الحرب الوقائية بعد أحداث 11 سبتمبر من وجهة نظر القانون

الدولي وحقوق الإنسان - العراق نموذجا -

الدكتور عبدالله تركماني

مهدت جريمة 11 سبتمبر/أيلول لتحوّلات استراتيجية بارزة علي الساحة الدولية ، ليس فقط علي صعيد استراتيجيات الأمن القومي للقوى الدولية ، ولكن أيضا على صعيد إعادة هيكلة ورسم حركة التفاعلات الدولية ككل ‏.‏ وكانت فرصة لبناء‏ " استراتيجية الأمن القومي الأمريكي "‏ التي دعت إلى " الحرب الوقائية " ضد الدول " المارقة " و " المنظمات الإرهابيــة " .‏ لقد غيّرت هذه الاستراتيجية كل المفاهيم التي كانت سائدة ، وأرست مفاهيم مستحدثة للعلاقات الدولية ، وعناوين جديدة للنزاعات العالمية في القرن الواحد والعشرين .

 

الحرب الوقائية

لقد توجهت الطموحات الأمريكية الكبيرة إلى الانفراد بالقوة ، وربط السياسة الخارجية بالدفاع والعسكريتاريا والاقتصاد بالتسليح . مما جعل الكثيرين يتساءلـون : هل سيتجه القرن الحادي والعشرون ، أو على الأقل العقود الأولى منه ، ليكون قرن ما يمكن تسميته بـ " الحروب الوقائيـة " في العالم ؟ ! . وإذا كانت وثيقة " استراتيجية الأمن القومي الأمريكي " التي أعلنها الرئيس بوش في 20 سبتمبر/أيلول 2002 غنية بالمعلومات عن سياسة الولايات المتحدة الأمريكية فمن المفيد أن نتعرف على أهم ما جاء في خاتمتها التي تلخص فلسفة الاستراتيجية الجديدة . تقول الخاتمة : " لم يعد في زماننا فوارق فاصلة بين السياسة الداخلية والسياسة الخارجية . ففي المجتمع الجديد مجتمع العالم الواحد أصبح لجميع الأحداث التي تطرأ على أي جزء في العالم خارج حدودنا تأثير عميق على ما يجري داخل بلادنا . وقد أصبح واجبا علينا التعامل مع ظاهرة خطيرة هي : أنّ الأشخاص والتنظيمات السرية سيكون في إمكانها الحصول على وسائل التدمير التي كانت لا تصل إليها من قبل إلا الجيوش النظامية ، والأساطيل الحربية " .

إنّ جوهر مذهب بوش الجديد - القديم هو استعمال القوة في تحقيق الأهداف الديبلوماسية ، وتبنّي نهج التهديد وتحديث الأساليب القديمة في استعراض القوة ، واللجوء إليها دون تردد ، وتجاوز القيود والكوابح التي تحد من استعمالها . فلقد لوحظ أنّ من أبرز الأفكار أو المبادئ التي جاءت في هذه الوثيقة‏ :‏

(1) - أنّ الولايات المتحدة الأمريكية لن تسمح بتحدي تفوقها العسكري العالمي‏ ‏.‏

(2) - سوف تستخدم الولايات المتحدة قوتها العسكرية والاقتصادية لتشجيع قيـــــام " المجتمعات الحرة والمفتوحة‏ " ,‏ وستفعل كل ما في إمكانها للمحافظة علي وضعها بوصفها القوة العظمى الوحيدة في العالم‏ .‏

(3) - النظر إلي الإرهاب وامتلاك دول لأسلحة الدمار الشامل ‏,‏ باعتبارهما المحور الذي تدور عليه الاستراتيجية الأمريكية ‏,‏ بما يجعل رؤيتها قاصرة تجاه جميع المشكلات والتحديات الأخرى ‏,‏ التي تحمل تهديدا للأمن العالمي والأمن القومي للولايات المتحدة ‏.

(4) - الوثيقة تعكس في صياغتها وأفكارها طبيعة مجموعة " المحافظين الجـدد " المسيطرة على مفاتيح السياسة الخارجية في الولايات المتحدة‏ ,‏ وهي تتحدث بلهجة الغطرسـة‏ ,‏ ولن تقبل حلولا وسطا‏ ,‏ حين تقول علي وجه التحديد إنه عندما تكون المصالح الأمريكية المهمة موضع تهديد‏‏ فلن يكون هناك حل وسط‏ ,‏ وتحمل لهجة الفرض والإكراه ‏.‏ وهي بهذا تتجاهل مفهوم المشاركة والتعاون في مواجهة الإرهاب‏ .‏

ومن جهة أخرى ، تصر الولايات المتحدة على الحرب الوقائية لأسباب عديدة منها :

(1) - تنفيذ الأهداف على الأرض ، بمعنى تطبيق الاستراتيجية الأمريكية الجديدة بكل أبعادها ، السياسية والاقتصادية والأمنية .

(2)- أنّ للحرب فوائد عسكرية عديدة للجيش الأمريكي ، وفي مقدمتها : التخلص من الذخائر والأسلحة القديمة ، وإحلال أسلحة وذخائر حديثة ومتطورة ، بما يعني تشغيل مصانع السلاح وتنشيط مبيعاتها . وهي فرصة لـ " تجريب " أسلحة وذخائر الحرب الحديثة ، وهي الأسلحة الأكثر تطورا وتقنية والتي يطلق عليها " الأسلحة الذكية " ، في ميدان معركة حقيقـي .

إنّ الخطورة في استراتيجية " الحروب الوقائية " أنها ناتجة عن كونها مفتوحة الاحتمـالات ، لا تتقيد بحدود الجغرافيا السياسية ، ولا تحترم قواعد القانون الدولي ، ولا تهتم بمقولة " الأصدقاء " و " الأعداء " ، حيث يمكن أن تصنف الدول الصديقة في أية لحظة في خانة الأعداء ، ولا مانع من حدوث العكس إذا تطلبت " المصلحة القومية " ذلك !! . إضافة إلى لائحة هلامية ، متحركة ، سريعة التضخم والتقلب لما يسمى " المنظمات الإرهابية " أو " الجمعيات والدول الداعمة لها " .

ولعل من أهم الانتقادات التي يمكن أن نوجهها إلى هذه الاستراتيجية أنّ قرار الولايات المتحدة الأمريكية أن تمضي بمفردها للسيطرة علي استتباب الأمن العالمي لا يتسم بالواقعية‏ ,‏ وتحوطه مخاطر شتى ‏,‏ وأهم من ذلك أنه لا يمكن له أن يستقر ويستمر إلى ما لا نهاية ‏.‏ ولعل أخطر هذه الانتقادات جميعا أن الاستراتيجية الجديدة تفتح في الواقع باب الفوضى في العلاقات الدولية‏ ،‏ فإذا أعطت الولايات المتحدة لنفسها الحق في أن تضرب عسكريا في أي زمان وفي أي مكان ‏,‏ فما الذي يمنع دولا أخري مثل إسرائيل أو الهند أو باكستان أو الصين أو روسيا أن تسلك نفس السلوك ؟‏ .‏ فمن الواضح أنّ استراتيجية الضرب الوقائي هي الاستراتيجية التي تتذرع بها إسرائيل في تعاملها مع ما تدعيه " خطر الإرهاب الفلسطيني " وهي الاستراتيجية ذاتها التي بدأت الهند في اعتمادها مع باكستان .

ومن ناحية أخرى ‏,‏ هناك تناقض صارخ بين المبدأ الأمريكي الجديد والقانون الدولي ‏,‏ حيث يقوم المبدأ على حق الولايات المتحدة في أن تحدد ما هي مصالحها وما هي المصادر التي تهددها أو يحتمل أن تهددها ‏,‏ ثم تتصرف وفقا لهواها وبناء علي ما تراه دون نظر إلى أية تحالفات أو شراكات ‏,‏ الأمر الذي ينتفي معه المفهوم الأساسي للسياسة الخارجية الذي يعتبر القانون الدولي ركنا أساسيا من أركانها‏ ,‏ والذي يدعم الجانب الأخلاقي والإنساني للسياسة الخارجية ‏,‏ ويلزمها باحترام سيادة الدول وسلامة أراضيها ووحدة مجتمعاتها‏ ,‏ والذي يمنع التدخل في شؤون الدول الأخرى باستخدام القوة‏ .‏

 

القانون الدولي

واقع الأمر أنه إذا كان القانون الدولي هو " مجموعة القوانين التي تنظم العلاقات القانونية بين الدول في حالات السلم والحرب والحياد " ، فإنّ ما قامت وتقوم به الولايات المتحدة ، منذ 11 سبتمبر/أيلول 2001 ، خرق واضح لهذه المحاور الثلاثة جميعا . فمع أنّ الرئيس بوش كرر ، في تصريحاته وخطبه الأخيرة ، أنّ أمريكا " سوف تسعى باستمرار للحصول على دعم المجتمع الدولي " إلا أنه أكد : لن نتردد في التصرف لوحدنا إذا دعت الضرورة لممارسة حقنا في الدفاع عن أنفسنا من خلال التحرك بشكل استباقي ضد التنظيمات الإرهابية التي تهدد أمريكا " لمنعها من إلحاق الضرر بشعبنا أو ببلادنا " .

وقبل الشروع في تفصيل المخالفات التي قامت وتقوم بها الولايات المتحدة للقوانين والأعراف الدولية في العراق ، لا بد أولا من التذكير بأن فكرة القانون الدولي بمفهومه الحديث إنما أقره العالم أجمع بعد نهاية الحرب العالمية الثانية بالدرجة الأولى لتفـــــادي " مرارات الحروب التي جلبت للإنسانية الدمار مرتين في عصرنا الحاضر " ، كما نصّت على ذلك ديباجة ميثاق الأمم المتحدة .

(1) - تمثلت الخسارة الأولى التي منيت بها الشرعية الدولية في عهد بوش الابن في إصرار الولايات المتحدة على الانفراد بالقرارات السياسية والاستراتيجية بعيدا عن الإرادة الدولية .

(2) - جاءت المخالفة الثانية التي ارتكبتها الولايات المتحدة في التهديد باستخدام القوة العسكرية في العلاقات الدولية . فإنّ هذا في حد ذاته يتعارض مع نص المادة (4) 2 والتي تحرم مجرد " التهديد باستخدام القوة " في العلاقات الدولية .

(3) - ليس هناك شك في أنّ أهم المخالفات القانونية الدولية التي ارتكبتها إدارة بوش يتمثل بالاعتداء المسلح على دولة أخرى ذات سيادة . فالولايات المتحدة أجازت لنفسها استخدام القوة العسكرية من غير مسوغ قانوني دولي ، ومخالفة بذلك المادة (4) 2 من الميثاق التي تحرم " استخدام القوة في العلاقات الدولية " . إذ أنّ استخدام القوة العسكرية لا يجوز إلا في حالتين : فأما الحالة الأولى فهي حالة الدفاع عن النفس المفصلة في المادة 51 من الميثـاق ، وأما الحالة الأخرى فهي حالة تفويض مجلس الأمن لدولة ما أو مجموعة من الدول استخدام القوة العسكرية ضد دولة أخرى قامت بخرق القوانين الدولية كما أوضحت ذلك المادة 42 من الميثاق . وأما حالة الدفاع عن النفس المسموح بها في المادة 51 فهي إنما تجيز ذلك حال تعرض دولة ما لهجوم عسكري من جانب دولة أخرى فقط .

وهكذا ، فالغزو الأمريكي للعراق لا يمكن أن يبرر على أنه دفاع عن النفس طبقا للمادة 51 ، كما أنه لا يمكن أن يبرر بأنه مأذون به من جانب مجلس الأمن . فغني عن القول أنّ قرار مجلس الأمن 1441 لم يمنح الدول الأعضاء حق استخدام القوة ضد العراق ، ولولا هذا لما استماتت الولايات المتحدة لاستصدار قرار ثانٍ من مجلس الأمن يجيز استخدام القوة العسكرية ضد العراق .

وفي الواقع تشعر الإدارة الأمريكية أن الولايات المتحدة باتت على درجة من القوة لا تحتاج معها إلى حلفاء لخوض حرب في أي مكان من العالم ، وتاليا فإنها ليست مجبرة على استئذان الأمم المتحدة التي باتت ، من وجهة نظر الإدارة الأمريكية ، أداة يستخدمها الآخرون لغلِّ يدي الولايات المتحدة ، وهي ترى في ذلك انتقاصا من السيادة الأمريكية . فبعدما بات الفارق العسكري والاقتصادي هائلا بين الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي والصين ، لم تعد الأمم المتحدة ، حسب الإدارة الأمريكية ، تعكس حقيقة التوازنات الدولية .

 

 

العراق نموذجا

سيقال في المستقبل ، إنّ يوم الجمعة 20 سبتمبر/أيلول 2002 لم يكن يوما عاديا ، ففيه انحازت الولايات المتحدة إلى عقيدة عسكرية جديدة ، وفيه ، أيضا ، اختارت العراق حقل الاختبار الأول لتطبيق استراتيجيتها التي بدأتها يوم 20 مارس 2003 .

فمنذ اثني عشر عاما تعرض الشعب العراقي الشقيق إلى حصار شامل أدى إلى وفاة حوالي 1.5 مليون مواطن عراقي (مات عراقي في كل 6 دقائق) بسبب حرمانهم من الطعام والدواء . واليوم يبدو أنّ العراق كان مجرد عنوان لموضوع أكبر منه ، حيث كانت الحرب عليه التجربة التطبيقية الأولى لسياسة الضربة الوقائية ضد الأنظمة التي ترى الإدارة الأمريكية أنها تشكل تهديدا للولايات المتحدة في المستقبل ، سواء بإنتاج أسلحة الدمار الشامل أو بإنتاج " التطرف " الذي تعتبره العدو الذي ستواجهه في السنوات المقبلة .  وإذا كانت المعركة ضد الإرهاب هي من طراز جديد ، فإنّ الحرب على العراق هي تكرار شبه حرفي للحروب الاستعمارية في القرون الغابرة والتي شنت كلها ، تقريبا ، تحت اســم " تمدين الشعوب المتأخرة " .

والآن ، بعدما تم الغزو الأمريكي البريطاني للعراق نتساءل : ما هي الوسائل القانونية لإعادة إحياء دور الأمم المتحدة في المحافظة على السلم والأمن الدوليين ؟ . ولكن ، قبـل ذلك ، لنتمعن في الذرائع التي أعلنتها الولايات المتحدة الأمريكية لعدوانها على العراق :

(1) - أنّ العراق يهدد السلم والأمن الدوليين بامتلاكه أسلحة دمار شامل ، وقد لاحظنا سابقا أنّ أمر حفظ السلم هو من الاختصاص المانع لمجلس الأمن ، إذ يمتلك وحده سلطة استخدام القوة من جانبه تحديدا .

(2) - أنّ استخدام القوة ضد العراق يأتي من قبيل صيانة الذات أو حق الدفاع الشرعي ، مع العلم أنّ المادة " 51 " من الميثاق تتطلب ، لقيام الحق في الدفاع الشرعي ، وقوع هجوم مسلح أو التعرض لهذا الهجوم أو كونه وشيك ومؤكد . كما أنّ حق الدفاع الشرعي يمثل استثناء جوهريا على مبدأ حظر استخدام القوة في العلاقات الدولية ، هذا الاستثناء يجب عدم التوسع في تفسيره أو استخدامه ، بل يتعين أن يتحدد ببدء العدوان المسلح ، ولا يسمح بأي عمل عسكري يتجاوز ماهو ضروري لرده ، كما أنّ هذا الحق يجب أن ينتهي باتخاذ مجلس الأمن التدابير اللازمة والتي يرى ضرورتها .

(3) - الاستناد إلى فكرة " الإرهاب الدولي " ، وكون العراق راعيا للإرهاب ومصدرا لـه . هذه الحجة لا يمكن التعويل عليها أو تصديقها كمبرر لاستخدام القـوة الأمريكية البريطانية ، خاصة بعد صدور إعلان الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 50/53 بتاريخ 9 ديسمبر/كانون الأول 1994 المتعلق بالتدابير اللازمة والداعية إلى القضاء على الإرهاب الدولي ، والتزام المجتمع الدولي بالقضاء على الإرهاب وتأكيد هذا الإعلان بمناسبة مرور خمسين عاما على إنشاء الأمم المتحدة في العام 1995 ، وبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول2001 .

أما الحديث عن جرائم الحرب التي ارتكبتها قوات الغزو والاحتلال فإنه يستند إلى أنّ القانون الإنساني الدولي ، مثله مثل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ، مرجع دولي هام لا يميز بين العرق والقومية والدين ويجب علينا إبرازه في كافة المحافل رغم صعوبات الوضع الميداني والسياسي وضعف آليات المحاسبة . فقد استعملت الولايات المتحدة‏ 800 ‏ طن من ذخائر تحتوي على اليورانيوم المنضب خلال الحرب الأولي على العراق يصعب السيطرة عليها في حقل المعركة بشكل قانوني وذلك بسبب انتشاره في الهواء وتلويثه للجو ، ‏ كما يبقي فعالا لمدة طويلة بعد انتهاء الحرب ،‏ فهو مادة لا إنسانية تسبب الموت والأمراض الخطيرة للمدنيين والعسكريين كما تسبب العاهات وأمراض الولادة لأجيال متعددة‏ ( في تقرير صدر في سبتمبر/أيلول من العام 2002 متضمنا إحصاءات ، هنالك ما يشير إلى أنّ مائة وستين ألفاً من الذين شاركوا في حرب الخليج الثانية عام 1991 هم معاقون وأن ثمانية آلاف توفوا مـــن " أعراض حرب الخليج " ) .

وفضلا عن هذه المادة الخطرة استخدمت في الحرب الأخيرة قنابل غازية وعنقودية وانشطارية تزن بعضها عشرة أطنان ، ولا يعلم مدى تأثيرها وأضرارها وما تتضمنه من محتويات بيولوجية أو كيماوية أو غير ذلك مما لم يعلم أو لم يعلن عنه . وهي جميعها تؤدي إلى مخاطر جسيمة لا داعي لها منتهكة بذلك جميع القيم الإنسانية ،‏ ولا يستطيع أحد أن يجزم بأن مثل هذه الأسلحة موجهة ضد عسكريين لأنها تنتشر مع الرياح وتصيب المدنيين‏ ، وهي خرق فاضح يشكل إبادة جماعية للمدنيين يخالف ما تنص عليه معاهدة جنيف‏ .

وهكذا فإنّ " محرري " العراق من الديكتاتورية أغرقوه ، مجددا ، بالنفايات السامة الخطـرة ، التي ينتشر ركامها في أرجاء العراق . وبدلا من تحذير المواطنين من مغبة الاقتراب منها ، وإزالتها ، يواصلون تضليلهم للرأي العام العالمي ، ويكذبون عليه ، بزعمهم بأنّ ذخيرة اليورانيوم المنضب لا علاقة لها بالأضرار الصحية والبيئية التي انتشرت عقب استخدامها هناك ، كي لا يعترفوا بارتكابهم لجريمة حرب باستخدامهم لسلاح فتاك ، مشعٍّ وسامٍّ . وكي لا يتحملوا مسؤولية تنظيف المنطقة من بقاياه ، إلى جانب معالجة المرضى ورعايتهم ، ودفع تعويضات لضحاياه .

وبخصوص حماية المدنيين ، فمن المعروف أنّ هناك ملحقا خاصا باتفاقية جنيف ينص علي حماية أمن المدنيين ، يعتبر من لا يفعل ذلك مجرم حرب . ‏ وما فعلته أمريكا في حربها الظالمة غير الشرعية ضد العراق يعد انتهاكا سافرا لهذه القوانين‏ ،‏ فهي مارست أبشع أنواع القتل والفتك بالمدنيين بضربهم بقنابل عنقودية . ‏

كما أنّ المعاملة القاسية التي يلقاها الأسرى ، بما فيهم الأسرى العرب ، والرفض الأمريكي لإعطائهم حقوقهم القانونية الدولية حسب ما نصت عليه اتفاقية جنيف الثالثة لأسرى الحرب عام 1949 (المواد من 4 - 20) ، أمر غير مقبول . بل أنّ إصرار الولايات المتحدة على عدم اعتبار هؤلاء المقاتلين أسرى حرب قد يزيد من تورط الحكومة الأمريكية . إذ أنّ هؤلاء المقاتلين إما أن يكونوا أسرى حرب أو أن يكونوا مختطفين ، وأحسب أن الولايات المتحدة غير مستعدة لقبول هذا الأخير. 

ويبقى السؤال الأخير عن هذا " النموذج الديمقراطي " التي أعلنت الإدارة الأمريكية أنها ستقيمه في العراق ثم تقوم بتصديره إلى باقي الدول العربية ، فمنذ متى كانت الديمقراطية يتم فرضها بالقنابل وعلى جثث الشعوب ؟ ومنذ متى كانت الولايات المتحدة حريصة على بناء الديمقراطية في العالم العربي ؟ وكيف سيتم بناء الديمقراطية في العراق وهو تحت حكم الجنرالات الأمريكيين ، وهل سيختلف " النموذج " الأمريكي هنا عن النموذج الذي تم بناؤه في أفغانستان ، أم أنّ الشعب العراقي سيُجبر ، تحت حكم الجنرال غارنر ، على " الاستمتاع " بديمقراطية كتلك التي " يتمتع " بها الشعب الفلسطيني وهو في أسر الجنرال شارون ؟ . أسئلة تستحق أن نناقشها طويلا ، وأن يطرح الجميع رؤاهم حولها .

الواضح أنّ الشعب العراقي لم يقبل تماما تلك الأطروحة الأمريكية التي تقول‏ :‏ إنّ الولايات المتحدة سوف تقوم بإقامة الديمقراطية في العراق ، لأنّ تاريخها ملتبس في هذا المجال على أحسن التقديرات‏ ,‏ فمن بين ‏18‏ محاولة لتغيير نظم الحكم بالقوة المسلحة‏ ,‏ لم تنجح أمريكا في إقامة نظام ديمقراطي إلا في خمس فقط من الحالات هي علي وجه الحصر‏ :‏ ألمانيا واليابان وإيطاليا وبنما وغرينادا‏.‏ وفي غير ذلك فإن الولايات المتحدة لم تنشئ إلا أشكالا مختلفة من العملاء والحكومات والسلطات الديكتاتورية‏ ,‏ بالإضافة إلى مساندتها لقائمة طويلة أخرى من هذه النوعية في أماكن متعددة من العالم‏ .‏

وهكذا ، ليس في القوانين الدولية ما يجيز مثل هذه الحرب الظالمة ، حتى لو توفرت لها بعض المبررات . ثم أنّ هذه الحرب لا تزال خارج الشرعية الدولية ، بل لا تزال قوة الاحتلال تستبعد دخول الشرعية الدولية عبر الأمم المتحدة على الخط . ولعلها ستسمح بدور للمنظمة الدولية ، لكنها ستكبله بالشروط . والأكيد أنّ الإدارة الأمريكية تفضل إبقاء الوضع العراقي خارج القانون الدولي لتحافظ على حريتها في التصرف .

وفي ضوء هذه الاعتبارات تبدو الأمم المتحدة والتكتلات الإقليمية مدعوة إلى أدوار إنسانية من شأنها تجميل الاحتلال ومدّه بـ " شرعية " فعلية فوق قانونية . ولا شك في أنّ فشل المجتمع الدولي في إجازة " حرب شرعية " بتحالف دولي حقيقي ، سيمكّن الولايات المتحدة من استبعاد أي تأثير للمجتمع الدولي في المراحل التالية من استراتيجية " الحروب الوقائية " ، لأنها ستأتي على شكل نتائج " طبيعية " للحملة على العراق .

وإزاء كل المخالفات القانونية ، الموصوفة أعلاه ، فاجأ الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان خلال الدورة التاسعة والخمسين للجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة المجتمعة في جنيف مؤخرا - التحالف الأمريكي - البريطاني بمطالبته البلدين بـ " تحمّل مسؤولياتهما كقوة احتلال " تجاه المدنيين في العراق وباحترام معاهدات جنيف عن أسرى الحرب بدقة . إذ قال : " آمل من كل قلبي أن يكون التحالف قدوة وأن يعلن بوضوح عزمه على الالتزام بدقة بمعاهدات جنيف وقواعد لاهاي بشأن أسرى الحرب بدقة ، وأن يتحمل مسؤولياته كقوة احتلال في ما يتعلق بالحفاظ على النظام العام والأمن وسلامة المدنيين " .

وفيما يتعلق بالمرحلة المقبلة في عراق ما بعد الديكتاتورية ، أثارت التصريحات الصادرة عن مسؤولين في الإدارة الأمريكية جدلا واسعا في أوساط العاملين في مجال القانون الدولي ، وبخاصة ما تتضمنته من إبرام تعاقدات مع الشركات العالمية الكبرى لإعادة الإعمار بمبالغ مالية تتجاوز المليارات ، وطفت على السطح تساؤلات عديدة أهمها : مدى مشروعية الاتفاقيات والتعاقدات الدولية التي تعقدها سلطات الاحتلال أو الحكومة العراقية المؤقتة في ظل وجود الحاكم العسكري الأمريكي ، وكذلك نطاق التزام الحكومة العراقية الشرعية في المستقبل بالعمل بتلك المعاهدات أو تنفيذ التعاقدات .

إنّ الفترة الانتقالية هي فترة احتلال تنظمها قواعد قانون الحرب , فالعراق محتل من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا ، وهذا الاحتلال تترتب عليه مسؤوليات هي المحافظة على المدنيين والمكان وإنهاء الاحتلال بأسرع ما يمكن حسب القواعد والمواثيق الدولية ، لكنها قوى احتلال تكتسب مشروعيتها من القوة وليس من القانون بدليل رفض الأمم المتحدة ومجلس الأمن لقرار الحرب ، لذلك نحن في مواجهة احتلال لا توجد له أي شرعية دولية يوشك أن يعتبر جريمة من جرائم القانون الدولي .

وهكذا ، فقد أثار الاحتلال الأمريكي - البريطاني للعراق عدة تساؤلات بشأن الحريات الفردية وحقوق الإنسان وحق تقرير المصير للشعب العراقي ، فما هي حالة هذه الحقوق في ظل غياب الشرعية الدولية ؟ .

ما يجري في العراق يتنافى - جملة وتفصيلا - مع حقوق الإنسان ، سواء تعلق الأمر بالأسرى أو بالأطفال أو بسائر المواطنين العزل . فالشعب العراقي اليوم ، ورغم تخلصه من سلطة مستبدة ، يعاني تحت الاحتلال الأمريكي من مشاكل عديدة تبدأ بنقص المياه والكهرباء وتنتهي بانعدام الأمن والاستقرار . الشعب العراقي من حقه أن يقرر مصيره ويختار النظام السياسي الذي يليق به بعيدا عن وصاية جاي غارنر وغيره من ممثلي تجار الأسلحة والحروب . فكيف سيكون مستقبل حقوق الإنسان في ظل انعدام الشرعية الدولية ؟ وكيف سيكون مستقبل حقوق الإنسان في ظل شلل - شبه تام - للأمم المتحدة ومنظمات دولية أخرى عديدة ؟ أليس من حق أطفال العراق العيش في ظل السلام والحرية والاطمئنان ؟ .

يبدو أننا دخلنا مرحلة دقيقة جدا ، مرحلة إعادة ترتيب الأوراق دوليا وإقليميا ، وربما إعادة ترتيب الأنظمة والدول والحدود . فالحرب ضد الإرهاب ستغيّر كثيرا من المفاهيم السائدة بين الأمم ، تماما كما غيّرت نهاية الحرب العالمية الثانية مفاهيم العلاقات والتوازنات بين الدول . ومن المؤكد أنّ الولايات المتحدة الأمريكية ليست بريئة من تضخيم حالة التسيّب التي تكتنف السياسة العالمية ، ولكنّ المسؤولية لا تقع عليها وحدها ، فالمشكلة تتعلق بالفراغ القيادي على أكثر من مستوى في عالم ما بعد الحرب الباردة . فهو بداية يكمن في عدم صلاحية النظام الدولي القائم حاليا لإدارة المجتمع الدولي ، فمن عادة التاريخ أن يُنتج " نظاما ما " بعد نهاية الحروب الواسعة ، وهذا على الأقل ما أكدته القرون الأربعة الأخيرة .

وها أنّ الحرب الباردة قد انتهت منذ أكثر من عقد ، وبمنطق التاريخ في القرون الأربعة الماضية ، كان على العالم إعادة التنظيم للوصول بالمجتمع الدولي إلى مرحلة أفضل من التنظيم وابتكار أفكار جديدة ليتأسس عليها عالم اليوم بعد محنة الحرب الباردة ، لكنّ هذا لم يحدث بالرغم من محاولات التطوير التي شهدتها المنظمة الأممية تحت عنوان " الديبلوماسية الوقائية " .

وفي مثل هذه اللحظات التي تختلط فيها المعايير وتغيب فيها النظم القيمية الواضحة القائمة على الأخلاق ، ويضرب فيها بعرض الحائط مصالح البشرية وخبرتها التاريخية كلها ، وتتجسد فيها مساعٍ حميمة لبلورة نظام تفاعلات دولية غير تعددي ، ولا يعترف إلا بمصالح قوة وحيدة ومن يسيرون في ركابها ، وتتعاظم فيها النزاعات الأحادية الاستعلائية ، تصبح البشرية بأسرها أمام تحدٍ واختبار كبيرين ، لا تنفع فيهما التحركات المنفردة ، ولا تصلح فيها النزاعات الانتقامية العابرة . ويكون الخلاص في استراتيجية مواجهة هادئة ، يجتمع حولها المتضررون ، يقيمون بأنفسهم ولأنفسهم صرحا من الحماية وبناء من القوة المضادة لكل ما هو انعزالي وانكفائي وذي طابع استعماري امبراطوري ، لم يعد يتناسب من النضج الإنساني الذي وصلت إليه المجتمعات البشرية ، رغم ما يواجه بعضها من مشكلات تأخر ونمو.

فبقدر رفض المجتمع الدولي لجريمة 11 سبتمبر/أيلول 2001 مهما كان مصدرها ودوافعها ، إذ هي خروج على القانون الدولي ، لا بد من رفض التدخل في الشؤون الداخلية وتغيير حكومات الدول بالقوة . لقد بُذلت محاولات جادة في بناء مجتمع دولي يسوده القانون ، وما تم تحقيقه وإن كان قاصرا ، بسبب سيطرة خمس دول على مجلس الأمن من خلال حق النقض ، إلا أنه أفضل مما كان عليه الحال في الماضي . وهذا النظام - الآن - مهدد من قبل دولة فقدت قيادتها الرشد في التعامل مع الأحداث العالمية ، إذ تتصرف وكأنها الحكومة العالمية المخوّلة بتسيير شؤون العالم .

وإزاء ذلك ثمة حاجة إلى أن يثور العالم أجمع في وجه هذا الطغيان الأمريكي ، فالعمل الدولي يتطلب العدل والإنصاف ، والقرية الكونية الصغيرة التي نعيش فيها لا يمكن أن تحتمل مثل هذا الجور . لذلك فإنّ العالم كله ، بدوله وهيئاته ومنظماته المختلفة ، مطالب بالعمل لحماية نفسه من بطش هذه الديكتاتورية الدولية المنفلتة ، وفي الوقت ذاته لحماية أمريكا نفسـها . ولن يكون ذلك من خلال المواجهة العسكرية ، بالضرورة ، وإنما بعدم تمكين الإدارة الأمريكية من تنفيذ مخططاتها وسياساتها العدوانية ، وكذلك دعم الأصوات والقوى الأمريكية التي تعارض توجّهات " المحافظين الجدد " المتحكمين بمفاتيح الإدارة الأمريكية الحالية . ومن أجل ذلك لا بد من مؤتمر دولي تدعى إليه منظمات المجتمع المدني العالمي من المنظمات غير الحكومية العالمية كافة وقادة الفكر في العالم ، لبلورة جيل ثالث من المنظمات الدولية يعبّر عن الجمعيات غير الحكومية وممثلي المدن والبرلمانات والمثقفين ، كفاعل دولي جديد ، للإسهام في إدارة العلاقات الدولية لتوفير حد أدنى من الديمقراطية في المنتظم الأممـي ، ولضمان تحقيق الديمقراطية داخل أية منظمة أخرى تتولى في المستقبل الإشراف على العلاقات الدولية .

ومن مؤشرات ذلك ، إعادة النظر في تكوين الأمم المتحدة ودورها في بناء نظام عالمي قائم على إشاعة العدل والحق في العالم ، وتحويل الصراع في العالم صراعا سلميا بين الرؤى والسياسات . إنّ مكافحة الاستبداد والجهل والمرض والتأخر والفقر وإشاعة ثقافة الحوار والعدل والديمقراطية والحريات العامة وإنهاء بقايا النظام الاستعماري هي جدول الأعمال الذي يحوّل جريمة القتل الجماعي في نييورك وواشنطن ، وقبلها في ملجأ العامرية ببغداد وكافة المدن الفلسطينية وكذلك المدن الأفغانية والعراقية ، من مناسبات للحزن والسخط إلى فرصة للأمل .

إنّ الشرط الحقيقي لحياة أكثر حرية هو وجود بيئة دولية أقل تورطا في إنتاج العداوات ، بعدما تبين أنّ بيئة مؤهلة لإنتاج الكراهية والحقد ليست آمنة حتى لو امتلكت أعتى ترسانة أسلحة في العالم . كما أنّ أنجع ما تزيل به الولايات المتحدة الأمريكية مشاعر الكره والعداوة ضدها في بقاع العالم كلها هو إصلاح تصوّرها للعالم من حولها وإصلاح سياستها الخارجية وربطها ربطا حقيقيا بمبادئ القانون الدولي والشرعة الدولية لحقوق الإنسان ، وإنّ أعظم خطوة في إصلاح تلك السياسة هو بناؤها على الأخلاق وربطها بالقيم وتطهيرها من الميكيافيلية الجامحة التي التصقت بها . إنها مطالبة بأن تقف مع الحق ومع مصالحها الحقيقيـة ، لا مع رغبات أصحاب المصالح الضيقة من الصهاينة والرأسماليين المتوحشين وأشباههم من قوى الضغط المنفلتة من عقالها .

وعلى الصعيد العربي يبدو أنّ الإنجاز الداخلي - فقط - هو الذي يفتح الباب أمام تحقيق تطلعات شعوبنا العربية في المنظومة الدولية ، مما يعني حل معضلات إعادة البناء الاقتصادي والتنمية الشاملة والديمقراطية السياسية والازدهار الثقافي والتوحيد القومي ، من خلال صياغات عقلانية تطلق الإمكانات الهائلة لشعوبنا . ففي العالم العربي لا يجوز الدفاع عن الأمر الواقع الراهن الذي استنفد طاقة المجتمعات العربية وجعلها بؤرة للطغيان والإرهاب والفساد والتفاهة ، ولا يجوز أن ندافع عنه ضد أعدائه إلا في سياق كسر هذا التكامل القدري بين سلطات دول الطغيان والطاغية العالمي الأوحد . باختصار يدور الأمر حول وحدة معركة الحرية : استقلال الوطن وحرية المواطن والإنسان ، التحرر من السيطرة الخارجية لا كبديل عن الحرية السياسية والثقافية وحقوق الإنسان بل كأفضل شرط لتحقيقها . فبكل بساطة لا يمكن للشعوب أن تدافع عن سلطات دول تجوّعها وتحاصرها وتساومها حتى على حقها في مناقشة الشؤون العامة .

 

لقد قيل إنّ هذه الحرب شنت من أجل اكتشاف وتدمير أسلحة الدمار الشامل العراقية ، وهاهي الحرب قد انتهت ولم يتم العثور على أي نوع من أسلحة الدمار الشامل ، فما هو الأساس إذن لشن هذه الحرب : هل للسيطرة الاستراتيجية أم السيطرة على النفط أم تعزيز الدور الإسرائيلي في المنطقة أم محاصرة إيران أم الضغط على سورية أم نشر الديمقراطية ؟ أليس من حق البشرية أن تعرف الجواب ولو بعد الحرب ؟ .

 

تونس في 3/5/2003 الدكتور عبدالله تركماني

كاتب وباحث سوري مقيم في تونس

 

 

 

ملاحظة : نص الورقة المقدمة إلى ندوة حول " حقوق الإنسان : المخاطر والتحديات " دعت إليها : الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان ، والمعهد العربي لحقوق الإنسان ، والجمعية التونسية للمحامين الشبان ، ومنظمة العفو الدولية فرع تونس ، يوم السبت 3/5/2003 .