هل انتهت الحرب ؟ لا..بل بدأت الآن
الجزائر
في 9/4/2003
د . أميمة أحمــد
كم كان المشهد مؤلما حد القهر
الساحق ، عندما اختزلت وسائل الإعلام العربية والدولية الحرب على العراق بعرض
إعدام تمثال الرئيس العراقي صدام حسين وسحله في شوارع بغداد ، متجاهلة مئات الآلاف
من المدنيين العراقيين ، راحوا ضحية الأسلحة الأمريكية " الذكية " ،
وتمزقت جثثهم أشلاء بين ركام منازلهم ، أو صاروا شواء لنيران صواريخ كروز وتوماهوك
والقنابل العنقودية المحرمة دوليا . هذه الآلاف من العراقيين ، سواء منهم الجرحى أو
الشهداء ، لم تنقل التلفزيونات صراخ ألمهم وأنينهم على أسرة المشافي العراقية ،
حيث تفتقد لأدنى متطلبات الإسعافات الأولية ، فما بالكم بالعمليات الجراحية ، وحسب
شهود عيان كانت العمليات تُجرى دون مخدر ، بما فيها قطع الأطراف ، أو نزع شظايا
القنابل من أجسامهم . ولم تنقل تلك التلفزيونات جوعهم ، ونقص المياه ، وصراخ
الأطفال رعبا من هدير الطائرات الحربية والانفجارات ، كل هذه المأساة الإنسانية
جراء العدوان الأنغلو- أمريكي ، لم تلق الاهتمام الإعلامي اللائق ، بل اكتفى بنقل
" قلق كوفي عنان والصليب الأحمر على الوضع الإنساني المُغيب تقريبا من وسائل
الإعلام في سياق حرب إعلامية مضللة لحقيقة ما يجري.
وعند عرض تهديم التمثال
للرئيس صدام حسين ، انبرت ليس فقط القنوات الشهيرة عالميا ، بل حتى المغمورة منها
، بما فيها معظم القنوات العربية التي لم تقطع برامجها خلال الحرب المدمرة ، واستمرت
بعرض المسلسلات والأفلام ، وكأن الحرب تجري خارج الكرة الأرضية ، راحت تنقل وقائع
تهاوي التمثال الأشبه بفلم أخرجه أحد أشهر مخرجي هوليود . لم تكن الوقائع عفوية ،
بل مرتبة ومدروسة من وثق التمثال بحبل قنب عراقي إلى تطويقه بحبل معدني أمريكي ،
مرورا بوضع العلم الأمريكي على وجه التمثال ، ثم العلم العراقي القديم ..دقة في
الإخراج بما فيها المبتهجون فرحا وسرورا بإزالة التمثال . ونسي المبتهجون في غمرة
" الفرح " أنهم أصبحوا تحت الاحتلال الأمريكي .
أكثر من مائة قناة تلفزيونية
وإذاعية كانت تنقل نقلا مباشرا تلك الوقائع وكأن الحرب لم تكن قبل يوم، وتدك
الصواريخ الأمريكية إقامة الصحفيين في فندق فلسطين ، وقتلت أربعة من بينهم طارق
أيوب مراسل الجزيرة . هذا وجه آخر
للحرب ، الوجه النفسي بتوجيه غضب العراقيين عما فعلته بهم القوات الغازية إلى سحل
تمثال الرئيس صدام ، ونهب وسلب مؤسسات الدولة كرمز للسلطة الشمولية في بغداد ، على
شاكلة معظم الأنظمة العربية ، وان ارتدى بعضها أقنعة ديموقراطية .
أيــن
اختفت القيادة العراقية ؟
السؤال اللغز ، قبل أقل من
/24/ ساعة كان وزير الإعلام العراقي محمد سعيد الصحاف يُصرح للصحافة العربية
والدولية ( بأن العــلوج محاصرون في دباباتهم ،ومنقطعون عن المؤخرة ، والوضع تحت
السيطرة العراقية ، ولم يدخل الأوغاد أي مدينة عراقية ، وتوعد الصحاف الغزاة
بحرقهم في بغداد ) .
لكن دخول نحو عشرين دبابة
أمريكية إلى وسط بغداد دون مقاومة تُذكر ، واختفاء مظاهر الدولة تماما بعد ليلة
حالكة أمضتها بغداد لانقطاع التيار الكهربائي ، وصمت المدافع والغارات خلاف الليلة
السابقة .. كلها تثير الريبة ، بأن شيئا ما قد حصل ، وهو الحلقة المفقودة في
تكهنات المحللين العسكريين والسياسيين سواء بسواء ، بعدما كانوا يتوقعون لمعركة
بغداد أن تستمر شهورا ، بما فيها القيادة الأمريكية ، الرئيس بوش وحاشيته تحدثوا
عن حرب طويلة . ما الذي حصل ؟ خاصة وأن لهجة التصريحات الأمريكية لم تعد بالحدة
السابقة نحو نظام الرئيس صدام ، بل يغطون دخولهم السهل إلى بغداد بتصريحات تؤكد
" أن حربا شرسة تنتظر قوات التحالف في بغداد ، فما زالت جيوب المقاومة ..إلخ
" .
1- أولى هذه التكهنات ، أن
القيادة العراقية غيرت خطتها العسكرية لتخوض حرب شوارع في بغداد ، فسحبت قوات
الحرس الجمهوري التي جعلتها الدعاية الإعلامية قوة خارقة للعادة من الاحترافية
القتالية ، كما سحبت فدائيي صدام ، وباقي ميليشيات النظام ، تاركة المجال أمام
القوات الغازية تدخل بغداد ثم تنقض عليها ، وتفصفص عظامها ، أتمنى من أعماقي أن
يكون الأمر على هذا النحو ، وإن كنت لا أتفاءل بنصر عراقي ، بل نأمل صمودا يغير
المعادلة ، بفرض مفاوضات على القوات الغازية لمخرج مشرف لها من هذه الأوحال بالعراق
. لكن لا أشطح بالخيال كثيرا ، فهل القوات الأمريكية من الغباء لتدخل فخا وضعه
القادة العراقيون لهم ؟
2- هناك من يقول أن مفاوضات مستشارة الأمن القومي كوندوليزا رايس
مع المسؤولين في روسيا ، تمت صفقة
بوساطة روسية بين القيادة العراقية وأمريكا ، بخروجهم سالمين من بغداد ، ودون
ملاحقة كمجرمي حرب كما توعد الرئيس بوش . والدليل - حسب أصحاب هذا الرأي - أن جسور
بغداد بقيت ، ولم توضع أفخاخ أمام الدبابات الغازية ، بل تم انسحاب منظم للقوات
العراقية في الليلة التي حاصروا فيها الصحفيين من قناتي أبو ظبي والجزيرة بمكتب أبو
ظبي . لتتم الأمور دون شهود وفي ليلة ظلماء. ولعل تصريحات وزير الدفاع الأمريكي
رامسفلد تعزز هذا الاعتقاد عندما قال : أن معلومات استخباراتيه لديه تقول أن
الرئيس صدام ونجليه لجأ إلى سورية ، وآخرون من القيادة إلى دولة مجاورة .
3- بينما تحدث آخرون عن مقتل الرئيس صدام حسين في القنبلة الضخمة
التي استهدفت مبنى في حي المنصور الراقي ، يُعتقد أن الرئيس صدام ونجليه والقيادة
كانوا مجتمعين فيه ، فشدة القنبلة
حسب التقارير الإعلامية جعلت المبنى أثرا بعد عين ، وحفرت بالأرض نحو ثلاثين مترا
. فتمت الصفقة مع من تبقى من القيادة لدخول بغداد دون مقاومة ، مقابل سلامتهم .
وأي من التكهنات السابقة أو
غيرها فيما يخص الصفقة تبقى تحت مُسمى التآمر ، وقد أسماها أحد المحللين السياسيين
بالخيانة للوطن مقابل السلامة بالنفس ، ويُعتقد أن الرئيس صدام ليس متورطا فيها ، بل أنه تمت تصفيته من نافذين
حوله وهم أبرموا الصفقة مع رايس .
هذه التكهنات في ظل غموض
الوضع لما آلت إليه الأمور في العراق ، يصعب الجزم في أي منها ، وما لم يصدر بيان
رسمي ممن يتولون العراق تبقى هذه التكهنات محاولة لفهم ما جرى في العراق .
وما جرى يوصف بالهزيمة
الساحقة للنظام الرسمي العربي برمته ، الذي حولت قياداته الأوطان إلى ولاءات لشخص
الرئيس ، أو العشيرة أو الطائفة أو العرش ، أو القبيلة ، ونفت بأسلوب إدارتها
المتخلف الولاء للوطن ، مما جعل المواطن لا يشعر بالانتماء للوطن طالما لا يتمتع
بحق المواطنة ، بل أصبحت " المواطنة " درجات ، حسب قربه وبعده ومعارضته
للنظام ، والمعارض مشطوب من سجلات النظام
وبالتالي محروم من حق المواطنة ، هذا إذا بقي حيا ولم يلق حتفه تحت التعذيب
في السجون ، باسم حماية المصالح العليا للوطن . فما حصل بالعراق ينبغي أن يتعظ منه
بقية الحكام العرب، ويتصالحوا مع شعوبهم بإطلاق جميع سجناء الرأي ، وفتح الساحة
السياسية لجميع القوى السياسية على مختلف مشاربها، باختصار يجب إصلاح سياسي جذري
لتحقيق الوحدة الوطنية الحقيقية لمواجهة الاحتلال الأمريكي الذي بدأ يوم 9/4/2003
، ويسجله التاريخ كما سجّل من قبل تواريخ احتلالات سابقة للوطن العربي . فمنذ هذا
اليوم دخلنا حربا لتحرير الأمة العربية ،شعوبا ومقدرات ، ليعيش أطفال اليوم
مستقبلهم بحرية السيــــد ، فالعـبــد لا يحمي وطــن يا عرب الطوائف .