فارس بلا جواد

بقلم: أسامة المصري *

 

مع شعور الإنسان العربي أن صورة أمجاده الماضية التي رسمتها له كتب التاريخ أصبحت باهتة الألوان، ومضت تلك الأمجاد ربما إلى غير رجعة، إذ ترتسم أمام عينيه معالم مستقبل ليس مشرقاً، ومحاولة من المثقفين العرب في إعادة الحياة لروح الإنسان العربي وبث العزيمة وشحذ همم هذا الإنسان الذي يعاني من كل أشكال القمع والخذلان، يحاول الكتّاب والمخرجون التلفزيونيون وخاصة مع قدوم شهر رمضان من كل عام، تقديم أعمال وقصص من التاريخ العربي وبطولات الأجداد القدامى أو الجدد.

ومع خلو الساحات العربية من الفرسان سوى فرسان فلسطين الذين نشهد بطولاتهم يومياً على شاشات التلفزة العربية وغياب أي فعل عربي رسمي أو شعبي في مواجهة هذا الكيان وما يرتكبه من جرائم، يأتي المسلسل المصري "فارس بلا جواد" من تأليف وبطولة محمد البغدادي ومحمد صبحي والذي بدأ عرضه في القناة الثانية مع بداية رمضان، ويُعرض في قناتين مصريتين أيضاً ليثير ضجة على المستوى الرسمي وغير الرسمي الأمريكي والصهيوني ربما يتسع مداها مع عرض حلقات المسلسل خلال شهر رمضان.

ويحكي المسلسل الدرامي المؤلف من 30 حلقة قصة مصري يقاوم الاحتلال البريطاني والصهيوني في القرن التاسع عشر والقرن العشرين، ويعثر عام 1906 على ما يصفه المسلسل بأنه خطة سرية للسيطرة على العالم وضعتها حركة يهودية دولية، وهذه الخطة مستوحاة من بروتوكولات حكماء صهيون التي هي عبارة عن كتاب يدون مؤامرات أحبار اليهود للسيطرة على العالم، لكن الأوساط اليهودية تنفي ذلك بشدة.

وتحت شعار من ليس معنا فهو ضدنا، نلاحظ أن الحرب على الإرهاب تتسع لتطال أيضاً الجانب الثقافي والفكري ضمن سياسة العولمة الشاملة حيث تريد أمريكا أن تفرض ثقافتها من خلال تسويق أفكارها وقيمها بعيدة كل البعد عن ما تدعيه من قيم ديمقراطية في التعددية السياسية والثقافية، وضرورة احترام الشعوب وثقافاتها مهما كانت هذه الشعوب صغيرة وأي تكن ثقافتها، فأمريكا تريد أن تجعل من ثقافات الشعوب الأخرى نسخاً مشوهة عن ما يسمى الثقافة الأمريكية، وبالتهديد والابتزاز تحاول أن تمارس مزيداً من الضغوط على الدول العربية في أكثر من مجال وخاصة في مجالي التعليم والثقافة حيث طلبت من بعض الدول العربية تعديل برامجها التدريسية في المدارس وإيجاد برامج تتوافق مع الثقافة والفكر السياسي الأمريكي ويتناسب مع طموحاتها في تعميم ثقافتها، ومزيد من الرقابة على الفكر التي تعتبره معارضاَ لها، فهي لا تكتفي بهيمنتها على أكثر من 90 في المائة من وسائل الاتصالات في العالم وقدرتها الهائلة على تعميم ثقافتها، عبر الصحافة ووكالات الأنباء وطباعة الكتب ونشرها وتوزيعها بالطرق العادية وعبر شبكة الإنترنت وكذلك الإنتاج السينمائي والتلفزيوني وبثه وتوزيعه إما بأسعار مخفضة أو ضمن اتفاقيات التبادل الثقافي مع الدول غير القادرة على تغطية حاجاتها من هذه السلع الثقافية، بل إنها تريد حذف أية كلمة أو فكرة لا تناسبها أينما كانت.

وبقصر نظر ثقافة الكاوبوي يعتقد الساسة الأمريكيون أنه يمكن فرض ثقافتهم من خلال الهيمنة على حكومات والضغط عليها، متجاهلة أن الشعوب العربية ومخزونها وإرثها الثقافي وما تحمله من قيم لا يمكن أن يشطب بقرار من حكام عابرين، فأربعمائة عام من السيطرة العثمانية لم تؤثر على الثقافة العربية ليس فقط لأنها عميقة الجذور بل لأن الشعور القومي والوطني لدى الإنسان العربي وانتماءه لأرضه وثقافته أقوى من كل الاحتلالات، وما يجري في فلسطين على مدى أكثر من نصف قرن يؤكد ذلك، وبشكل خاص العرب الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية في الأراضي المحتلة عام 1948.

ورغم أن واقع الشعوب العربية وتعبيراتها السياسية بأسوأ حالاتها، نتيجة ما يعانيه الإنسان العربي من إفقار وقمع، إلا أننا نلحظ تنامي العداء لأمريكا وللثقافة الأمريكية والصهيونية وخاصة بعد انتفاضة الأقصى وأحداث نيسان الماضي، ولأن ليس لدى الإنسان العربي الأطر السياسية أو الثقافية للتعبير عن مواقفه فإننا كثيراً ما نلحظ تعبيره عن تلك المواقف من خلال النكتة وما شابهها فعلى سبيل المثال يطلق باعة البلح في مصرفي هذه الأيام على أردأ أنواع البلح اسم "شارون".

وبالعودة إلى قضية مسلسل فارس بلا جواد الذي يثير ضجة إعلامية وربما تتطور إلى أزمة سياسية نلاحظ إلى أي مدى لا تريد الإدارة الأمريكية ومعها الحركة الصهيونية طرح أي فكرة تخالف اعتقاداتهم الثقافية والسياسية، حتى ولو كانت فكرة صغيرة في مسلسل تلفزيوني كما قال المؤلف محمد البغدادي: "إن بروتوكولات حكماء صهيون هي أحد عناصر المسلسل ولا تشكل جزءاً جوهرياً فيه". وقال أيضاً: إن "المسلسل لا يؤكد أو ينفي هذه البروتوكولات، وجدت هذا الكتاب موجوداً ومتاحاً في الأسواق ولا أقول إنه حقيقي أو مزيف".

ومع ذلك فالإدارة الأمريكية طلبت من مصر وحكومات عربية أخرى ألا تذيع محطات التلفزة الحكومية المسلسل، وعلى لسان مسئول في خارجيتها يقول: "لا أعتقد أنه من أللائق قيام محطات التلفزيون الحكومية بث برامج نعتبرها عنصرية ولا أساس لصحتها". فالولايات المتحدة ويوماً بعد يوم تعطي لنفسها الحق بأن تتدخل في الشئون الداخلية لمصر ودول أخرى من التي ستعرض المسلسل وبالطبع هذه ليست أول مرة، ولا نعرف إلى أي مدى ستؤثر الضغوطات الأمريكية على مصر لمنع عرض هذا المسلسل في التلفزيون الحكومي.

ولم تتوقف المسألة عند هذا الحد من الإرهاب الفكري، بل تعدته عندما وزع النائب الأمريكي جيرولد نادلر رسالة على الأعضاء الآخرين تقترح تعليق المعونة العسكرية الأمريكية إلى مصر حتى تسلك "طريق السلام والتفاهم مع الدول والثقافات والديانات الأخرى".

وتقول رابطة مكافحة تشويه السمعة ومقرها نيويورك التي ترصد أنشطة معاداة السامية: "مرة أخرى يصور الإعلام العربي إسرائيل واليهود على أنهم وحوش ولا أحد يحتج .. يجب أن يضع القادة العرب نهاية لبث برامج تقوم على الجهل والضغائن ومعاداة السامية".

هذا ما تقوله هذه المنظمة من أجل فكرة في مسلسل لكنها لا تسمع ما يردده أطفال المدارس الإسرائيلية في نشيدهم الصباحي المليء بكلمات الحقد والعداء والتحريض على كراهية العرب والفلسطينيين، ولا ترى في ذلك أية مشكلة.

ومن خلال ردود الفعل هذه نرى إلى أي مدى ممنوع على الإنسان العربي أن يعبر عن رأيه وفكره وسيف الإرهاب الأمريكي الفكري والسياسي موجه ليس إلى الإنسان العربي وحسب بل إلى الحكومات التي تشارك في حرمان الإنسان من التعبير عن رأيه في مواجهة العنجهية الأمريكية والصهيونية العسكرية والسياسية والفكرية.

وأخيراَ أقول مع الفنان محمد صبحي في معرض تعليقه على الحدث: نحن نرفض الإرهاب الفكري، أنا لا أصنع عملا فنيا لكي أناقش ديناً، وأعلم تماماً أن هناك فرقاً كبيراً بين الصهيونية كفكرة وبين الديانة اليهودية، وقال أيضاً: إذا كانت الولايات المتحدة والكيان الصهيوني ارتعبتا من هذا المسلسل فسنصنع منه الكثير، وأضاف: آسف وأعتذر للمشاهد العربي لأن المسلسل لا يقدم إلا جزءاً من الحقيقة.

__________ 

* صحفي سوري - دمشق