البرنامج الوطني لمكافحة البطالة بين الواقع والطموح

 

أسامة المصري

 

    إن مشكلة البطالة في سورية ليست وليدة اليوم بل بدأت تبرز في النصف الثاني من الثمانينات، نتيجة معدل الزيادة السكانية المرتفع، وعدم ملاقاتها بخطط تنمية اقتصادية تتناسب مع هذه الزيادة المتسارعة، أو العمل على الحد من هذا التسارع في الزيادة السكانية، إذ خلال العشرين عاماً الماضية تضاعف عدد سكان سوريـة مــن /8.643.000/ نسمة عام 1980 ليصل في عام 2000 إلى /17.6 / مليون  نسمة، حيث تعتبر معدلات الزيادة السكانية في سوريـة من أعلى المعدلات في العالم إذ تبلغ 3.3%.

      ويقدر عدد العاطلين عن العمل في سورية حسب نتائج مسح متعدد الأغراض أجري عام 1999 بــ/432/ ألف شخص عاطل عن العمل، ويقدر عدد القادمين إلى سوق العمل سنوياً ما بين/ 150ـ 300 /ألف شخص، وتحتاج سورية إلى نمو اقتصادي بمعدل 6% سنوياً حتى تستطيع استيعاب هذا العدد، ونسبة البطالة حسب التقديرات الرسمية تبلغ 9.5% من حجم قوة العمل، وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن هذا العدد يصل إلى 30% ــ لكن لن نتعامل مع هذه التقديرات ــ  وتتركز البطالة بين الشباب، وتبلغ نسبة البطالة في الفئة العمرية  15 ـــ24 سنة حوالي 70% عام 1999 ، وتتركز عند الأميين وخريجي المدارس الابتدائية ــ وهم غالباً أشباه أميين ــ والإعدادية إذ تبلغ نسبة هاتين الفئتين 82.4% من حجم العاطلين عن العمل.

      ويأتي مشروع مكافحة البطالة الذي يهدف إلى تأسيس فرص عمل دائمة بقيمة /50/ مليار ل.س ليساهم في حل هذه المشكلة، إذ سيقدم للمواطنين العاطلين عن العمل أموالاً على شكل هبات أو      

قروض ، وستتيح هذه الأموال للمواطنين إقامة إما مشاريع للتشغيل الذاتي الصغير أو لتشغيل عدد قليل من الناس في إطار مؤسسات صغيرة... وحسب البرنامج الوطني لمكافحة البطالة الذي سينفذ على مدى خمس سنوات سيتم توفير /50/ ألف فرصة عمل في السنة الأولى و/90/ ألف فرصة في الثانية و/110/ ألف في الثالثة و/120/ ألف في الرابعة و/70/ ألف في الخامسة، إذاً ستساهم هذه الخطة في حل مشكلة /440/ ألف عاطل عن العمل خلال الخمس سنوات القادمة، ولنرى إلى أي مدى ستعالج الخطة مشكلة البطالة؟

     إن تحقيق معدل نمو يصل إلى 6% في الأمد القصير أمر مستبعد حيث يقدر معدل النمو الاقتصادي الحالي لا يصل إلى 2%، إلا أن بعض التقديرات الغير رسمية تشير إلى أن الرقم أقل من ذلك أي ليس هناك نمو، لكن يمكن للنمو الحالي أن يكون قادراَ على استيعاب أقل من نصف  القادمين إلى سوق العمل أي حوالي /100/ ألف شخص ــ وهذا العدد قد يكون مبالغا فيه ــ ، وبالتالي سينضم إلى صفوف العاطلين عن العمل حوالي /150/ ألف شخص، وقدرت الإحصائيات عدد العاطلين عن العمل  مع نهاية عام 2000 حوالي / 600 / ألف عاطل عن العمل، ووصل هذا العدد مع نهايـة العام 2001 إلى / 750  / ألف عاطل عن العمل وسيكون العدد مع نهاية عام 2002  / 900 / ألف عاطل عن العمل وبالتالي فإن عدد العاطلين عن العمل سيكون في عام 2005 عند انتهاء الخطة الأولى لمكافحة البطالة أكثر من 1350.000 عاطل عن العمل تم تشغيل  440.000 منهم وسيبقى 910.000 عاطل عن العمل،سيتم استيعاب حوالي النصف إذا أرتفع معدل النمو ليصل إلى 3%، هذا دون حساب الزيادة السكانية وما ستقدمه إلى سوق العمل سنوياَ إذ سيصل عدد سكان سورية في عام 2005 إلى أكثر من /20/مليون نسمة.  

 

     وعلى الرغم من أهمية الفانون 71 الذي صدر عام 2001  والذي  سيساهم بالتأكيد  في تخفيف حدة أزمة البطالة إلا أنه لن يحلها في مثل الأرقام المتواضعة التي سيوظفها في هذا المجال خاصة إذا علمنا أن تقديرات خبراء الاقتصاد تقول أنه يلزم لمكافحة البطالة حوالي 24 مليار دولار أمريكي. وكذلك إذا علمنا أنه ومنذ صدور قانون الاستثمار رقم / 10 / عام1991  وحتى عام 2001 أنشأ / 2211 / مشروعاَ بلغت تكاليفها الاستثمارية أكثر من /349 / مليار ليرة سورية وهذه المشاريع وفرت /105836 / فرصة عمل، فكيف ستوفر الخمسين مليار ليرة سورية 440 ألف فرصة عمل؟ وكيف ستستطيع مشروعات فردية صغيرة منافسة أو الصمود أمام المشروعات الكبيرة ونحن في زمن التجمعات الصناعية الضخمة والإنتاج المكثف، ولن نهمل حساب أنه سيكون هناك مشروعات عامة وخاصة ستستوعب عددا من القادمين إلى سوق العمل، لكن لابد من الإشارة أيضاَ أن معظم هذه المشروعات تستخدم تكنولوجية متطورة لا تحتاج إلا إلى عدد قليل من الفنيين والمهندسين، وبعض المنشآت الصناعية بدأت باستخدام الأتمتة الكاملة، مواكبة التطورات التكنولوجية و لتستطيع المنافسة بالجودة  والأسعار.      

      إذا  نلاحظ أن مشكلة البطالة لم تحل وإن العدد قد أصبح تقريباً الضعف بعد خمس سنوات، هذا إذا تعاملنا مع التقديرات الرسمية، أما إذا نظرنا إلى التقديرات( حيث أننا لا نستطيع الركون إلى تلك التقديرات نتيجة التضارب في مصادر المعلومات فمثلاَ منذ أيام صرح السيد وزير الاقتصاد في حديث صحفي أن سبب انخفاض الليرة السورية مقارنة بالدولار هو قل عدد السياح  في هذا الموسم بينما  أشار السيد وزير السياحة أن في أكثر من تصريح صحفي أن عدد السياح كان أكثر في هذا العام وتحديداَ العرب منهم  مقارنة بالعام الماضي)  الأخرى فإن المشكلة ستكون أعقد بكثير، وقد يرتفع العدد الحالي ليناهز المليون عاطل عن العمل ويتطلب الأمر العمل على مستويين الأول مستوى اقتصادي والثاني اجتماعي :

في المستوى الأول:

       أولاً  : العمل على زيادة معدل النمو الاقتصادي واتخاذ إجراءات اكثر جذرية في عملية الإصلاح الاقتصادي ومكافحة الفساد الذي بدد الثروة الوطنية على مدى سنوات طويلة.

       ثانياُ : العمل على إيجاد فرص عمل في إطار مشروعات استثمارية كبيرة خاصة إذا علمنا أن /254/ مشروعاً بحجم استثمارات /100/ مليار ل. س قد وفر فقط /22/ ألف فرصة عمل، فإننا سنتوقع كم من المليارات سنحتاج للقضاء على مشكلة البطالة دون الحديث عن رفع مستوى معيشة المواطنين.

في المستوى الثاني: 

      أولاَ : العمل على الحد من الزيادة السكانية السريعة من خلال سن تشريعات تحد من هذه الزيادة وتحديد عدد أفراد الأسر الجديدة إذ من الصعب الحد من الزيادة السكانية ضمن واقع اجتماعي متخلف، بطرق الإرشاد والتوجيه بالوسائل التقليدية (إعلامية وغيرها ).

      ثانياََ: النهوض الحقيقي في مستوى التعليم الابتدائي بشكل خاص لأنه الأساس ولأنه هو من يحدد من هم الأميون، الأرقام تشير إلى تناقص الأمية إلا أن الواقع يشير إلى عكس ذلك وخريجو المدارس الابتدائية أميون أو أشباه أميين وهؤلاء هم الذين تكتظ بهم أرصفة وساحات المدن السورية وخاصة مدينة دمشق كباعة متجولين ليلاَ نهاراَ أو عمال ينتظرون من يطلبهم للعمل في الساحات العامة ومن المعروف أن توفير فرص عمل لهؤلاء هو أصعب بكثير من توفيرها للمتعلمين.

    ثالثاَ :  العمل على تنمية الريف للحد من الهجرة إلى المدينة   

      ولا يمكن الحديث عن البطالة دون التطرق إلى البطالة المقنعة التي هي أيضاً مشكلة في سورية اليوم، خاصة إذا علمنا من إحدى التقديرات أنه يوجد في أحد قطاعات الدولة /1100/ مهندس  في حين لا يحتاج العمل إلى أكثر من /20/ مهندس، وتقدر إحدى الدراسات أن متوسط عمل الموظف في قطاع الدولة لا يتجاوز /38/ دقيقة يومياً، لكن مع ذلك فإن وجود البطالة المقنعة الحالية قد يكون مكافئاً للمساعدة التي تقدمها الدول الغربية للعاطلين عن العمل، والدولة تقدم لهم المساعدة بصيغة أخرى (الرواتب )، لكن المشكلة سرعان ما تتفاقم في حال البدء بإصلاحات اقتصادية جدية، وتنضم إعداد هائلة إلى جيش العاطلين عن العمل.

      أخيراً إن محاولة  القضاء على البطالة هي خطوة في الاتجاه الصحيح ومكافحة الفقر والتخلف، لا تتطلب فقط مشاريع إيجاد فرص عمل فردية وبمثل الأرقام المتواضعة، رغم أهمية البرنامج الوطني لمكافحة البطالة والذي توج بصدور القانون 71 لعام 2001 القاضي بإحداث هيئة مكافحة البطالة وهي الهيئة العامة التي تشرف على تنفيذه  لكن يجب أن تتلازم مع خطط على المستوى الوطني في الاستثمار والحد من الزيادة السكانية، فالتخلف والفقر والزيادة السكانية والتنمية الاقتصادية والاجتماعية قضايا مترابطة ومتشابكة، ومن الصعب حلها دون خطط شاملة تطال الجانب الاقتصادي والاجتماعي على المستوى الوطني.

 

أسامة المصري