-1- 

بعد العراق طبول الحرب على سورية كيف نواجه عدوان أمريكي- إسرائيلي مُحتمل ضد سورية ؟؟ 

 

الجزائر في 16/4/2003

   د. أميمة أحمد

 

في وقت مازال فيه الجرح العراقي نازفا، كما هو الجرح الفلسطيني الغائر في القلوب منذ أكثر من نصف قرن ، ولا من مغيث لتضميد الجُرحين ، والعالم مرتبك بما يجري في العراق من تخريب وسلب ونهب منظّم ضد كل ما هو حضارة وتاريخ لم تعد ملك العراق وحده ، بل ملك الإنسانية جمعاء ، متجاهلا أو أن مأساة العراق حولت الأضواء عما يعيشه الفلسطينيون من قتل جماعي يومي ، لا يستثني طفلا أو امرأة عجوز أو شيخا .. ، في هذا الوقت العصيب الذي يشهد مخاض ميلاد نظام دولي جديد وحيد القطب ، تتزعمه الولايات المتحدة الأمريكية لتكون قائدة العالم  بلا منازع ، ضاربة عرض الحائط بكل ما وقّعت عليه من قوانين دولية بعد الحرب العالمية الثانية كإحدى الدول المنتصرة ، واليوم  بعد انتصارها بالحرب الباردة ،أصبحت وحال المـثـل القائل : " خلا لك الجو فبيضي وصفّري " ولكن  ليس كقُبُرة بل بومـة شؤم ، نعيقها يملأ أرجاء المعمورة ، منذرة بخراب ودمــار ماحــق بحثا عن منابع النفط والثروات الإستراتيجية الأخرى لدى الشعوب والسيطرة عليها بالقوة ، وما لم يـتدارك المجتــمع الدولي الهيـجان الجنوني لصقور الإدارة الأمريكية المتطرفين فإن المعمور تتحول إلى ساحة حرب ينعدم فيها السلام الذي أصبحا مطلبا لجميع شعوب العالم.                                                  

وكانت سورية الخطوة الثانية بعد العراق ، والثالثة بعد أفغانستان ، وقد فتحت الولايات المتحدة الأمريكية جميع الملفات دفعة واحدة ، " كقرائن " - حسب الزعم الأمريكي - على إدانة سورية ، وتطالبها بلهجة تهديد واضحة  بأنه عليها الإجابة على جملة أسئلة بوضوح تام لا يحتمل التأويل . وتتهم أمريكا  سورية حسب تصريحات كبار المسؤولين الأمريكيين :

1 - دولة " مارقة " وترعى الإرهاب .

2- لديها أسلحة كيماوية ، وأجرت تجارب خلال 15 شهر الماضية لتطوير أسلحة الدمار الشامل .

3- فتحت حدودها للإرهابيين ( ويُقصد بهم المتطوعون العرب للدفاع عن العراق) .

4- قدّمت دعما عسكريا للعراق من معدات حربية منها مناظير ليلية .

5 - أنها تأوي بعضا من القيادة العراقية المطلوبين أمريكيا .

6- وصفت الوجود السوري في لبنان " بالاحتلال " .

وغيرها من تُهم وردت في التصريحات الرسمية الأمريكية ، حصيلتها ما ورد على لسان الناطق الرسمي باسم البيت الأبيض آري  فلايشر حينما شن هجوما لاذعا  على سورية ، وقد وصفها بأنها " إحدى الدول الخطيرة " ، وقال فلايشر " إنه يجب على سورية أن تتعاون وأن تفهم أن فجرا جديدا يبزغ على الشعب العراقي ، وأنها يجب أن تُفكر جيدا في سلوكها ومسؤولـيــاتـها تجاه الشعــب العراقي " .

وفي نفس السياق صرح وزير الخارجية الأمريكي كولن باول ، بأن الولايات المتحدة ستبحث إمكانية اتخاذ إجراءات دبلوماسية واقتصادية ضد سورية ، لأنه يُشتبه أنها تطور أسلحة كيماوية " ، وأضاف باول  أنه " في ضوء  هذه الظروف الجديدة ينبغي على سورية إعادة النظر في أفعالها وسلوكها ، ليس فيما يتعلق بمن يحصل على ملاذ آمن في سورية ، وأسلحة دمار شامل فحسب ، بل وعلى وجه الخصوص فيما يتعلق بدعم الأنشطة الإرهابية "

وقبلهما كان وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفلد ( الشهير بعبارة قواتنا تسير حسب الخطة ) صرح بعد اجتماعه مع وزير الخارجية الكويتي الشيخ محمد السالم الصباح ، بأن " سورية أجرت خلال السنة الماضية عددا من التجارب للسلاح الكيماوي ، وأضاف " لدى الولايات المتحدة معلومات اسخباراتية تُشير إلى أن بعض العراقيين سمح لهم بدخول سورية في بعض الحالات للإقامة وفي حالات أخرى للعبور " دون أن يحدد رامسفلد هؤلاء العراقيين ، كما أنه لم يذكر إلى أين ذهب من دخل سورية عابرا منها إلى دول أخرى . وذكر رامسفلد " أن سورية سمحت لسوريين وغيرهم بعبور الحدود إلى العراق ، كانوا مسلحين ومعهم منشورات ، تُبين المكافأة لهم إذا قتلوا أمريكيين وأفرادا من قوات التحالف " . هل يُعقل ياسيادة وزير الدفاع أن يحمل الاستشهادي ورقة المكافأة وهو يطمع بالجنة ؟

 

ونفت سورية هذه الاتهامات الأمريكية ، واعتبرها وزير الخارجية السوري فاروق الشرع  أنها لتغطية فشل أمريكا في بغداد بتحويل الأنظار إلى سورية " . ونفت بثينة شعبان الناطقة باسم الخارجية السورية اتهامات أمريكا " نقول للرئيس الأمريكي جورج بوش إن سورية لا تمتلك أسلحة كيماوية ، وإن الأسلحة البيولوجية والكيماوية والنووية الوحيدة في المنطقة تمتلكها إسرائيل التي تهدد جيرانها وتحتل أراضيهم " .

وكان سفير سورية في واشنطن رستم الزعبي قد صرح بأن سورية تتعرض إلى حملة منسقة من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل ، وقال في حديث صحفي " إن الاتهامات بدأت من مكتب رئيس الحكومة الإسرائيلية عندما اتهم النظام العراقي بتهريب أسلحة الدمار الشامل إلى سورية "  وذكر الزعبي " أن تصريحات رامسفلد وزير الدفاع الأمريكي  بشأن إرسال سورية لمعدات عسكرية للعراق ومنها مناظير ليلية لم تكن مفاجئة له ، فقد قرأها في نفس اليوم في صحيفة هآرتس الإسرائيلية قبل ساعات من تصريح رامسفلد " .

في غمرة هذا السجال الأمريكي - السوري  ، تُقّـدم الولايات المتحدة لائحة مطالب للنظام السوري ، قيل أنها مطالب إسرائيلية وهي :

1-     الانسحاب من لبنان ، والكف عن مساندة الإرهاب .( تقصد حزب الله ).

2-       إصلاح أو كما ورد بالنص ( ترشيق ) نظام الحكم  .

3-  طرد ما وصفتهم " بالإرهابيين " من سورية . ( والمقصود بهم المكاتب الإعلامية لعدة فصائل الفلسطينية )

4-      استئناف مفاوضات  السلام مع إسرائيل .

لمـــاذا هذا التصعيد الأمريكي ضد سورية ؟

 

هناك رأيان ، الأول  : أن موقف سورية المناهض للحرب على العراق جعلها في مرمى الهجوم الأول بعد العراق ، وحسب المحللين السياسيين أن موقف الرئيس السوري بشار الأسد قد أعطاه موقعا متميزا في العالم العربي مقارنة بالمواقف العربية الأخرى ، إلا أنه يلعب لعبة خطيرة حسب دبلوماسي غربي رفض ذكر اسمه ، الذي يعتقد أن الولايات المتحدة لا توجه إليه ضربة عسكرية ، بل تكتفي بالعقاب ، سواء منها العقوبات الاقتصادية أو الدبلوماسية  وربما معا .

وكان كولن باول قد صرح لهيئة الإذاعة البريطانية ( BBC ) : " سورية مازالت  تُشكل داعي قلق منذ أمد بعيد من الزمن " وأضاف " لقد صنفنا سورية على مدى سنوات كدولة ترعى الإرهاب ، وناقشنا هذا الأمر مع السوريين في العديد من المناسبات .."

ويأتي القلق الأمريكي - حسب أصحاب هذا الرأي -  من كون سورية دعمت المقاومة اللبنانية وفي مقدمتها حزب الله كحليف لإيران وسورية معا ، ولا تستبعد أمريكا أن تدعم سورية المقاومة العراقية الوليدة ، التي بدأت في أول يوم للاحتلال الأمريكي للعراق 9/4/2003  . يُضاف إلى ذلك ما تعتقده بالخطر السوري على إسرائيل طالما لم تُـنجز اتفاق السلام معها على غرار دول الطوق . لهذا كله  أصبحت سورية هدفا لأمريكا بعد العراق لترتيب المنطقة وفق " الشرق أوسطية " تكون إسرائيل الأقوى فيه على كل الأصعدة عسكريا واقتصاديا وغيرها من مجالات .

الرأي الثاني : يتذكر أصحابه موقف العاهل الأردني الراحل الملك حسين بتأييده للرئيس صدام حسين  في حرب الخليج الثانية عام 1991 ، وكيف استهدفته الولايات المتحدة ، لدرجة هزأّت فيها الملك حسين حينما رفض بوش الأب استقباله بما يُشبه الطرد ، وكان موقف الملك حسين أشد حماسة إزاء العراق مما هو عليه الأمر الآن  لدى الرئيس السوري بشار الأسد . فبعد انقشاع غبار الحرب،  رمت أمريكا طوق النجاة للملك حسين باتفاق وادي عربة مع إسرائيل ، "وكفّر عن غلطته" بتأييد الرئيس صدام حسين . ولا يستبعد أصحاب هذا الرأي أن يكون طوق النجاة بقبول الأسد الابن المطالب الأمريكية - الإسرائيلية ، ليصبح بطل سلام في أمريكا وإسرائيل كما كان الحال مع ملك الأردن . ويذهب بعض المحللين السياسيين إلى التشكيك بالحملة ضد سورية ، بأنها مطبوخة بين أمريكا وسورية لتسويق "اتفاق السلام " السوري - الإسرائيلي دون إراقة ماء وجه سورية التي لازال خطابها الرسمي المُعلن يُناهض إسرائيل . ويستند هؤلاء  على التصريحات الأمريكية السابقة ، وقد أثنت على التعاون الأمني السوري بعد أحداث 11 سبتمبر عام 2001 . بل وكانت أمريكا  أول المؤيدين للطريقة التي تولى بها الرئيس الأسد الابن الحكم بعد وفاة الرئيس الأسد الأب ، حينما حضرت الجنازة وزيرة الخارجية الأمريكية أولبرايت، واجتمعت مع الأسد الابن قبل أن يستلم مقاليد السلطة .

ما لعمل لمواجهة التهديدات الأمريكية ؟

أيا كانت آراء المحللين السياسيين فما نراه أن التهديــــد الأمريـكي والمزاعم " القرائن " ضد سورية ، يقف في وجهها الشعب السوري على مختلف مشاربه السياسية ، فالوطن فوق الجميع ، لذا ينبغي على النظام السوري عاجلا المصالحة الوطنية ، بإطلاق سرح سجناء الرأي وعودة المنفيين لوطنهم ، وإطلاق الحريات العامة ، وإنهاء حالة الطوارئ ووقف العمل بالأحكام العرفية ، واستقلال القضاء ، وتشكيل حكومة إنقاذ وطني تتكون من كافة ألوان الطيف السياسي ، ونعتقد أن أحدا من المعارضة السورية ، سواء في الداخل أو خـارج الوطن يطمع في سلطة ، بل يطمح بالحرية في وطنه ، فالإنسان الحر يحمي الأوطان ، والعــبد لا يحمي وطن .

 

فهل بمقدور الرئيس الأسد الابن على الإقدام عما عجز عنه والده بإنجاز هذه المصالحة لحماية الوطن ؟ الجواب في بطن الأيام القادمة .