الحلقة المفرغة

 

أسامة المصري
تسعى كل دول العالم باتجاه التطور وأغلبها أخذ بأسباب العلم ومنجزاته وطور وحدث قوانينه الاقتصادية والسياسية والاجتماعية ما عدا قلة من الدول المتخلفة، وسوريا واحدة من تلك الدول التي تسير بالاتجاه المعاكس فتقرير التنمية البشرية الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي عام 2003 يشير إلى تراجع سوريا إلى المرتبة 110 على السلم ويظهر التقرير السنوي لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي الهبوط المستمر في مؤشر التنمية البشرية في سوريا.
نشر التقرير هذا المسح للاقتصاد العالمي والتنمية الاجتماعية تضمن عدد من البيانات والتحليلات، وصنف 175 بلداَ وفق ثلاثة معايير تنموية الأول متوسط العمر والثاني معرفة القراءة والكتابة والمعيار الثالث هو متوسط الدخل الفردي.
صنفت سوريا حسبَ تقرير الأمم المتحدة لعام 2003 بالدرجة 110 من أصل 175 بلداَ مع مؤشر 0.685 حيث ( القيمة الدنيا في المؤشر هي 0 والقيمة العليا هي 1 ) وقد تراجعت سوريا عن السنة الماضية حيث كانت تحتل الدرجة 108 على السلم أي تراجعت درجتين ، وست درجات على المؤشر فقد كانت العام الماضي 0.691 ، وخسرت ثلاثة عشر درجة على السلم منذ عام 1997 حيث كانت تصنف بالدرجة 97 مع مؤشر 0.700 .
وبالمقارنة مع تقارير السنتين الماضيتين تسجل سوريا هبوطاَ مستمراَ في معدل نسبة التسجيل في المدارس، ومتوسط الدخل الفردي مع ارتفاع طفيف في متوسط العمر ومحو الأمية بين الراشدين وعدل الدخل الفردي كي يعادل القوة الشرائية التي انخفضت انخفاضاَ حاداَ وخسر أكثر من ربع قيمته في أقل من سنتين ، فقد كان في عام 1999 / 4.454 / دولاراَ أمريكياَ أصبح في عام 2001 / 3.280 / دولاراَ أمريكياَ إن الهبوط في درجة تصنيف سوريا هو بشكل أساسي مطابق للهبوط في المؤشر الأخير.
و يورد التقرير أن معدل نسبة محو الأمية للراشدين / من 15 سنة فما فوق / لعام 2001 هو 75.3 % بينما كان في عام / 1999/ هو 73.6 % ــ لكن يمكن أن تكون الأرقام المعطاة غير دقيقة ولا يوجد تقدم على هذا الصعيد ــ بينما انخفض معدل التسجيل في المدارس الابتدائية والإعدادية والثانوية في العام الدراسي/ 2000 – 2001 / إلى 59 %، في حين كان في العام الدراسي / 1999 – 2000 / 63% ( والرقمين الأخيرين مستخدمان لحساب مؤشر معرفة القراءة والكتابة).
إن الحديث عن الوقع السوري بكل جوانبه يتطلب الكتب وربما المجلدات وربما ما كتب فاق ذلك بكثير لكن مع ذلك فما زالت السلطات السورية تدير ظهرها لمعالجة المشكلات التي تعاني منها سوريا اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً إلا أن أحد أهم جذور المشكلة يكمن في الزيادة السكانية المتنامية بسرعة و بشكل غير معقول على مدى عقود من الزمن فقد كانت وربما ما زالت معدلات النمو السكاني في سوريا من أعلى معدلات النمو في العالم ومع ذلك لم تتخذ السلطات السورية الإجراءات الكفيلة بحل هذه المعضلة أسوة بباقي المشاكل التي ما زالت عالقة. ووصل معدل النمو السنوي للسكان في الفترة بين 1970 و1981 إلى 3.35 %. وانخفض في الفترة 1981 - 1994 إلى 3.3 % وواصل انخفاضه في الفترة 1994 - 2002 إلى أن وصل إلى 2.7 %، ومن المتوقع أن يواصل انخفاضه إلى أن يصل في الفترة 2002 - 2005 إلى 2.45 %.
و يدخل إلى سوق العمل سنوياً 200.000 شخص لا تستطيع الدولة أن توفر سوى أقل من ربع هذا العدد في ظل معدلات تنمية متدنية أو معدومة، نقول معدومة لأنه لو كانت هناك معدلات متدنية لما كان لدينا كل هذا العدد من العاطلين عن العمل، وأصبحنا ندور في حلقة مفرغة:
1-
معدلات تنمية متدنية
2-
زيادة سكانية
ينتج عنها
1-
بطالة
2-
فقر
3-
تراجع في التعليم وتنامي الأمية و الجهل
ومن ثم ينتج زيادة سكانية ستمتص أي تنمية متوقعة أو مفترضة.
وتقدر إحصائيات غير رسمية عدد العاطلين عن العمل مع نهاية عام 2002 حوالي 1.2 مليون شخص وبنسبة وصلت إلى 22 في المائة. أما السيد عبد الله الدردري رئيس هيئة تخطيط الدولة فيقدر عدد العاطلين عن العمل ما بين 900 ألف ومليون عاطل عن العمل ويقول الدردري أن 70% من بين هؤلاء هم تحت سن الـ 15 سنة وهنا تكمن الخطورة على مستقبل سوريا فإذا كان لدينا اليوم 700 ألف عاطل عن العمل دون سن الـ 15 فهذا يعني أن هؤلاء أميون أو أشباه أميون فهل سنتصور كيف سيكون حال أبناء هؤلاء الذين غالباً ما يتزوجون صغار السن وينجبون عدداً كبيراً من الأولاد ليرسلوهم إلى العمل من جديد ونبقى في الحلقة المفرغة، لتبقى الزيادة السكانية أحد أهم عوامل التخلف وإعادة إنتاجه في متوالية حسابية ـــ في أحسن تقدير ـــ ليس من الصعب التكهن إلى أين ستوصلنا و كيف سيكون حال الأجيال القادمة.
ويعتبر رئيس هيئة مكافحة البطالة في سورية السيد حسين العماش أن مشكلة البطالة تعود إلى اختلال في بنية القطاعات الاقتصادية وطغيان الخدمات وضعف الإنتاجية مقرونة بدورة طويلة الأمد، إذ أن النمو الاقتصادي ضعيف. لكنه لا يشير إلى الزيادة السكانية، رغم أن الدولة نظرت مؤخراً إلى مشكلة الزيادة السكانية إلا أنها لم تتعامل معها بجدية وإنما اكتفت ببعض الإجراءات الترقيعية أسوة بسلوكها العام اتجاه المشكلات المستعصية الأخرى، فمثلاً حددت التعويض العائلي للأولاد الثلاثة الأوائل فقط لكن مثل هذه الإجراءات غير كافية وبعيدة تماماً عن المعالجة الصحيحة في ظل وضع مستعص ٍ.
لقد رفعت الدولة شعار محو الأمية وإلزامية التعليم ومجانيته منذ عشرات السنين وألقت باللوم على الاستعمار رغم أنه مضى على خروج الاستعمار أكثر من نصف قرن، فهل الاستعمار هو وراء ظاهرة التسرب من المدارس مثلاً و مشكلة الأمية التي هي اليوم أعقد بكثير مما كانت عليه في الستينات أو السبعينات من القرن الماضي فقد كانت تتركز بين الكبار أما اليوم فإنها تتركز بين صغار السن الراكضون وراء فرص عمل لمساعدة أهلهم وكسب قوت يومهم فهل سنتحول إلى دولة في أسفل سلم برنامج الأمم المتحدة الإنمائي؟ وإذا كنا قد تراجعنا ثلاثة عشر درجة منذ عام 1997 فكم سنتراجع خلال العشرون سنة القادمة مثلاً.
يقول الدكتور محمود السيد وزير الثقافة أن في سوريا مليون و 700 ألف أمي وبحسب المكتب المركزي للإحصاء فإن نسبة الأمية هي 28% أي ما يقارب ثلث السكان، ونلاحظ أن جميع الإجراءات المتخذة للقضاء على الأمية حتى الآن لم تقض على الأمية، ألا يتطلب هذا الوقوف مطولاً عند هذه الأزمة، خاصة بعد رفع شعار محو الأمية وإلزامية التعليم ومجانيته لعشرات السنين نرى أن الأمية في ازدياد.
فمثلاً هل تقسيم مراحل التعليم إلى أساسي وثانوي ومرحلة أولى وثانية يعالج ظاهرة التسرب من المدارس؟ وحتى الآن نرى أن الحلول المتبعة من قبل الدولة ما زالت في الشكل لا في المضمون، والنهوض في التعليم يلزمه مزيداً من المدارس تقوم الدولة على إنشائها، لا السماح للمدارس الخاصة كي تساعد العامة كما يطالب أحد أعضاء مجلس الشعب، ـــ ومن الذي يستطيع أن يرسل أبنائه إلى المدارس الخاصة الموجودة حاليا؟ ـــ والنهوض في التعليم يلزمه إصلاح النظام التعليمي في الجوهر لا في الشكل ورفع الرواتب والأجور ليس للعاملين في سلك التعليم وحسب بل رفع دخل كل العاملين في القطاعين الخاص والعام كي لا يحتاجوا إلى إرسال أولادهم إلى سوق العمل صغاراً و كخطوة أولى في طريق مشاكل المواطن السوري.
إذا كانت التنمية الاقتصادية تتطلب وفراً مادياً واستثمارات يمكن أن لا تكون متاحة لأسباب لسنا بصددها الآن وأحياناً تكون مرتبطة بظروف موضوعية خارجة عن إرادة السلطات، فهل الحد من الزيادة السكانية يلزمه رؤوس أموال مثلاً أو استثمارات؟ أم أن الحد من الزيادة السكانية لا يتطلب سوى بعض القرارات الجريئة ستوفر على الدولة مليارات الدولارات في إيجاد فرص العمل والتعليم وتساهم في القضاء على التخلف وإعادة إنتاجه.
ولا يمكن الحد من الزيادة السكانية السريعة دون تشريعات جريئة تحدد عدد أفراد أي عائـــلة جديدة، وتأتي أهمية التشريع القانوني من أن أي محاولة لضبط أو الحد من هذه الزيادة عبر التوجيه والإرشاد من خلال المؤسسات المختصة أو وسائل الإعلام لن تكون ذات جدوى عملية، خاصة إذا أخذنا بالاعتبار قلة تأثير وسائل الإعلام وعم ثقة المواطن بها إضافة للمفاهيم والمعتقدات السائدة في المجتمع وهيمنة نساء و رجال الدين الجدد الذين يهيمنون على قطاعات واسعة من الشعب السوري نساء ورجالاً و يقولون بما يعتقدون بالنص الديني دون أي محاولة لمقاربة الواقع. ومحاولة التعامل معه دنيوياً وعقلياً لا ما ورائياً فمثلاً الحديث النبوي الشريف الذي يقول:( تناكحوا تكاثروا فإني مفاخر بكم الأمم) يجب أن يؤخذ في سياقه التاريخي وليس نصاً يجب العمل به بالمطلق.
وتشير الإحصائيات إلى أن العائلات الأكثر عددا هي الأكثر فقرا والأقل تأهيلا علميا ــ إن لم تكن معدومة التأهيل العلمي ــ لهذا لا جدوى من التوجيه والإرشاد بالوسائــل المذكورة إضافــة إلى أن مثل هكذا عمل لو افترضنا أنه سيتم بدون عقبات ــ سوف يتطلب سنوات طويلة من حملات التوعية، وستكون سورية قد ازدادت ملايين جديدة من الأطفال الذين لن تتحقق لهم شروط الحد الأدنى للحياة وعلينا أن نختار بين أن يصبح لدينا كما في الهند ملايين من البشر المشردين الذين يولدون ويعيشون ويموتون في الشوارع أو أن نأت بأطفال نستطيع أن نحقق لهم شيئاً من حقوقهم علماً أن مثل هذه الظاهرة قد بدأت عندنا على نطاق محدود حالياً.
و تأتي ضرورة التشريع وسن قوانين تعالج هذه المسألة التي ستشكل خطرا على مستقبل الأجيال القادمة وعلى مستقبل سوريا. فالتخلف والفقر والتنمية الاقتصادية والاجتماعية من جهة والزيادة السكانية من جهة ثانية، مشاكل من الصعب حلها دون إجراءات جذرية تتسم بالجرأة، و أن أي حديث عن إصلاحات اقتصادية وإيجاد فرص عمل جديدة، لن يكون ذا جدوى في ظل معدلات زيادة سكانية عالية، و مشاكل التنمية و الفقر والبطالة والتعليم والزيادة السكانية هي تلك الحلقة المفرغة التي تدورسوريا فيها.