العالم العربي بين الوعي الماضوي القاصر والفعل العاجز
الدكتور عبدالله تركماني
فيما تستمر الحرب الأمريكية – البريطانية المدمّرة على العراق ،
وبقدر ما أوضح إرهاب ووحشية قوات الجيش الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني وسلطته
الوطنية ، وبؤس الحالة العربية التي وصّفها تقرير التنمية الإنسانية لعام 2002 ،
يمكننا أن نرى تشابها مثيرا بين وضع العالم العربي اليوم ووضعه في بداية القرن
العشرين . فتحت ضغط التحديات المتعددة أصبحت أسوأ السيناريوهات واردة ، بدءا من
تدمير العراق وتهجير أعداد من الفلسطينيين والتهديد بالفوضى الإقليمية ، مرورا بإحداث
تغيّرات مفروضة في الخريطة السياسية للمنطقة ، وانتهاء بتغيير بنيوي للعديد من
الأقطار العربية .
ومن المؤكد أنّ هذه الاحتمالات هي نتاج طبيعي لقصور الوعي والأوهام
الزائفة والممارسات الخاطئة والفعل العاجز التي سيطرت على العرب لفترة طويلة من الزمن
. وعموما كشف
هذا الوضع كم أنّ النظام العربي قوي وشديد البأس تجاه الداخل وضعيف وسريع العطب تجاه
الخارج ، بالرغم من كل الإنفاق على الجيوش والتسلح والأمن .
لقد تمددت
أهداف السياسة الأمريكية في المنطقة العربية من تأمين النفط وطرق وصوله وضمان أمن إسرائيل ، إلى ما هو أكثر
اتساعا وطموحا ، أي فرض سيطرة تامة ومباشرة على المنطقة العربية ، عبر منع قيام أية
قوة إقليمية تشكل تهديدا للمصالح الأمريكية والإسرائيلية . فمن الواضح أنّ العراق ،
وما يمكن أن ينزل به ، لن يكون سوى طرف خيط لتوجيه ضربة قاصمة للنظام الإقليمي العربي الذي يترنح أصلا . إذ
يجمع المحللون السياسيون على أنّ العدوان على العراق ستكون له الكثير من التداعيات
والتأثيرات ، ويؤكد هؤلاء أنّ المشهد الراهن للشرق الأوسط لابدَّ أن يتغير بصورة
جذرية ، حتى أنّ البعض بدأ يتحدث عن شرق أوسط جديد سيكون أحد أهم إفرازات هذا العدوان
الأمريكي - البريطاني ، بما ينطوي عليه ذلك من إعادة رسم خريطة التوازنات الإقليمية الجديدة وفقا لمعطيات القوة لأطراف
المنطقة .
وللأسف فإن العديد من الدول العربية التي كانت قد اعتادت أن
تشهر سلاح " السيادة " و " عدم التدخل في الشؤون الداخلية " في
وجه النظام الإقليمي العربي ، تجد نفسها اليوم عاجزة عن الدفاع عن سيادتها في وجه
القوى الأجنبية ، ومضطرة ، في غياب نظام عربي قوي يحميها ، إلى تقديم التنازل تلو
الآخر على حساب كرامتها أحيانا وعلى حساب سيادتها دائما .
والمؤسف أيضا
أننا ، في
مواجهة كل ما يجرى ، ما زلنا أكثر ميلا للهروب من مواجهة المشكلات الذاتية
وتأجيل الاستحقاقات الداخلية والتردد في التصدي للمناطق المحرّمة ، بما يخص قضايا السياسة
والفكر والاقتصاد والمجتمع ،
بسبب كوابح عديدة من أهمها ميل صنّاع القرار في أغلب الأقطار العربية للتركيز على المباشر
والسطحي والآني . وقد ظهر ذلك – جليّا –
في الملاسنات التي شهدها مؤتمرا القمة العربية والإسلامية مؤخرا ، إذ ظهر النقص في تقدير الموقف والرؤية المستقبلية والمقدرة
على التخطيط والتفعيل بما يساعدنا على حماية مصالحنا وقضايانا الوطنية والقومية .
إنّ حماسة العاطفة العربية التي تطفو على السطح ، في أغلب الأزمات
، هي التي كثيرا ما تجعلنا غير قادرين على تلمّس التحوّلات العميقة في المشهد
الإقليمي والدولي ، مما يحجب عنّا المقدرة على فهم الأوضاع وتقدير المواقف
ورسم السياسات الجديدة ، ويجعل عملية " لوم الآخر " على سوء
أوضاعنا واحدة من أكثر درجات التخلّي عن المسؤولية وأكثرها ضررا بأوضاعنا . وفي هذا السياق ، يجمّد البعض الفكرة القومية العربية عند
مرحلة تاريخية معينة أو لدى قيادة معينة ، ويعتبر أنّ أي نقد لأحد الطقوس أو
الرموز أو الشعارات أو المواقف خروج على الأمة . وفي هذه الظروف العصيبة التي تمرُّ
بها أمتنا العربية لا وقت للمزايدات وافتعال الخلافات الوهمية ، وتحميل مسؤولية ما
حدث على طرف أو أطراف دون الأخرى ، أو على النظم دون الشعوب ، إلى آخر هذه الرؤى
القاصرة التي أوقعت أمتنا في هذا المـأزق .
إن
التخلص من مثل هذه الرؤى والأوهام يتيح الفرصة لقراءة الواقع القائم قراءة موضوعية
، بعيدة عن التهويل أو التهوين ، من أجل التوصّل إلى أسلوب ملائم للتعامل معه ،
يسعى إلى الخروج من نفق الأزمة وتقليل الخسائر تمهيدا لتحقيق المكاسب والمصالح
لاحقا . مما يستدعي حضور فكر عربي منفتح وبراغماتي ومستقبلي ، ليس حبيس القوالب
الجاهزة ولا التمسك الجامد بالشعارات والنماذج اللاتاريخية . فكر يتفاعل مع
المعطيات الجديدة - باستمرار - ويستفيد من تغيّر السياقات العالمية الجيو- سياسية
والاقتصادية . إذ لا بدَّ من استيعاب أنّ
مجمل الظروف ، في العالم العربي وحوله وعلى اتساع العالم ، تؤكد أنّ الممكن المتاح
مرتبط بسياسة نَفَس طويل تقدر على المثابرة ، وعلى الصبر ، وتهيئ نفسها لكل الاحتمالات
دون أن تفقد اتجاهها مع أي ريح ، أو تترك هدفها يضيع من مدى بصرها بعد أول منحنى
على الطريق ! .
فإذا كان حرص الدول العربية على " سيادتها " و"
استقلالها " قد لعب فيما مضى دورا رئيسيا في إجهاض كافة المحاولات الرامية
إلى قيام نظام إقليمي عربي قوي ومتكامل وأضعف الجامعة العربية ومؤسساتها ، فلم يعد
لهذا الحرص ما يبرره في عالم اليوم ، لأنّ السيادة - بمعناها التقليدي - تغيّرت أو
تآكلت ، سواء من حيث المفهوم أو على الصعيد العملي .
إنّ الحاجة
ماسّة إلى نظام عربي جديد يتكيّف إيجابيا مع المتغيّرات الدولية ، ويستند إلى دول
عربية عصرية تقوم على أسس الحق والقانون والديمقراطية وحقوق الإنسان ، ويدرك عناصر
القوة الكامنة لدى الدول العربية ويفعّلها لما يخدم الأهداف المشتركة .
وانطلاقا من المعطيات
والرؤى ، الموصوفة أعلاه ، ثمَّة أهمية كبرى لصياغة استراتيجية عربية ، تقوم على :
أولا ، الاستيعاب
النقدي لفكر الآخر ، بمعنى المتابعة الدقيقة للحوار الفكري العميق الذي يدور في
مراكز التفكير العالمية ، وفي العواصم الثقافية الكبرى .
وثانيا ، النقد الذاتي للأنا العربية ، بما يعنيه
ذلك من ضرورة أن نمارس النقد الذاتي لممارساتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية
والثقافية في عقود مرحلة استقلالاتنا الوطنية على الأقل .
وثالثا ، إحياء فكرة
الإعمار التي هي من أهم الأرصدة الثقافية للحضارة العربية - الإسلامية ، بما هي
واجب الإنسان في الكون . خاصة وأنّ القول قد حلَّ محل الفعل في أداء رسالة الدور
الحضاري في ثقافتنا العربية ، حين اطمأن العرب إلى دورهم في الماضي ، فعكفوا على
تمجيده ، دون الإضافة إليه .
إننا نعيش
مرحلة انتقالية صعبة منفتحة على مختلف الاحتمالات ، خاصة على ضوء تداعيات الحرب
الأمريكية – البريطانية على العراق ، ولن يكون لنا ما نريد سوى بالتخطيط والعمل
الاستراتيجي في المديين القريب والبعيد .
تونس في
1/4/2003
الدكتور عبدالله تركماني
كاتب
وباحث سوري مقيم في تونس