التضليل
الإعلامي الأمريكي لوقائع العدوان على العراق .
*
- الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة .
الجزائر في 24/3/2003
د. أميمة أحمد
ببساطة شديدة صرح وزير الدفاع
الأمريكي رامسفلد ثاني أيام العدوان الأمريكي البريطاني على العراق " أن قوات
التحالف الأمريكي البريطاني دخلت ميناء أم قصر دون مقاومة تُذكر ، وقد استسلم قائد
الفرقة /51 / وجنوده ، وتجري مفاوضات مع قائد الفرقة لحل وضعهم كأسرى حرب "
وطمأن رامسفلد الشعب الأمريكي بأن آبار النفط أصبحت في مأمن ، وتحت السيطرة وهذا
انتصار مهم ".
وعرضت القنوات التلفزيونية
الأمريكية دون استثناء صور ما وصفهم
وزير الدفاع رامسفلد بالأسرى العراقيين
من الفرقة /51 / . وتجاهلت الضحايا من المدنيين العراقيين ، الذين قتلوا بصواريخ
كروز الفتاكة .
وقد فنّد العراق هذه المزاعم
، حيث صرح لقناة الجزيرة قائد الفرقة/51/ خالد الهاشمي وجنوده حوله أن المزاعم
الأمريكية جزء من الحرب النفسية ضد القوات العراقية، ووصف شدة المعركة مع القوات
الغازية في مدينة البصرة ، ولم ينف الخسائر في صفوف القوات العراقية ، لكنها ضريبة
الوطن الواجب دفعها.
واحتج رامسفلد والرئيس بوش
على " فعلة " العراق عندما عرض الأسرى والقتلى الأمريكيين في معركة أم
قصر وقد أطلق عليها العراق معركة " الحواسم " . والمؤسف أن التلفزيونات
الأمريكية التي عرضت " الأسرى العراقيين " لم تعرض صور الأسرى والقتلى
الأمريكيين ، وحسب مراسل الجزيرة في قاعدة السيلية القطرية ، عفوا القاعدة
الأمريكية في قطر حيث تُدار عمـليات الحرب ضد العراق ، قال مراسل الجزيرة :"
لقد أخذت عدة قنوات أمريكية شريط
صور الأسرى والقتلى الأمريكيين ، لكن قناة واحدة بثتها ولمرة واحدة ، ثم جاءت
الأوامر من البيت الأبيض بمنع عرض الشريط ، خشية الرأي العام الأمريكي" طبعا
الخوف أن ينقلب الشعب الأمريكي ضد حكومته ، ويُرغم قادته على الانسحاب من العراق .
وكما يبدو جليا أن الحرب على
العراق يلعب فيها الإعلام دورا ، لا نبالغ لو قلنا السلاح الأول والأمضى لتثبيط معنويات
القوات العراقية والشعب العراقي ، خاصة وأن المدنيين عاشوا هول الغارات التي ألهبت
المدن العراقية بنيرانها ، ويزعم الأمريكيون أن أسلحتهم " ذكية " تذهب للهدف فقط ، وأهدافهم النظام
العراقي ، ولم يُفسر سواء الرئيس بوش أو وزير دفاعه أو الناطق باسم البنتاغون أو
الخارجية أو الإعلام الأمريكي لماذا دمرت صواريخهم منازل المدنيين وراح نحو ثمانين
عراقيا أشلاء ، ونحو ستين آخرين أصيبوا بجراح بليغة .
الحرب
الإعلامية
في الواقع تمارس جميع
الحكومات وفي كل العصور التضليل الإعلامي على نحو ما ، فالتلاعب بالمعلومات يصبح
شائعا في أحوال الحرب ، لأن الجهود تكون منصبة لتعبئة الشعب ، فتنشر نصف الحقائق ،
وتكثر الشائعات التي يصعب التأكد من صحتها وقت الحرب ، وفي الحرب الراهنة ضد
العراق ، تبرر الحكومة الأمريكية لشعبها ، بالحرب " العادلة " و "
لا مفر منها حفاظا على الأمن القومي الأمريكي " وبالتالي يسمونها "
دفاعية " وتصبح " وقائية
" من خطر مُحتمل قد يأتي من
" أســلحة الدمار الشامل " العراقية المزعـومة فيما لو وصـلـــت "
للإرهابيين " ..وغيرها من دعاية تتحكم فيها الترسانة الإعلامية الأمريكية
المتطورة تقنيا عن كل نظيراتها في العالم ، ويتحكم فيها اللوبي الصهيوني.
والتضليل الإعلامي له قواعده
، كما للحرب العسكرية قواعدها ، فالإعلام الأمريكي - وللأسف بعيدا عن الاحترافية
الصحفية التي تلزم الموضوعية - راح يدفع الأزمة العراقية - الأمريكية إلى ذروتها ،
بتصوير العراق العدو رقم واحد ، ورئيسه شرير ، لا يتورع عن استخدام أسلحة الدمار
الشامل ضد المدنيين الأمريكيين كما فعل بن لادن في هجمات الحادي عشر سبتمبر 2001 .
هذا فضلا عما وصفوا به الرئيس العراقي صدام حسين ونظامه بأوصاف غير مهذبة بالمرة،
وقبله " حظي " قادة آخرون
في العالم بمثل هذا " اللطف
الإعلامي الأمريكي " مثلا : مغامر ، شيوعي متطرف ، مختل عقليا ، نازي … إلخ ،
فمن الإيراني مصّدق ، إلى العراقي صدام حسين مرورا بالمصري جمال عبد الناصر ،
والليبي معمر القذافي ، والفلسطيني ياسر عرفات ، وشافيز الفنزويلي ، الكوبي فيديل
كاسترو ، وغيرهم . ويوصف أنصار الحل الدبلوماسي بالجبناء أو المستسلمين وفي أحسن
الحالات " سذُج " ، وهكذا انطمس النقاش الموضوعي ، بين مؤيد للحرب ، ورافض
لها .
فقد أبلت وسائل الإعلام
الأمريكية بلاء غير مسبوق لتحضير الرأي العام الأمريكي والدولي لضرب العراق . فقد
قُرعت طبول الحرب ضد العراق بعد شهرين من هجمات الحادي عشر سبتمبر ، وقد وضعه
الرئيس بوش من عداد دول محور الشر .
للوهلة الأولى ، وفي غمرة
التعاطف الدولي مع أمريكا في مصابها ، تصورت إدارة الرئيس بوش أن الوقت مناسب لشن
الحرب ، وكانت حربها ضد أفغانستان، حليفتها في حربها ضد الاتحاد السوفياتي سابقا ،
وشنت الحرب دون قرار أممي ، وتواطأ المجتمع الدولي بالصمت على فعلة أمريكا وهي
تدوس القانون الدولي الذي كانت أحد الأطراف الذي صاغه بعد الحرب العالمية الثانية
. لكن بعد انقشاع غبار الحرب الأفغانية ، تبين لأوربا أن أمريكا سيطرت على نفط آسيا الوسطى ،
وتخوفت الصين على مصالحها أيضا من النفوذ الأمريكي قرب حدودها من أفغانستان ، كما
هو الحال لدى روسيا. لذا عندما طرحت الولايات المتحدة شن حرب ضد العراق بذريعة
" محاربة الإرهاب " ، واجهتها تساؤلات المجتمع الدولي ومعارضة غير
مسبوقة ، فالدول الأوربية حكومات وشعوبا عارضت منطق الحرب ، وهي التي كانت حليفة
أمريكا .كما لم تتجل وحدة الموقف العربي على رفض الحرب كما هذه المرة ، وإن كان
الموقف العربي الرافض للحرب تنقصه الوسائل المادية الملموسة ليكون فاعلا في القرار
الدولي ، هذا ما إذا لم نقل أن النظام الرسمي العربي يرحب بتخليصه من الرئيس صدام .
ومن الجانب الأمريكي بينت
استطلاعات الرأي الأمريكي أن المؤيدين للحرب انخفضت نسبتهم ، فحسب صحيفة لوس
أنجلوس تايمز الأمريكية ، أنه في
ديسمبر 2002 كانت أكثر من 68% تعارض الحرب ضد العراق بدون موافقة مجلس الأمن ، من
بينهم 72% معظمهم من الحزب الجمهوري الحاكم ، يعتبرون أن البيت الأبيض لم يقدم
البراهين الكافية لتبرير الحرب ، فهم بالتالي لا يصدقون مزاعم الرئيس بوش " بالتهديد
العراقي الوشيك " . وليس هذا فحسب ، بل المعارضة كانت في أوساط كبار الضباط في البنتاغون وكبار المسؤولين في الخارجية
، لكن الإعلام الأمريكي عتّم على هذه المعارضة ، ونفخ بأتون الحرب.رغم أن الإدارة
الأمريكية رفضت تقديم أدلتها لمجلس الأمن أو لمفتشي الأمم المتحدة عن حيازة العراق
لأسلحة الدمار الشامل ، حتى أن وزير الدفاع رامسفلد قال : " إن غياب الأدلة
ليس دليلا على عدم امتلاك العراق أسلحة الدمار الشامل " ، وعندما واجهه
معارضو الحرب في الإدارة الأمريكية بالنوايا المبيتة ضد العراق ، وأنه كان مهندس
التعاون العراقي - الأمريكي مطلع الثمانينات ، إبان الحرب العراقية الإيرانية ،
ووثائق البنتاغون شاهدة على ذلك ، نفى ما اتهم به من نوايا مبيتة ، وقال : من السهل
على صدام حسين الحصول على أسلحة الدمار الشامل وقد استخدمها في حربه مع إيران
" ، طبعا هذه الشكوك لدى الأمريكيين ، فيكيف بنا نحن العرب ذوي الحق في
ثرواتنا والسيادة على أراضينا أن نصدق مزاعم الرئيس بوش ووزير دفاعه أن حربهم
" لتحرير" العراق ؟ فهل من يأتي محررا يرفع العلم الأمريكي في أرض
عراقية ؟ ثم يدعي الرئيس بوش وحاشيته بأنهم يريدون " عراقا حرا ديموقراطيا"
، بكل أسف نقول هذا رياء في نظر الرأي العام الذي يتذكر جميع الدكتاتوريات الذين
تساندهم واشنطن اليوم أو ساندتهم في العقود الماضية ، حتى الرأي العام الأمريكي
المولع بالدور " الإنقاذي للولايات المتحدة " والذي دأب رؤساؤها على
تعبئة الأمريكيين به منذ الرئيس جورج واشنطن إلى ابراهام لنكلن ..ويلسون ..ألخ لم
يتردد بالتساؤل : لماذا نُضحي بشبابنا من أجل دور ينبغي على الشعب العراقي القيام
به ؟ ثم لماذا نظام صدام حسين وليس نظام كوريا الشمالية التي أعلنت عن امتلاكها
أسلحة الدمار الشامل ؟
فالتضليل الإعلامي الأمريكي
بلغ ذروته ، حينما أسقط تماما التبعات الاقتصادية والجيوسياسية للحرب على العراق ،
وما هي الفائدة لأمريكا من إقامة نظام موال لها في العراق ، ولا شئ عن المخزون النفطي
، المُقدر حاليا الثاني في العالم بعد العربية السعودية ، ولا عن الوزن السياسي للعراق
في منطقة الخليج ، كما لم يذكر الإعلاميون العقود المنتظرة للشركات الأمريكية
لإعمار العراق من نفط العراق ( من لحيته بخر له ) ، وتجاهل الوزن السياسي لإسرائيل
في ظل وضع عربي واهن ، متخاذل ، لا يهم حكامه سوى مرضاة أمريكا للبقاء في السلطة. فوسائل
الإعلام الأمريكية لم تطرح هذه المسائل ، لتجعل الرأي العام الأمريكي يهتم بالأمور
الثانوية .
لكن من السهولة بمكان اكتشاف
الوجه المستتر للإستراتيجية الأمريكية بالرجوع إلى وثائق مؤسسة " مشروع القرن
الأمريكي الجديد " ، حيث تبين
دراستان على الموقع الالكتروني لها ، مؤرختان في حزيران ( يونيو) 1997 وسبتمبر(
أيلول) 2000 ، وهذا قبل استلام الرئيس بوش مقاليد الحكم بثلاثة أشهر ، تحددان
الأسس الإيديولوجية والعسكرية والاقتصادية التي يفترض بالسياسة الخارجية الأمريكية
القيام بها ، لتصبح الولايات المتحدة قائدة العالم ، وتعالج القضية العراقية تحت بند المصالح الاستراتيجية
الأمريكية ، وليست مسألة حقوق الإنسان والديموقراطية أو أسلحة الدمار الشامل وراء
ضرب العراق كما يزعم الرئيس بوش، بل
بقاء القواعد الأمريكية في منطقة الخليج سواء بقي أم رحل الرئيس صدام حسين ، المهم
الحيازة على منابع النفط ، وقد حذر الموقعون على الدراستين من بينهم رامسفلد ، باول
وديك تشيني وغيرهـم ممـن هم الآن في إدارة الرئيس بــوش ، " بأن القوة العظمى العالمية
الوحيدة " قد لا تنجز دورها التاريخي إذا عجزت عن استغلال الفرصة . وكانت
الفرصة في أحداث الحادي عشر سبتمبر 2001 ، حيث شرعت الولايات المتحدة في تنفيذ
مخطط الهيمنة ، وهذا ما جعل أوربا والصين وروسيا من الأعضاء الدائمين في مجلس
الأمن ومعهم ألمانيا، تشكل حلفا لمواجهة الخطر الأمريكي الداهم على مصالحهم . فيما
تشتت العرب مزقا ، وليس بمقدورهم اتخاذ موقف الحد الأدنى لدعم العراق دعما حقيقيا
وليس في البيانات الآسفة . ولو كانت لديهم غيرة على المصالح الوطنية كما يزعمون
لاتخذوا موقفا عمليا مع العراق ، لأن صموده الأسطوري أمام القوات الأمريكية
المدججة بأحدث الأسلحة ، ولا أقول انتصاره سيغير المعادلة الدولية في بحث تسوية
أوربية أمريكية تضع الخطوط الأولى لنظام دولي جديد ، لا ينبغي فيه غياب العرب وهم
واسطة العقد في المصالح الأوربية والأمريكية على السواء .