طبقي غير إنساني،فإنه من المؤكد أن هيغل قد أصاب أكثر،وإن ماركس قد جانب الحقيقة التاريخية التي هي (الدولة) كقاسم مشترك أعظم.ومهما كان  حجم الاعتراض على مثالية هيغل لدى البعض،فإن ماركس بتخيّله إلغاء الدولة قد كان أكثر مثالية،ذلك أن الدولة قد أثبتت أنها الباقي الأمثل،وإن إقامة (مشروع) للنظام الشيوعي لم يأتِ إلا على حاملة الدولة.وأي دولة؟!. أنها الدولة التوتاليتارية(الشمولية)،أي النموذج الأبشع من الدولة الثيوقراطية والارستقراطية،بل وحتى البونبارتية التي نقدها المشروع الماركسي.فقد حلّت اللعنة النظرية في ثنايا مشروع الدولة،فلم تُلغَ الدولة،بل تحولت إلى كابوس حقيقي أقام الدنيا فوق الإنسان الموجود بحجة التمهيد للإنسان القادم.والقضية بأكملها قد كانت -بحق- قضية السلطة.إذ أن مفاعيل السلطة قد إنحلّت في الدولة،فإذا بالنظرية تستحيل إلى خادم مطواع متكيف لصالح الدولة،بدلاً من أن تكون الدولة مرحلة انتقالية لصالح حالة قادمة هي اللا دولة،و إذا بانحلال النظرية في الدولة يستحيل بالدولة من النموذج الأوروبي المولود بشكل شرعي،و الحاصل على كافة مّورثات الدولة التاريخية،وعلى كل الصفات التي يجنيها كائن تحققت فيه عملية الاصطفاء النوعي المزعومة، إلى غيره.حيث انجلت الدولة الغربية بأفضل سماتها التاريخية مبتعدة قدر الإمكان عن الواجهة المباشرة في المثالب لتسعى-ولو بشكل صوري- إلى إقامة نظام الدولة الحديثة؛أي الدولة الذكية التي تقود المجتمع فتقدم له وتأخذ منه وتكون بيدها دائماً أساليب ضبطه.

أما الدولة الاشتراكية المولودة بعملية قيصرية،والتي تعاملت مع النظام الغربي بطريقة التمايز التي يعرفها ممارسو سياسة (الُخلف) والمعاكسة لمجرد التمايز،فإنها وبسبب الحامل الأيديولوجي (الفخ) قد استحالت إلى دولة من النموذج غير الذكي؛إذ أنها قد فقدت كل موّرثات الدولة الأوروبية بحجة التمايز الايديولوجي والطبقي،كما أنهّا فقدت آلية عمل الدولة في أفضل حالاتها المتقدمة،فبدلاً من أن تُنهي الدولة،فإنها قد أقامتها،بل وقامت على أساسها،و بدلاً من أن تتقدم بالدولة إلى الأمام فإنها قد ارتكست بها إلى الخلف.

إذا كانت الدولة المتطورة هي القاسم المشترك الأعظم بين الناس،فإن الدولة (المسخ) قد تحولت إلى كابوس حقيقي بين الناس وفوقهم.و إذا كانت الطبيعة التاريخية للدولة أنها ضابط التنوع والأمزجة المختلفة والمتضاربة،فإن هذه الطبيعة قد تطورت إلى حد كبير من النموذج القديم القائم على الإكراه(force) واحتكار العنف،إلى تجّسيد لهذا التطور في نموذج الضبط (CONTROL) القائم على الذكاء التقني والمدروس بحيث تتراجع عملية الإكراه مع بقاء مؤسساتها جاهزة دائماً،و تتنامى مؤسسات الضبط النفسي والإيقاعي عبر العمل ووسائل الترفيه وعبر تفاعل مؤسسة الإكراه بسلطة مؤسسة الضبط..

نقول إذا كانت هذه هي السيرورة التاريخية للدولة الذكية في الغرب،فإن قطار الاشتراكية الوليدة قد توقف في محطة (الإكراه) (FORCE) والعنف فأقام الضبط،لكنه لم يقعده،وسرعان ما طور الدولة الإكراهية،لا نحو تقليل العنف،و المزيد من الضبط المؤسسي «الراقي» إنما نحو مزيد من الإكراه الصارخ،والحرية المنتزعة،فخسر الدولة والمجتمع فيما ربح النظام المناوئ؛ الغربي-الرأسمالي الدولة والمجتمع معاً.

فالنظام العالمي الجديد،وببساطة،في أحد أوجهه نظام لتوحيد الهوية السياسية.إنه نظام الدولة أولاً،و الدولة الذكية الضابطة واللا إكراهية ثانياً.و نظام التعددية السياسية تحت لواء الدولة بمحدداتها الاستراتيجية و براغماتيتها المصلحية المحدَّدة ثالثاً. ولكن الأمريكيين يريدون الإيحاء اليوم أنه نظام الديموقراطية، وبفهمه السذج أنه كذلك  بما ينقض على الدولة وهذا محض سذاجة .

و نقول ببساطة أنه نظام لتجاوز الدولة في أبلغ مراحلها المتقدمة ضبطاً بواجهةً ديمقراطية.فلقد أدرك القائمون على نظام الدولة الحديث والمعاصر ان ذروة تقدم الدولة إنما يكون في إقامة نظام الحريات،حيث أنه بقدر ما يغدو خطيراً إفلات الحريات بقدر ما تبدو عملية إطلاق الحريات ضرباً من تمييع لآلية التراكم السلبي.و بالتالي فمع الحرية تكون الحرية واللا حرية بآن!. وقد طوّر جهاز الدولة إطلاق الحريات،خاصة بعد تجربة عام 1964 في جامعة بيركلي في كاليفورنيا،وتعميم موجة الرفض في كولومبيا وألمانيا وفرنسا وايطاليا واليابان في عام 1968،حيث تبين أن نظام الضبط المعمم بشكل مفضوح وإكراهي متخلّف وخطير.ولهذا،فبقدر ما تتبنى الدولة نظام الحريات فإنها ولا ريب تتحول إلى الحَكَم،بعد أن كانت تاريخياً خصماً‍!. هكذا تبنت الدولة الغربية نداءات الحريات،من (ثيودور روزاك) إلى (ويلهلم رايش) و(هربرت ماركيوز) و(ايريك فروم)؛بل و تبنت سياسات تربوية على طريقة دكتور (سبوك)،و لكنها أقامتها على طريقها!.فأخذت من كل هذه التيارات ما تشاء موظّفة إياه لمصلحتها،فكانت النتيجة ضبطاً محبباً و ربما ضربٌ من قتل للإنسان ولكن على طريقة آل ماديتشي في ايطاليا-عصر النهضة: «اقتل ولكن ليكن قتلك جميلاً»!. فقد استطاعت الدولة الغربية الناشئة والمعاصرةالآن، أن تكون الحقيقة التي يتمنى كل مواطن أن تجتذبها دولته؛إذ أنها أكثر أنواع الدول ذكاء ودهاء،وأكثرها ضبطاً للخصومة،رغم أنها تأخذ من المواطن مالا تأخذه أيّة دولة أخرى.

وقلنا أن المسألة تنعقد في متطلبات الدولة قبل الولوج إلى الديموقراطية :

1-تعددية أقطاب السلطة:

من المؤكد أن نظرية فرويد حول علم النفس الجمعي والميل القطيعي للجماعات والحاجة إلى قائد،فضلاً عن نظرية دور كهايم حول الكاريزما التي تحمل الهم الجماعي وتُمَركَزْ القرار بقصد تحقيق الهدف الجماعي...من المؤكد أن هاتين النظريتين بالإضافة إلى غيرهما إنما كانتا ترصدان واقع السلطة بعمق حقيقي خلال الفترة التاريخية المنصرمة. و ربما قد ناقشتا المسألة من زاوية فطرية،أو انعكاساً لواقع السلطة ذاتها في بنيتها الخاصة،كما تمخضت عنها التجربة التاريخية للسلطة،ولهذا فإن كل قول بإلغاء السلطة،أو الدولة،أو المركزية (بالمعنى الواسع للكلمة)... إنما يكاد أن يكون ضرباً من مبالغة تصوّرية،أو طموحاً طوباوياً إسقطاً لرغبة وانعكاساً عن سذاجة سياسية ،فطبيعة سيرورة الأنظمة السياسية والاجتماعية قد أكدت أن الدولة هي الناظم الأساسي للتشكيل الاجتماعي والاقتصادي.وهذه الدولة ستؤول في النظام العالمي الجديد بعد أن يكشف عن صورته المتبلورة ، إلى دولة متعددة الأقطاب.

وتعددية الأقطاب تستند في الوقت ذاته إلى ضرورة تعددية المؤسسات الناجمة عن تعددية المهام الناجمة بدورها عن التقسيم المتزايد للعمل بين قطاعات المجتمع المختلفة، حيث تتزايد أولوية هذا التقسيم في دولة أساسها التقنية المتنامية.

والتعددية هنا هي من النوع الجديد؛أي تعددية الهدف الواحد الموكل لمؤسسة واحدة متخصصة  لإنجاز مهمة اجتماعية بعينها،وهي تعددية في البنية الاجتماعية قبل أن تنعكس إلى المستوى السياسي.

وهنالك فرق بين المؤسسات التعددية التي عرفُت في النظام العالمي المنصرم والتي تعتمد على مؤسسات ذات بعد شخصاني وبين مؤسسات النظام العالمي الجديد والمقبل، حيث تعتمد الأخيرة على مؤسسات كبرى غير شخصانية،وحيث الدولة هي المرجع الأساسي وهي عقدة الوصل بين فئات متعددة وقطاعات مختلفة.

وإذا كانت التعددية قد عرفت في بعض أنظمة الدولة عبر التاريخ بأشكال مختلفة،فإنها كانت في أغلب الأحيان تعددية مُقادة بمركز شخصاني،أو ربما تعددية قائمة بقيادة  السلطة والإكراه (FORCE). أما التعددية المقترحة لدولة النظام العالمي الجديد فهي تعددية «المهمة أو الوظيفة».

أما الحكومات فستكون التعبير الأمثل عن المؤسسات المهيمنة على الحياة الإنتاجية والخدماتية والأنشطة والموارد... وهي لن تكون سلطة فوقية باطشة أو مهيمنة،لكنها ستكون وسيطاً وحكماً ومرجعاً لكل قطاعات المجتمع توزع المهام والتخصصات وتراقب وترصد وتتابع و تراعي استقلالية المؤسسات.أو هكذا يُؤمل!.

و التعددية المقبولة في النظام الدولي الجديد، هي تعددية من النوع التنافسي ولكن غير التناقضي. فلن يكون مسموحاً أن يتحول التنافس إلى تناقض صارخ يهدد اللحمة الداخلية. لأن هذا التنافس سيكون موجهاً نحو المستقبل.

2- استقرار النظم السياسية:

انطلاقاً مما سبق يمكننا القول ان النظم السياسية في النظام العالمي الجديد ستكون أكثر استقراراً بمعنى إعادة هيكلة النظم لتتلاءم مع التوجّهات الجديدة لهذا النظام الجديد.والأمثلة كثيرة بدءاً من تاهيتي إلى الكونغو/زائير. وإذا كان الأمريكيون يتحدثون عن تغيير في الأنظمة السياسية فإنهم يبالغون في إعادة الهيكلة وصولاً إلى توهم إمكانية تغييرها.

بمعنى أن التحولات الدراماتيكية الانقلابي  غير المضبوطة فيها ستكون ممنوعة، لأن هذا سيوثر بدوره على عنصر الاستقرار ومقدار نجاح هذا الأمر سيعود بالدرجة الأولى إلى مقدار النجاح في تعميم الهوية السياسية العالمية في أنظمة ومؤسسات الديمقراطية من ناحية، وتطوير وتوسيع أنظمة الضبط الذكية والأرقى باستمرار و بالابتعاد عن نماذج الإكراه (FORCE) المرزولة تاريخياً من ناحية أخرى.

و من الممكن القول أن زمن الثورات قد ولّى بهذا المعنى الموسع الدراماتيكي. بل ان التغيير قد يكون حكراً على نظام الدولة، وليس من الخارج كما يُطرح . لأنه من المفهوم أن أي نظام إنما يحتوي على جانب كبير من (العطالة) أي أنه يميل عموماً إلى (التسكين) وإلى ممانعة التغيير.لكن نظاماً سياسياً كالذي ينزع إليه النظام العالمي الجديد،فيطالب به الأوروبيون  ويبلغ به الأمريكيون سيكون بالضبط نظاماً محافظاً من ناحية وثورياً على المستوى الإداري من ناحية أخرى؛إنه محافظ بقدر ما يقيم ثوابت للاستقرار،و ثوري بقدر ما يسمح بتطوير مستمر وفق حاجات كل مرحلة،وثوريته ضرب من التطور ومواكبة ومطابقة حاجات العصر،وهذا هو أقصى ما يمكن أن يُسمح به في استعمال مفهوم (الثورة).حيث ثوابت الاستقرار تستدعي قيام دولة بالمعنى المؤسسيّ من ناحيةٍ،و تحريك ما يسمى «الحِراك الاجتماعي والسياسي» باتجاهات تثميرية بدلاً من تمييعه وحجبه عن الفعل الحقيقي.وقد يكون النظام السياسي المطلوب على الصعيد الدولي يتجسد في تعميم الهوية السياسية الديمقراطية، ولكن بحذر لأن هنالك فهماً أوروبياً أن هذا التعميم سيؤدي إلى قيامة نظم سياسية أكثر تشدداً وتطرفاً ولا عقلانية من تلك التي عُرفت في الخمسينيات ومطلع الستينيات، وهو تحليل لم يصل بعمق إلى التيار الحاكم اليوم في الولايات المتحدة الأمريكية ،لكن تجربتهم في العراق ستعلّمهم بالتأكيد.

ولكن  علينا أن نفهم دائماً  أن الديمقراطية، بطبيعة الأحوال، لن تكون واحدة في مستوى التعامل المحلي معها،و بالأحرى ستكون هنالك ديمقراطيات.لكن الرائز العام لإقامة الثوابت التي تدعو للاستقرار لن يكون مجرد شكل عام،بل إن إطلاق الحِراك السياسي والاجتماعي سيكون شرطاً ضرورياً، مهما تدنت مستويات تعميم الهوية السياسية الديمقراطية العالمية،إذا أن هذا الإطلاق سيكون الحدّ الأدنى في إطار الهوية المعّممة للديمقراطية في النظام العالمي الجديد.

إن استقرار النظام السياسي أو النظم السياسية العالمية سيرتقي بالنظم السياسية من نموذج الدولة الذي تبلور في نهاية الحرب العالمية الثانية إلى نموذج (الدول - الكتل)الحالي. إذ أن النظام العالمي الجديد يميل كما قلنا للتعامل مع الكتل لما هذه الكتل من أهمية كبرى في إرساء نظم مستقرة.فالنظم السياسية الكتلية تكون صعبة الاختراق بالاهتزازات السياسية الصغيرة،كما أنّها لا تحتاج إلى قبضة محكمة تسليطية للإبقاء عليها في نموذج مستقر،الأمر الذي سيسهل قيام ديمقراطيات تعمم الهوية السياسية العالمية،والتخلي بالتالي عن الإكراه لصالح الضبط.

 

 

 

د. عماد فوزي شُعيبي

ishueibi@scs-net.org