حديث عن السلبيات

 

د: عماد قربي

 

       إن المتتبع لمسار الحركة السياسية في المجتمع السوري يستطيع أن يضع العين والفكر واليد بوضوح على ظاهرة هامة ، وأعني بها ظاهرة تفجر الحديث والنقاش على أوسع نطاق سواء" ، من القيادات والقواعد ،على الصعيد الحكومي وحزب البعث ، أو على صعيد المثقفين وبقية المواطنين عن " سلبيات " المرحلة وأسبابها وكيفية علاجها بعد أن كانت "الإيجابيات " تستأثر بكل الحديث والاهتمام والنقاش في الماضي .

        ولا أريد هنا أن أستطرد في عرض الأمثلة التي تكوّن هذه الظاهرة في "الحديث المتزايد عن السلبيات ، فيكفي أن ننزل إلى الشارع حتى نحس بمدى عمق حركة التشخيص والنقد للسلبيات واتساعها ، فهي لا تعفي مجالا أو أحدا : القطاع العام ..الجبهة الوطنية ..حزب البعث ..أجهزة الدولة المختلفة ..الوزارات ..الإعلام ..الثقافة الخ..- طبعا -

مستغلين السقف الذي وضعه الدكتور بشار الأسد بتركيزه على الفساد والانحراف في أجهزة الدولة المختلفة .

       والواقع إن ظاهرة الحديث الشعبي عن السلبيات ظاهرة صحية تماماً في مجتمعنا ، لأنها تعني أن بذور الديمقراطية قد بلغت من العمق والنضج درجة تستطيع معها اليوم       – ذاتياً – أن تعري بأيديها دون مواربة أو خجل كل السلبيات . ومما ساعد في ذلك التقدم الهائل في تكنولوجيا نقل المعلومات والاتصالات تحت إطار ما يسمى بالعولمة أو الكوكبة بحيث تغدو معها كل محاولة لإخفاء السلبيات تحت أي ستار عملا تخريبياً ومعيقاً لأي تقدم وتحديث .

ومن هنا أصبح التصدي للسلبيات بشجاعة أدبية ومنهج علمي هو - بالدقة  -إحدى مهام المواطن العادي في المجتمع السوري .

وتصبح القضية الأساسية هنا إذا ً هي : "كيف " يتصدى المواطن العادي للسلبيات بهذا المنهج ، وتلك الشجاعة " ؟

       إن المواطن الصالح ، وخاصة المثقف – كنقطة بداية – يجب أن يمنح كل ولائه وجهده دون تحفظ لقضية الديمقراطية وانتصارها كل في مجتمعه ، وبجميع أبعادها الاقتصادية والاجتماعية و طبعا السياسية ، بمعنى أنه على صعيد الفكر والتطبيق يقف           باستمرار، ويناضل باستمرار مع كل ما من شأنه أن يساعد في تطبيق الديمقراطية ، ويسرع في تكريسها في المجتمع ، وهو في نفس الوقت يقف باستمرار، ويناضل باستمرار ضد كل محاولة تهدف إلى عرقلة الديمقراطية  .

       وانطلاقا من هذا المفهوم فإن رؤية المواطن " للسلبيات " يجب أن تتسم دائما بهذه النظرة المزدوجة المتفاعلة من " موقفه مع " و " موقفه ضد " معا ً ، وفي نفس الوقت  . بمعنى أنه لا يرى السلبيات مجردة في حد ذاتها  ،أو في حالة جمود ، أو انعزال عن مجرى التيار العام  للبلد بصفة عامة ، و محصلة الإيجابيات فيه بصفة خاصة ، فالتجربة الإنسانية التاريخية تعلمنا أنه ما من عمل إنساني – مهما كانت درجة نجاحه أو إخفاقه – إلا ويعطي ثمارا" إيجابية ، وأخرى سلبية معاً- مع اختلاف بينهما في الكم و الكيف طبعاً- وذلك بمفهوم العصر والواقع والاتجاه الذي وقع خلاله هذا العمل ،  وتأتي هنا مهمة المثقف ، وهي التمييز الدقيق بين الإيجابي  والسلبي ، ومحاولة ما ينبع عن الإيجابي من طاقات في معالجة السلبي قدر الإمكان .

      إن فسادا" ما – مثلا - في مصنع  من مصانع القطاع العام ، وهذا ما يتوافر بكثرة ، سواء في شكل عدم الكفاية في الميزانية ، أو في الإسراف ، أو في زيادة نفقة الإنتاج  عن الحد الاقتصادي المسموح به ، أو تدهور مستوى الإنتاج كماً أو نوعاً ..الخ.كل هذه السلبيات يجب أن يتصدى لها المواطن العادي .

      أما المواطن "المثقف" فعليه ، وهو يكتشف هذه السلبيات ويعريها أن يعمل :

أولا: على تعبئة وتجنيد كل الطاقات الإيجابية ضدها في موقع المعركة ذاتها ،  فدور المثقف يجب أن يشبه دور "المايسترو " في الفرقة الموسيقية ، أو يشبه صانع الألعاب في فريق  كرة القدم ، كذلك هو دوره في الموقع الذي يعمل  فيه .

ثانيا : يجب ألا يعزل سلبيات هذا المصنع عن سلبيات القطاع العام بجميع مصانعه ، و إلا كان في الحقيقة  "يجرد" ما كشفه من سلبيات في مصنعه من كل معنى ، ويصبح " الموضوع " موضوع مصنع واحد ..موضوعاً جزئياً ، في حين أنه ، في حقيقته، جزء من كل ، وحلقة في سلسلة ، وخطوة في مسيرة متحركة .

      كذلك فان مثل هذه النظرة الجزئية والجامدة  "للسلبيات" تعزل الموقع الذي اكتشفت فيه هذه السلبيات عن الخبرة الجماعية المكتسبة في الأجزاء الأخرى من الكل ، وبالتالي تحول دون الاستفادة منها ، سواء في التشخيص ، أو في  العلاج . بمعنى أنه يمكن من خلال رؤية سلبيات موقع معين ، في ضوء الحركة العامة في بقية المواقع ، التوصل – بجهد أقل ووقت أقصر – إلى حلول ثبتت صحتها وفاعليتها في تجارب أخرى سابقة . بل وفي التحذير المسبق – أحيانا – من الوقوع في مثل هذه الأخطاء التي اكتشفت في مواقع أخرى . وهذا كله من شأنه أن يثري الخبرة الجماعية لكل الأجزاء باستمرار .

        وفضلا عن ذلك فإن الرؤية المزدوجة للسلبيات والإيجابيات معاً تجعلنا نكتشف بعمق أكبر ما إذا كانت تلك السلبيات قد نتجت عن أسباب عارضة طارئة ، أو مؤقتة ، أو هي ناتجة عن أوضاع جذرية يجب تغييرها ؟ بمعنى أنه كلما كان الربط في الرؤية بينهما كلما كان تكيّـفنا وتشخيصنا للأخطاء دقيقاً وواقعياً ، وبالتالي أكثر حسماً وسرعة .

 

        إننا – اليوم - مطالبون في تصدينا للأخطاء والخروقات في أي موقع ، سواء في القطاع العام أو الخاص ، أو في الأحزاب ، أو في أجهزة الدولة الأمنية أو... أو  الخ.. يجب  أن نتصدى لهذه الانتهاكات في ضوء التطور العام للمجتمع في حركته نحو الديمقراطية الكاملة والشاملة ، وما يموج داخل هذا المجتمع من صراعات بين القديم والجديد ...بين القوى المحافظة وبين القوى الإصلاحية ، وألا نسمح بعودة العقارب إلى الوراء .

إن تطبيق هذه الرؤية الشاملة للسلبيات يؤدي إلى معالجات جذرية ، ومن دونها يمكن أن تتجمد حركة التقدم والإصلاح المنشود .

        إنه بتحالف كل القوى الإصلاحية في البلد من الحكومة أو المعارضة ، يأتي العلاج الحاسم والجذري بفضح القوى المعيقة للديمقراطية وللإصلاح والتحديث والمحاسبة ، بعد تعرية حقيقة هذه القوى ، ومن ثم إخراجها من الخطاب السياسي في هذا البلد .

 

        ثمة أصوات تقف اليوم – بحسن نية أو بسوئها – في مواجهة الحملة الشعبية والقيادية للكشف الذاتي عن هذه السلبيات ، قائلة : إن "العدو" سوف يستفيد في معركته ضدنا  من حديثنا عن هذه السلبيات .. والواقع إن وجهة النظر هذه ليست سطحية فحسب ، بل غير وطنية أصلا لأن المستفيد الوحيد من حديثنا وكشفنا عن تلك السلبيات هو شعبنا ، لأنه يتخلص مما يشوب نضاله من نواقص ونقط ضعف ، فيزداد قوة وقدرة على مواجهة التحديات والعدو    معاً ، ومن هنا يتضح لنا أن هذه الأصوات هي التي تخدم "العدو".

        إن التصدي الداخلي للأخطاء هو جوهر الممارسة الحية للديمقراطية ، حيث يربي الشعب نفسه  بنفسه ، ويعالج عيوبه من خلال عملية البناء الاجتماعي والاقتصادي والسياسي لواقعه الجديد.

       إن العدو سيستمر في معاداتنا سواء كشفنا ذاتياً عن أخطائنا أم لم نكشفها ، فالصراع بيننا صراع مصير و صراع وجود . وإذا لم يجد العدو سلبيات واقعية يرتكز عليها في محاربتنا ، فسوف يخترع  و" يفبرك " سلبيات يستند إليها في دعاياته .

 

        ونحن نخدع أنفسنا إذا تصورنا أنه لا توجد مقاومات من البيروقراطيين في مجتمعنا للحركة الديمقراطية الشعبية القيادية ، للكشف عن السلبيات ، وهذا أمر طبيعي لأن عملية الكشف هذه تشمل - فيما تشمله - هؤلاء البيروقراطيين و مسؤلياتهم عن هذه السلبيات . وبالتالي كشفها يعمل على تقويض نفوذهم وامتيازاتهم ، وحياتهم الطفيلية على حساب عرق الشرفاء في هذا الوطن .

 

         بيد أن الخطر الحقيقي لا يكمن في مقاومة البيروقراطيين ، وإنما في ذلك الاتجاه المتسلق الذي أخذ ينمو في أوساط بعض المثقفين للأسف ، ويتخذ " أسلوب التبرير لكل السلبيات " ، وسواء أكان التبرير ذكياً أم غبياً ، فهو يؤدي موضوعياً إلى استمرار السلبيات، ويصادر إمكانية كشفها وعلاجها ، وبالتالي هذه المقاومة توفر مناخاً ملائماً لميكروبات الضعف والسلبية ، كي ترتع دون حساب في المجتمع ، فضلا عن تغطية عورات البيروقراطيين . ولعل هذا ما يفسر تشجيع البيروقراطيين لهذا النوع من المبررين ، وخاصة إن كلام المبررين يتشكل في صيغ تقدمية ، وتحت شعارات قومية !

 

         ومن ملاحظة " حركة المبررين لكل السلبيات " نرى أنها :

- إما أن تصدر عن عدد من المرضى بعقدة ذنب ميكانيكية تجاه التغيير الحاصل في      البلد ،فهؤلاء يريدون بكل ثمن أن يكفـّروا عما يحسونه ذاتياً من عقد سعياً وراء ثقة   مطلوبة ، أو منصب مرغوب ، لذا يبررون كل السلبيات ، و بشكل مطلق حتى ليصل بهم الأمر إلى تجميلها وتزييف حقيقتها مستخدمين في ذلك كل مهاراتهم التحليلية ، وكل ما يحفظونه من خطب وشعارات .

- وإما أن تصدر عن بعض ممن " وصلوا " إلى المناصب في أجهزة الدولة ، فإذا بهم يصابون بعدوى البيروقراطية ، بدلا من أن يحاربوها ، فتضيق صدورهم بالنقد ويتحولون إلى تفصيل " الفتاوى الأيديولوجية " لتبرير كل السلبيات في كل المناسبات . ويتحولون إلى قارعي طبول لكل ما يصدر عن الحكومة وأجهزة الدولة من إيجابيات وسلبيات معاً دون تمييز . حتى إنهم ليورّطون بذلك الحكومة وأجهزة الدولة في معارك مفتعلة من صنعهم . ويصبحون بالتالي مشاركين في ارتكاب السلبيات ، بدلا من يكونوا العين الساهرة لاكتشافها ومعالجتها وتصفيتها .

7/7/2002