العراق المحتــــل إلى أين ؟

الجزائر في 22/4/2003  

  د. أميمة أحمد

منذ سقوط بغداد الرشيد الشهيرة باسم دار السلام في ذاك الأربعاء الأسود المصادف تأريخا 9/4/2003 ، تحدد فيه تاريخ الاحتلال الأمريكي للعراق ، لتصبح بغداد الحضارة ثاني عاصمة عربية محتلة احتلالا مباشرا بعد القدس عاصمة فلسطين ، حيث مهد السيد المسيح عليه السلام ، وثاني قبلة للمسلمين بعد مكة المكرمة التي دنستها أقدام الغزاة الأمريكيين منذ أمد طويل بموافقة أولي الأمر ، كما تدنست قداسة القدس من قبل  بهمجية الغزاة الصهاينة .

يشاهد المواطن العربي كل يوم شدة الإذلال التي تعرضت إليه بغداد المغتصبة ، والقدس المغتصبة قبل أكثر من خمسين عاما .

شلال الدم العراقي والفلسطيني يروي يوميا أرضا حبلى بأحداث لاشك ستفاجئ فطاحلة التحليل السياسي عربا كانوا أو أجانب  ، مفاجأة ليست على طريقة مفاجأة محمد سعيد الصحاف وزير الإعلام العراقي عشية سقوط بغداد ، بل ستنبتُ مقاومة شعبية في شوارع الوطن العربي كافة ، كما ينبتُ النجيلُ في أرضه . هذا الرد الطبيعي للشعوب على محتليها ، وعلى من تسببوا في إذلالها ، والتاريخ خير شاهد على ثورات الشعوب ضد الظلم  والطغيان  في كل أصقاع العالم ، وليس هنا مجال لتعداد شواهد التاريخ فهي أكثر من أن تُحصى ، ونأخذ آخرها وقد تكللت بالاستقلال ، الثورة الجزائرية ، فبعد مائة واثنين وثلاثين عاما عتق الجزائريون أنفسهم من نير الاستعمار الفرنسي . وكانت المائة واثنين وثلاثين عاما تغص بالانتفاضات التي أجهضت ، لكنها تركت تراكما في الذاكرة الجماعية ، ليهب الشعب الجزائري وراء طليعته في غرة نوفمبر عام 1954 ، والهدف الاستقلال التام أو الموت الزؤام للمستعمر ، وجاءهم النصر غاليا بمليون ونصف مليون شهيد ، رووا أرض الوطن بدمائهم لترفرف راية الاستقلال خفاقة في سماء الجزائر .

اليوم نشاهد المأساة العراقية والفلسطينية على مدار الساعة ، ولا تهتز شعرة في جفن النظام الرسمي العربي ، سوى قيء البيانات " العصماء " ولا تساوي قيمة الحبر المكتوبة به . بل بعض أفراد النظام العربي الرسمي وضعوا أنفسهم سماسرة وقوادين  بين الإدارة الأمريكية وبين أندادها من الأنظمة العربية لتتخلى حتى عن الحد الأدنى من ماء الوجه ولو بالكلام والخطابات النارية ، التي لا تخرج نارها من القاعة التي يُلقي فيها ذاك " الزعيم "  خطابه وحوله هتيفة " بالدم بالروح نفديك يا ..حفظه الله .. المفدى .. جلالة  الأمير وغيرها من تسميات تثير الاشمئزاز ، أيعقل والعالم يدخل ألفية ثالثة يبقى النظام الرسمي العربي يختزل الوطن بالحاكم ؟ واللافت أن أنظمة تدعي أنها " ثورجية " كانت من قبل تفتعل المناسبة لشتم أمريكا ، وتتباهى " قلنا لأمريكا ظز " ، فصمتت صمت القبور أمام  هول كارثة يعيشها أبناء العراق وفلسطين ، وقد أصبح أبناء الشعبين كحال الأيتام على مأدبة اللئام، وأنا أتابع هذا المشهد العربي التراجيدي بكل المقاييس ، من قتل المدنيين ، وتدمير حضارتهم ، ونهب ثرواتهم ، واجتثاث نجيل فلسطين ، وابتزاز قادتهم ، واستعلاء مذليهم ، وخنوع " أخوة لهم " تحت الأحذية الأمريكية ، عند ذلك خطرت في بالي حكاية من موروثنا الشعبي التليد ، وتحكي : "  أن ثلاثة تراهنوا من يكون منهم أكثر نذالة من الجميع ، فداهموا بيتا تحت جنح الليل ، فوجدوا فيه امرأة عجوز ، استيقظت مذعورة على جلبة المتـبارين بالنذالة ، فتقدم أحدهم من العجوز دون حياء أو مراعاة لسنها المتقدم ونزع ملابسها كما ولدتها أمها، وراحت تصرخ على ابنها مستغيثة " عرب ولدي أنا أمك دافع عني " ، فجاء الثاني واغتصبها ، وارتفع صراخها وين نخوتك ولدي أنا أمك " . فخرج الثلاثة ، وراح الاثنان يتفاخران بنذالتهما أمام الثالث وقد وصفوه بالجبان لعدم فعل شيء يدلل على نذالته ، لكنهما قبلا به  حكما بينهما من هو الأكثر نذالة بين الاثنين ، فعقدت المفاجأة لسانهم وهو يقول لهما : أنا الأكثر نذالة ، فالمرأة أمي وأنا ابنها عرب الذي استغاثت به وبقيت أتفرج على ما تفعلان بها " .

فبغداد تغتصب جهارا نهارا وعلى مرأى ومسمع من القادة العرب الذين قاموا بدور الشرطي ، يمنعون شعوبهم حتى من الصراخ تعبيرا عن سخطهم وغضبهم لما يحل في بغداد السبية ، والقدس اغتصبت من قبل بنفس الطريقة ، وعواصم أخرى تصف على الدور حسب المخطط الأمريكي للمنطقة ،" قفوا صفا صفا فالغرب يحب التنظيم .."، كما قالها يوما الشاعر العراقي مظفر النواب  في قصيدة القدس . يبدو أنه استشرف هذه الأيام قبل نحو ثـلاثـــيـن عامـا . وقال أيضا " إن حظيرة خنزير أطهر من أطهركم ." . لذا لا نستغرب أن يتفرج الجميع على الجراح الطرية النازفة في بغداد ، وقبله الجرح الغائر في فلسطين ، لكن الأشد إيلاما أن يدخل بغداد من يزعمون أنهم " معارضة  وطنية " على ظهور دبابات أمريكية ، لإقامة ما يبشرون به " الديموقراطية الأمريكية  "  في العراق ، وقد انقطعوا عنه لعقود ، يعيشون  رغد العيش ، ولا يعرفون عنه سوى ورقة للإتجار السياسي ، بل كانوا من الدياثة أنهم عملوا بتحالفهم مع الأمريكان      كمرشدين وأدلاء للقوات الغازية  لمناطق يجهلها الغزاة، يتفرجون على أشلاء العراقيين تتطاير تحت القصف الصاروخي والقنـابل العـنـقودية المحرمة دوليا، تماما كمــا فعــل " عرب " ابن العجوز .

لا أخاف ولا أخشى على  شعب العراق العريق ، الموغل في التاريخ لنحو سبعة آلاف سنة ، وهو من علّم البشرية الكتابة ، تشهد عليها الألواح المسمارية ، وعلّم البشرية تذوق الموسيقى بصنع أول قيثارة في التاريخ  ، وغيرها من البصمات لهذا الشعب العريق على الإنسانية جمعاء ، فهو الأقدر على صياغة الديموقراطية التي يريد ، ويطرد الغزاة من أرضه ، وكأني أرى المستقبل المشرق يطلع من أرض السواد (العراق )، حيث تشع أنوار الحرية والانعتاق إلى باقي مناطق الوطن العربي ، وتتهاوى تلك الهياكل الكرتونية ، المدعوة أنظمة  ، كما تهاوت أنظمة أوربا الشرقية على هدير شعوبها.

ربما كانت كارثة العراق ضرورية لاسـتـنهاض هـمــم الشعوب العربية ضد " عرب ابن العجوز " . " عسى تكرهون شيئا وهو خير لكم " ، فالنصر آت ..فالنصر آت .. فالنصر آت .

فهما حاول المرجفون أن يضربوا وحدة العراق ، ويعزفوا على أوتار العرقية والطائفية والعشائرية وغيرها من هويات أدنى  من الهوية العراقية وطن الجميع، سيحقق العراقيون الوحدة الوطنية على اختلاف مشاربهم السياسية والعرقية والمذهبية ، ويبنوا العراق الحر الديموقراطي. وكما تُشرق الشمس من الشرق ، ستشرق شمس الحرية على الشعوب العربية من العراق بوابة العرب الشرقية . طبعا لا نعول على الأنظمة ، فهذه الأنظمة كالدمى مغلوبة على أمرها ، ولا تملك من زمام نفسها شيئا حتى نطالبها بالمصالحة مع شعوبها لصد العدوان ، ولا نجافي الحقيقة أو نبالغ حين نقول إنها وجدت لخدمة المصالح الأمريكية مقابل ثمن بخس أن تبقى في السلطة وتفرّط بأمانة الأوطان  والشعوب ، والدليل دائرة الفقر التي تتسع يوما بعد يوم في المنطقة العربية ولديها من الثروات ما يكفي على الأقل ثلاثة أضعاف عدد السكان الحاليين ، المقدر بنحو ثلاثمائة مليون نسمة، فالتاريخ لن يرحم أحدا يا عــرب الطــوائــف ، عفـوا يا سلالة " عرب ابن العجوز " . حسبنا الله ونعم الوكيل . فالجواب أين يتجه العراق المحتل ؟ أقولها ملء الفيه : إنه يسير نحو الحرية والديموقراطية والوحدة الوطنية ، أثافي مقاومة الاحتلال الأمريكي .