ويستمر القتل الصهيوني والصمت العربي بقلم:

 

 

أسامة المصري *

 

لقد زرعت كتب التاريخ في ذاكرتنا مجازر كفر قاسم ودير ياسين، علماً أنه لم يذهب ضحيتها سوى عشرات من أبناء الشعب الفلسطيني، ومع ذلك فإن المجزرة هي المجزرة ولا علاقة لعدد القتلى بتسميتها. وعلى مدى أكثر من خمسين عاماً من عمر دولة العصابات الصهيونية (ما يجري الآن في فلسطين يؤكد أنها دولة عصابات في ظل انتهاك هذه الدولة لكل القوانين والأعراف والمواثيق الدولية) ترتكب المجازر بحق الشعوب العربية، من مذبحة الأسرى المصريين إلى ضرب مفاعل تموز في العراق، إلى صبرا وشاتيلا وقانا ومن ثم جنين وتستمر المجازر. فقد أضاف الشعب الفلسطيني أثناء انتفاضة الأقصى إلى قائمة شهدائه الطويلة أكثر من 2000 شهيد و40000 جريح فضلاً عن أكثر من 7000 معتقل مع ما يحدث يومياَ من هدم للمنازل و تدمير لكل البنى التحتية للدولة الفلسطينية التي لم تولد بعد وتحطيم شبه كامل لرموز السلطة الفلسطينية.

لقد داس شارون كل أسس العملية السلمية التي بدأت في مدريد وأسلو وما تبعها من اتفاقات وكذلك مبادرة الأمير عبد الله التي تحولت إلى مبادرة عربية في قمة بيروت حيث ظن العرب أن تنازلاً بهذا الحجم لا بد أن يغري شارون وتابعيه من حزب العمل وينتهي العرب من القضية الفلسطينية التي ربما يذكرهم استمرارها بحرب داحس والغبراء (التي دامت على أية حال أقل من تاريخ القتل الصهيوني) لكن وجه التشابه بين الحربين فقط هو اقتناع العرب بعبثية الاستمرار في هذه الحرب التي يدفع الشعب الفلسطيني وحده ثمنها ويتحمل عبئها، لكنها بالنسبة للأنظمة العربية تعطل مشروعاتها مع الكيان الصهيوني وتعكر صفو العطلات الصيفية والشتوية في المنتجعات الأوروبية وغيرها، وخشية أكبر من تبعات اتهامهم بالإرهاب بعد أحداث الحادي عشر من أيلول.

إن ما يميز هذه الهجمة الصهيونية ليس فقط استمرارها بأعمال القتل وارتكاب المجازر يومياًن فضلاً عن الدعم المطلق الذي تتلقاه دولة العصابات الصهيونية من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وصمت دولي منقطع النظير؛ بل أكثر من ذلك. إذ أقدم الاتحاد الأوروبي على وضع بعض المنظمات الفلسطينية على قائمة الإرهاب مثل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وكتائب الأقصى. إذاً فالاتحاد الأوروبي يرى قتل مستوطن إرهاباَ وقتل الآلاف من الشعب الفلسطيني عملاً مشروعاً ودفاعاً عن النفس كما تزعم دولة العصابات، هذا من جهة. أما من ناحية ثانية فإن صمتاَ عربياَ فريد من نوعه ويبدو أنه مؤسس على مبدأ إن لم تستح فافعل ما تشاء، وانطلاقاَ من مبادرة الأمير عبد الله التي أصبحت مبادرة عربية في قمة بيروت .. بيروت التي لقنت الاحتلال الصهيوني دروساَ ستبقى مغروسة في الذاكرة الصهيونية على مر الأجيال وما زالت المقاومة اللبنانية تجرح هذه الذاكرة الصهيونية طالما بقي الاحتلال (ربما لم يكن مقصوداَ أن تطلق هذه المبادرة من بيروت إذا تعاملنا بنوايا حسنة).

ويبدو أن الأنظمة العربية تطبق الحديث النبوي الشريف "من رأى منكم منكراَ فليغيره بيده وإن لم يستطع فبلسانه وإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان". وطالما يسقط عن المؤمن الذنب إذا رفض المنكر بقلبه فلم تكلف الأنظمة العربية المؤمنة نفسها وتعل شيئاَ بلسانها من مثل الإدانة أو الشجب أو دعوة مجلس الأمن للانعقاد لمناقشة ما يجري على الساحة الفلسطينية؟ ولن نتجرأ على القول بعقد قمة عربية طارئة فهذه ربما أصبحت فقط من أجل تقديم مشروعات جديدة للسلام الذي يعشعش في صدور الحكام العرب على اعتبار أننا دعاة سلام حتى مع السفاحين، للتأكيد على أصالة قيمنا العربية وسياساتنا التي تدين كل أشكال الإرهاب، وتطلعنا نحو مستقبل خال من الحروب والنازعات، ليتسنى لهذه الأنظمة استغلال شعوبها أكثر وإيداع أموالها في البنوك الأمريكية دون خوف من تجميدها أو عدم إمكانية استردادها بتهمة دعمها لمنظمات إرهابية.

لقد استطاعت الأنظمة العربية امتصاص الفورة الجماهيرية التي ترافقت مع الهجمة الصهيونية غداة قمة بيروت عندما طار أحد أمرائها إلى واشنطن للتوسل لبوش كي ينهي الحصار على الرئيس الفلسطيني ووقف الهجوم الصهيوني على الشعب الفلسطيني ولو مؤقتاَ إلى حين وقف هذه الفورة الجماهيرية التي بدأت تتعاظم ويخشى من اتساعها لتهدد بعض الأنظمة العربية وهي المهددة أصلاً من قبل التيارات المتطرفة، وتتالت الزيارات إلى واشنطن ولأن بوش حريص على هذه العروش فقد أقنع السفاح شارون وتابعيه بوقف العمليات العسكرية مؤقتاَ وفك الحصار عن عرفات (وما رافقه في اتفاق كنيسة المهد الذي أقرت فيه السلطة الفلسطينية في بادرة هي الأخطر من نوعها بحق الدولة الصهيونية في إبعاد الفلسطينيين عن أرضهم وهذا هو المشروع الشاروني في ترحيل ليس فلسطينيي الضفة الغربية بل أيضاَ برزت دعوات لليمين المتطرف بترحيل العرب من داخل فلسطين 48) وفعلاََ تابع شارون عملياته التي بدأها باسم السور الواقي ومن ثم الباب المفتوح بالإضافة إلى الجدار الأمني، ولا ندري إذا كان هناك أسماء جديدة سيطلقها على عمليات أخرى.

* * *

وماذا بعد؟!

مزيد من التنازلات التي تقدمها السلطة الفلسطينية يوماَ إثر آخر ومزيد من الصمت العربي ليتسنى لهذه الأنظمة أن تقول لقد باع عرفات القضية وتنازل الفلسطينيون عن حقوقهم فماذا سنفعل لهم؟ وهذا ما حدث في الماضي عندما روجت بعض الأنظمة العربية بعد حرب عام 1948 أن الفلسطينيين هم من باعوا أرضهم للصهاينة، وينام الحكام العرب وضميرهم في طمأنينة أبدية.

وإلى متى سيستمر الواقع العربي الراهن وهذه الهجمة الصهيونية الأمريكية الشرسة ليس فقط على شعب فلسطين ومحاولة إفنائه بل إن التهديدات مستمرة ليس فقط بإسقاط نظام بغداد بل إن مسلسل التهديدات الأمريكية مستمر وإن كانت الآن لسورية ولبنان فلن تسلم تلك الأنظمة التي تعتقد نفسها أنها في منأى عن هذه التهديدات لأنها تقدم فروض الطاعة للسيد الأمريكي، فهذا السيد دائماَ لديه متطلبات جديدة وضرورية للأمن أو مكافحة الإرهاب.

__________

* كاتب سوري - دمشق