قراءة في الموقف الفرنسي

 

في السياسة كما في التجارة يتعين وضع " موازنة حسابية " تحدد الربح والخسارة من أي تحركات ، والغنم والغرم من أي علاقات و تحالفات بشكل تصبح معه كل الأفعال وردود الفعل تنبع من المصلحة وتتفق معها ولا تعتمد على الإعجاب أو الاستلطاف العاطفي بحيث لا يكون في العلاقات السياسية  صداقة دائمة بل هناك  مصالح دائمة .

في رسم السياسة كما في أي نشاط إنساني أخر ليس هناك اشد ضررا"من الأوهام الناجمة عن تكوين فكري واجتماعي ينزع إلى التهوين أو التهويل خاصة إبان الأزمات والمعضلات .

إن الأزمة العراقية الحالية تدفعنا مرة أخرى إلى إعادة الحسابات بشكل دقيق لدراسة التحالفات الحالية في ظل عالم يشهد ثورة في الاتصالات والمعلوماتية ويرزح تحت وصاية قطب وحيد يتمثل في الولايات المتحدة الأمريكية .

وعلى مدار تاريخنا العربي الحديث كنا دائما" مخطئين في نظرتنا إلى الأصدقاء والحلفاء سواء بالمغالاة في قيمة ما يقدمه هؤلاء الأصدقاء أو في التقليل منه ، وأمثلتنا كثيرة تبدأ من أوائل القرن المنصرم وحتى الآن حينما عول العرب كثيرا" على مساندة تركية أثناء الاستعمار الفرنسي والبريطاني ، وعلى مساندة  ألمانيا أثناء الحرب العالمية الثانية والاستيطان اليهودي في فلسطين ، وعلى مساندة الولايات المتحدة الأمريكية  أثناء العدوان الثلاثي على مصر وبداية الصراع العربي الإسرائيلي ، وعلى مساندة الاتحاد السوفيتي – السابق – في صراعنا مع العدو الصهيوني ...الخ..ولم يزنوا الوزن الصحيح أسباب وحدود التعاطف الذي أبدته تلك الدول مع العرب لأن الساعات الحاسمة أظهرت بوضوح أن هذه المساندة كانت تهدف أولا" إلى تحقيق مصالح هذه الدول ، وأن سياستها الخارجية عامة كانت انعكاسا" مباشرا" وأمينا" لما يجري داخل أراضيها من أحداث وتطورات وتحقيقا" لسياسة ما يسود فيها من مصالح اجتماعية .

إن التقييم الواقعي للتعاون مع أي صديق أو حليف بما يكفل استفادة كل الأطراف من هذا التعاون يقتضي وضع أهداف كل طرف من هذا التعاون ، وهنا لابد من إدراك متعمق لطبيعة النظام الاجتماعي والاقتصادي الذي يمثله كل طرف ، فذلك يسهل كثيرا" إدراك مرامي حركته التاريخية .

وفي المرحلة الحالية من تاريخنا والذي تتعرض فيه الأمة العربية لأشد أنواع الابتزاز المتمثل بالعدوان الأمريكي على العراق ، ونتيجة للمواقف السياسية للدول الغربية وما نتج عنها من تجاذبات وخلافات تحتل فرنسا مكانة متزايدة الأهمية في نشاط الدبلوماسية العربية ، وحققت فرنسا بمواقفها الأخيرة بالوقوف إلى جانب الحق في أزمة العراق مكاسب هائلة في الشارع العربي من طنجة وحتى مسقط .

ولفهم الموقف الفرنسي علينا أن نفهم التطورات الداخلية في فرنسا ليسهل تحديد أهداف سياستها الخارجية ومن ثم إمكانيات وحدود التوافق مع هذه السياسة .

-   -   شهدت فرنسا في السنوات الأخيرة زيادة واضحة في عمليات الإنتاج ورؤوس الأموال للوصول بالمشروعات إلى الحجم الدولي القادر على المنافسة وفتح المنافذ والأسواق لكل منهما ، وترجع هذه الزيادة إلى أن تقدم العلوم والتكنيك لم يعد يتم اليوم بطريقة بطيئة ومستمرة بل يتحقق في قفزات تتتابع بسرعة ويتطلب تطوير القوى الإنتاجية على أساس  رؤوس أموال  ضخمة وخاصة بعد نشوء عامل إضافي أصبح أساسيا" في مجال الإنتاج وهو تمويل أبحاث مكلفة وطويلة كي لا تتخلف المشروعات الإنتاجية عن غيرها .

-   -   تفاقم الأزمة العامة للنظام الإمبريالي العالمي عقب سقوط الاتحاد السوفييتي وتصاعد الحركة الاشتراكية في أوربا الغربية المجاورة لفرنسا – البرتغال – انكلترةألمانية ....- وظهور الولايات المتحدة الأمريكية كمهيمن اقتصادي وحيد  تحت ستار العولمة ، كل هذا اثر على حركة السوق لفرنسا و فاقم من مشاكلها الاقتصادية .

-   -   إن الحكم الاشتراكي الطويل في ظل" فرنسوا متيران " وتنامي الحركة الوطنية اليمينية مؤخرا" أتاح للبرجوازية الاحتكارية الفرنسية أن تحول القطاع المؤمم في مجال الفحم والكهرباء والغاز والبنوك الكبيرة وشركات التأمين إلى قطاع دولة تابع للحكومة والى جهاز من أجهزتها التي تخدم تلك الاحتكارات ، وساعد قطاع الدولة بما قدمه من خدمات وتعويضات إلى ازدياد التركز في رؤوس الأموال .

-   -   انهيار الاستعمار الفرنسي تحت ضربات حركات التحرر الوطنية في العالم إضافة لتواجد الولايات المتحدة الأمريكية في تلك  المواقع التي خسرتها فرنسا في آسيا وأفريقيا أدى إلى عودة رؤوس أموال ضخمة كانت مستثمرة فيها .

كل هذا أتاح لفرنسا فرصة الاستخدام الأمثل لجهاز الدولة ولسياستها في الداخل والخارج لمواجهة المنافسة الضاربة مع الدول الغربية الأخرى وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية ، وبالفعل حققت فرنسا الأساس المادي للصمود في المنافسة الدولية ونجحت في استخدام السياسة الخارجية ومختلف روافع الدولة كالقروض والمساعدات وغيرها لغزو المواقع بأسلوب جديد يختلف عما كان شائعا" في الجمهورية الرابعة , حيث وفرت هذه السياسة أساسا" ماديا" واقتصاديا" وإيديولوجيا" للشركات الفرنسية لمواجهة المنافسة الضاربة مع الدول الإمبريالية الأخرى أما السياسة الخارجية فكانت انعكاسا" مباشرا" للمصالح السائدة في فرنسا من تكوين قوة رادعة خاصة وسلوك سياسة خارجية متوازنة تجاه آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط وبشكل متمايز عن المعسكر الأمريكي البريطاني ، وأدت سياسة التمايز هذه والاعتماد على التسلل " السلمي " بل واستخدام المعونات والقروض العامة للدول النامية  وإعادة جدولتها إلى اشتداد ساعد فرنسا في النضال ضد منافسيها وتعويض الضعف النسبي في إمكانياتها بالمقارنة مع الولايات المتحدة الأمريكية ، ولكن يجب ألا نغالي في هذا التمايز لان تدويل الإنتاج ورأس المال وتشابك المصالح وتصاعد النضال الطبقي وظهور مناهضو العولمة يدفع فرنسا إلى نوع من التضامن الإمبريالي .

لقد ركزت السياسة الفرنسية مؤخرا" على ثلاثة مجالات رئيسية بغية إيجاد المنافذ لصناعتها وتجارتها وتحقيق المكانة الدولية الفاعلة واللائقة ، وهذه المجالات هي :

1- 1- العلاقات مع المعسكر الاشتراكي السابق : لم تترك فرنسا حلفاؤها ينفردوا وحدهم بالتعامل مع السوق الشرقي الواسع ، حيث سعت فرنسا ومنذ انهيار الاتحاد السوفيتي لإيجاد علاقات تعاون وتبادل وتنسيق عريض مع روسيا ومع الصين ضاربة بعرض الحائط كل القيود والتحريمات الأمريكية مما اضطر الولايات المتحدة الأمريكية بدورها إلى الإسراع بالتعاون مع هذه الدول .

2- 2- الاتحاد الأوربي : اتجهت فرنسا أوربيا" محاولة إيجاد كتلة قوية تقف في وجه التسلط الأمريكي وكانت الخطوة البارزة في هذا الاتجاه تكوين الاتحاد الأوربي والذي عملت فيه  طويلا" على منع انكلترة من الانضمام إليه  حتى لا تنافسها فيه وحتى لا يتسرب الأمريكيون من ورائها إلى هذا الاتحاد ، ولما فشلت فرنسا في منع انضمام انكلترة حاولت تشكيل تحالف مع ألمانيا رغبة منها في تشكيل نواة أوربية تقف في مواجهة التناقضات التي تأخذ بخناق الاتحاد والسوق الأوربية .

3- 3-  التعاون مع بلدان العالم الثالث : وخاصة المستعمرات الفرنسية السابقة في أسيا وأفريقيا ، وهذا عبر ثلاث محاور :

أ‌-  أ‌-  التعاون والتنسيق مع هذه الدول في إطار منظمة الدول الفرانكفونية - الدول الناطقة باللغة الفرنسية –فرغم الواجهة الثقافية لهذه المنظمة إلا أن فرنسا كانت دائما" تعتبرها الساحة الخلفية لدبلوماسيتها ومتنفسا" مضمونا" لمواقفها السياسية في مواجهة الحلف الأمريكي البريطاني .

ب‌-ب‌-الدعوة إلى جعل " البحر الأبيض المتوسط " بحيرة سلام خاضعة لسيادة الدول المتشاطئة عليه تمهيدا" لقيام نوع من النشاط الاقتصادي بينها، والحقيقة أن فرنسا وجدت في بعض دول المغرب العربي من يساعدها في هذا المجال " فتونس مثلا" دعت إلى إخراج الأسطول الروسي من البحر المتوسط "، حتى إن هذه الخطوة على طريق الشراكة الأوربية المتوسطية دفعت الولايات المتحدة إلى طرح مشروع لمساعدة بلدان المغرب العربي على غرار مشروع مارشال الأوربي .

ت‌-ت‌-التعاون مع الدول العربية نظرا" لحاجة فرنسا إليها في الحصول على المواد الأولية والنفط ، لان هذا يوفر على فرنسا أجور النقل والشحن بسبب قرب الدول العربية منها ، إضافة إلى التقليل من اعتمادها على النفط الأمريكي ، ولهذا نجد أن العديد من الاستثمارات والامتيازات الفرنسية قد بدأت تجد طريقها في ليبيا والجزائر والعراق .

 

إن اتجاه فرنسا إلى البلاد العربية والبحر المتوسط فضلا" عن أنه يتفق مع حقائق التاريخ والجغرافيا، فإنه يوفر لفرنسا مواقع ثابتة وساحة خلفية تمارس فيها دورها كدولة كبرى، خاصة بعد تجمد الكادر الأطلسي منذ فترة طويلة تحت العباءة الأمريكية، إضافة إلى الأموال والرشاوى الأمريكية التي اشترت دول أوربا الشرقية بحيث أصبح التعاون مع هذه الدول شبه مستحيل وقد ظهر هذا الخلاف إلى العلن في أزمة العراق الحالية مما دعا الرئيس الفرنسي إلى وصف دول أوربا الشرقية المؤيدين للعدوان الأمريكي على العراق بألفاظ نابية !.

كل هذا دفع فرنسا إلى الاتجاه جنوبا" صوب العرب وساعدها على ذلك التورط الأمريكي مع إسرائيل ، يقول :" فيليب دي يان روبير " في منطقة الشرق الأوسط هناك أم تعيسة تنتظر أي شيء من فرنسا . وفعلا" استطاعت فرنسا ودون تكاليف مادية تذكر أن تحقق لنفسها الكثير ، لمجرد أنها اتخذت بعض المواقف العادلة بحق القضايا العربية : ففرنسا ومنذ البداية أدانت اغتصاب الأراضي بالقوة في فلسطين ، وأيدت إقامة دولة فلسطينية مستقلة ، وتوجد مفوضية لمنظمة التحرير الفلسطينية في باريس أيام كانت فيه المنظمة على قائمة الإرهاب الأمريكية ، أيضا" المواقف الفرنسية تجاه العدوان الصهيوني على لبنان كانت اقرب إلى العدل ومتمايزة عن مثيلاتها الأمريكية ،وتوجت هذه المواقف بتفاهم نيسان الذي تم بين إسرائيل والمقاومة اللبنانية برعاية فرنسية وفيه تم تشريع المقاومة .

وأخيرا" وصل تصاعد الموقف الفرنسي إلى حد استعمال الفيتو ضد العدوان على العراق مع العلم أن فرنسا لم تستعمل الفيتو إلا لمرات تحصى على أصابع اليد الواحدة ، ولم تكتف فرنسا بهذا بل إنها تقود حاليا" جبهة عريضة من دول كثيرة مناوئة للحرب ، حتى انه عندما كنت مع وفد شعبي في زيارة للسفير الفرنسي في سورية لشكر فرنسا على موقفها الأخير، قال السفير: إن موقف فرنسا ثابت ولن ينتهي بعد العدوان حيث إنه سيستمر لوقف العدوان وحشد الرأي العالمي كي تأخذ الأمم المتحدة دورها المبادر المسلوب أمريكيا" !!

إن نظرة سريعة على أرقام التبادل التجاري بين فرنسا وإسرائيل ومقارنتها مع حجم التبادل التجاري الفرنسي العربي تدل على أن الأخير اكبر بكثير حيث أن نسبة الصادرات الفرنسية إلى الدول العربية وصل إلى 10 % من مجموع صادراتها الكلية في حين لا تتجاوز صادراتها إلى إسرائيل نسبة 0،43 % من مجموع صادراتها ، أيضا" تبلغ الواردات الفرنسية من الدول العربية 12% من مجموع وارداتها الكلية بينما الواردات من إسرائيل لا تتجاوز ال 0،14 % ، وطبعا" بقية الأرقام الخاصة ببيع الأسلحة والاستثمارات والعمالة الخارجية تصب كلها في نفس المنحى .

إن العلاقات الفرنسية العربية عبر تاريخها مرت بثلاث مراحل :

1- 1- امتدت من العصر الاستعماري الفرنسي و حتى انتصار الثورة الجزائرية ، وفي هذه الفترة كانت هذه العلاقات العربية الفرنسية سيئة ومتدهورة .

2- 2- وبدأت هذه المرحلة تقريبا" من نهاية الحرب في الجزائر حتى نكسة 1967 وفيها استعادة فرنسا العلاقات الثنائية مع الدول العربية .

3- 3- وهذه المرحلة تمتد من نكسة حزيران وحتى الآن حيث تعمقت العلاقات العربية الفرنسية وانتقل العمل العربي فيها من المبادرات الفردية والمتقطعة إلى عمل منظم -إلى حد ما - لدعم العلاقات مع فرنسا وكانت أول بوادره عدم تأميم العراق لنصيب فرنسا في شركة بترول العراق وذلك عندما طرح العراق تأميم النفط .

 

صحيح أن فرنسا في كل مواقفها الأخيرة انطلقت من مصالحها الشخصية ، وصحيح أن فرنسا دافعت وتدافع عن حق إسرائيل في الوجود ، وربما يذهب البعض إلى وصف ما حدث بأنه منافسة مع الولايات المتحدة الأمريكية ربما تقود إلى حرب باردة جديدة .....ولكن علينا أن نعترف بأن هذه المواقف تخدم القضايا العربية ولا يضيرنا تقاطع المصالح في أن نجعل السياسة الفرنسية مثلا" يحتذي من باقي دول أوربا الغربية ، وبدلا" من وضع البيض العربي كله في سلة الولايات المتحدة الأمريكية علينا أن نركز الجهود على تعميم الموقف الفرنسي على كل أوربا وخاصة ألمانيا ، فنحن نبحث عن علاقات دولية تقوم على تعاون يحقق مصالح كل الأطراف على الرغم من اختلاف درجات النمو الاقتصادي وتباين الأنظمة الاجتماعية والسياسية بين هذه الأطراف دون أن نخدع أنفسنا بأوهام من عبارات " حليف دائم – شريك استراتيجي – دول صديقة ..." لان العلاقات الدولية الحالية قائمة على مبدأ البرغماتية ولا تعترف بالصداقة الدائمة بل تعترف بالمصالح الدائمة ،

إن هذا التعاون يستحق الاهتمام ويتطلب في المحل الأول وضوح الأهداف والبعد عن أي أوهام ، وهذا يتطلب  بدوره عمل طويل يستوجب قيادات مخلصة  تعمل لمصلحة بلادها قادرة على تحمل المسؤولية ، فالنوايا الحسنة لا تكفي .

 

د. عمار قربي  سياسي سوري