هل العجز مبرر للهجوم على الآخر؟

بقلم: أسامة المصري

لعشرات السنين اتهمت الحكومات الوطنية والثورية وأحزاب وقوى قومية ويسارية الغرب وسياساته الاستعمارية حتى أنه ما زال بعض المعلمين في مدارسنا الابتدائية يلقون اللوم على الاستعمار في الأمية والجهل والفقر .. إلخ الذي يعشعش في مجتمعاتنا ويسير بها نحو مزيد من التخلف. ويبدو أن هذا الخطاب السياسي والإعلامي ما زال على نفس الخطى التي بدأت منذ عشرات السنين لنرى اليوم هجوماً في كل المناسبات على الثقافة الغربية ومنجزاتها العلمانية وديمقراطياتها وأنظمتها السياسية في حين ينسى هؤلاء ما صنعت الأنظمة العربية بشعوبها على مدى أكثر من نصف قرن. فأبسط حقوق المواطن العربي غير موجودة وكل بني يعرب هم رعايا عند ملوكهم ورؤسائهم، والمواطن العربي في أي دولة عربية لا يملك أي حق حتى في عيش كريم يليق بإنسانيته كإنسان، وحتى الآن عجزت الأنظمة العربية عن أن تقدم أي نموذج للديمقراطية أو حرية أو حرية التعبير، وكل هذه حقوق أقرتها معظم دساتير هذه الدول إضافة إلى المواثيق الدولية التي وقعت عليها أغلبية هذه الدول، ومع ذلك فكل حريات الإنسان العربي منتهكة حتى إشعار آخر. فإذا كانت دول المنظومة الاشتراكية سابقاً قد قدمت لمواطنها العيش الكريم دون حرية والغرب قدم قيمه في الحرية والديمقراطية لشعوبها؛ فالشعوب العربية لم تحصل على العيش الكريم ولا على الحرية.

فتحت عنوان الانهيار الأخطر كتبت الدكتورة بثينة شعبان في صحيفة "تشرين" (الأحد 8 شباط 2004) مقالاً شنت فيه هجوماً على علمانية الغرب والحرية الفردية وحرية التعبير والديمقراطية فيه، حتى أننا نظن أن الغرب في وضع صعب يجب أن نخرج لأجله في مظاهرات، فالحرية الدينية منتهكة للمسلمين هناك، تقول الدكتورة "وأنّ حرية دين واحد هي المضمونة أما حريات اعتناق الأديان الأخرى وممارسة طقوسها فليست بديهية على الإطلاق، وهي مثار جدل ونقاش وتهديد بالإلغاء من قبل الدولة". وحرية التعبير غير مصانة إلا لمن يدافع عن النظام السياسي، تقول الدكتورة شعبان "والركن الآخر من أركان النظام الغربي هو حرية التعبير التي طالما اعتبرت جزءاً أساسياً من حقوق الإنسان، وها نحن (أولاء) نجد في أخطر اللحظات وأشدّها حساسية مثل الحرب على العراق انه ينضوي من يريد متابعة الحدث إعلامياً تحت لواء القوات المحاربة ويستأذنها في ما يكتب وينشر". أما الديمقراطية فحدث ولا حرج، أما عن القيم فالغرب يفرض قيمه وأخلاقه بالقوة سواء كانت عبر قواه الاقتصادية أو من خلال هيمنته السياسية وسيطرته العسكرية كما حدث في العراق وما يحدث في فلسطين حيث الغرب يؤيد هذه الدولة المعتدية على حقوق الشعب الفلسطيني.

إن ما قالته الدكتورة بثينة شعبان في ما يتعلق بتأييد الغرب للكيان الصهيوني صحيح تماماً، لكن مع الإشارة إلى مسألتين: الأولى أن الغرب ليس كلاً واحداً والشعوب الأوروبية قالت كلمتها في أكثر من موقف. أما الثانية أن العديد من الأنظمة العربية تقيم علاقات مع هذا الكيان ودولاً عديدة أصبح سقف طموحاتها أن تقيم علاقات طبيعية مع هذا الكيان ووسائل إعلامها تتجاهل أو على الأقل لا تخدم القضية الفلسطينية. بل الكثير منهم يتاجر بدماء شهداء فلسطين، وبعض الأنظمة أدانت العمليات الفدائية التي يقوم بها الفلسطينيين بحجج وذرائع مختلفة.

لماذا نسكت عن أنظمتنا السياسية ونهاجم إعلام الغرب الذي لدى الكثير منه صورة مشوهة عن العربي والمسلم قدمها له أناس سمحت لهم أنظمتهم أن يكونوا لاجئين سياسيين في هذا الغرب ليقدموا لهم هذه الصورة المشوهه عن العربي والمسلم؟ فهل أبو حمزة المصري الأصولي المقيم في لندن يمثل العرب أو المسلمين؟ ومن دفع بهؤلاء لتسط عليهم كاميرات المصورين والصحفيين؟

لقد أمضى الإعلام العربي نصف قرن أو يزيد - وما زال - يقوم بمهمته الجليلة في المديح والتمجيد لقادته وملوكه، في حين كان الإعلام الصهيوني يعمل ليل نهار لأجل قضيته بغض النظر عن مشروعيتها، وقدم للغرب الصورة المشوهة عن العربي، التي للأسف أصبحت اليوم حقيقية. فالإنسان العربي أصبح اليوم عاجزاً وضعيفاً ويائساً ومهزوماً وغير قادر على فعل أي شيء، وقمعت الأنظمة العربية في أكثر من مكان التظاهرات التي خرجت لتأييد الانتفاضة الفلسطينية أيام أحداث جنين، وأصبحت بعض الحكومات العربية تنتظر التوجيهات والأوامر من واشنطن في كل شيء حتى في المناهج التدريسية، كما قالت الدكتورة شعبان.

أليس من واجب المثقفين العرب تحديد ومعرفة مسؤولية الحكام ومسؤولية الغرب عن التخلف الذي نعيش وعن مصير ثروات الشعوب العربية؟ أليس صدام حسين ونظامه مسؤولاً عن ما يجري في العراق؟ وهل حكم شعبه بطريقة عقلانية على الأقل؟ وكم من الدول العربية قدمت أراضيها للقوات الأمريكية في حين رفضت دول غربية المشاركة في الغزو؟ ألم تخرج الجماهير الغربية ضد الحرب بمئات الآلاف في عواصم غربية هامة ضد الحرب بفعل الحرية التي تهاجمها الدكتورة بثينة شعبان في حين لم تستطع الجماهير العربية التعبير عن رأيها في الحرب؟ هل يستطيع عضو برلمان عربي أن يواجه حكومته كما فعل جورج غالوي وغيره؟ وما تزال قضية الحرب مثارة في لندن وروما وواشنطن ومدريد وتجري مطالبات لإسقاط رؤساء الحكومات الذين شاركوا في الحرب. وفي المقابل من سأل صدام حسين وغيره عما فعلوا إلا وكان مصيرهم التصفية والملاحقة في أحسن تقدير. وكذلك العقيد القذافي لماذا غيّر بعد أن بدد ثروات بلده على أوهامه؟ ومن يستطيع على امتداد العالم العربي أن يطالب بإسقاط حكومته ويبقى حراً دون عقاب؟ بل سيصبح عدواً للوطن وفي بعض الحالات لله أيضاً! هل حاول زعيم عربي أن يعمل لأجل وطنه وأمته وليس لأجل نفسه وأبنائه وعشيرته ويعمل وكيلاً لدولة ما في أحسن الأحوال؟ يقول الدكتور غسان سلامة "ليس مهماً ماذا تريد أمريكا منا، المهم ماذا نريد نحن لأنفسنا".

لماذا لم يكن هناك هجوم على الإسلام في الغرب قبل "الردة الأصولية" التي تجتاح العالم العربي والإسلامي، أي عندما كان رجال الدين الإسلامي يطبقون تعاليم دينية وليس إسلاماً سياسياً ونُصب ابن لادن وأمثاله أنفسهم زعماء وناطقين باسم الإسلام ويشنون الحرب باسمه. وهل لي أن أسأل: من يتحكم بعقول المسلمين في الغرب؛ هل هم علماء دين أم حركات سياسية إسلامية لها تصوراتها الخاصة عن الإسلام؟ هل ما يتصرف به الأصوليون مقبول لنا كمسلمين ليقبل به الغرب العلماني؟ وهل تستطيع المرأة أن تتظاهر في ديار العرب والمسلمين كما تتظاهر في فرنسا تلك البلد التي منعت الحجاب؟ ألم يحضر وزير فرنسي ليحصل على فتوى من رجل دين على مستوى عالٍ قبل أن يقر منع الحجاب في فرنسا؟

لماذا نريد أن نهاجم الغرب في ثقافته ونعتبره المسؤول عن جهلنا وتخلفنا ونحن نعيش على منجزاته التقنية من أبسط وسائل الحضارة إلى أعقدها؟ فنركب سياراته الفارهة ونستخدم الحاسوب ووسائل الاتصال، حتى سجادة الصلاة نستوردها من الغرب، في حين ندين الفكر الغربي وقيمه وثقافته، ولا نميز بينها وبين الحكومات الغربية ومصالحها السياسية، وندرك أن الشعوب الأوروبية التي تعيش ثقافة الحرية هي التي صوتت بنسبة 67 في المائة على أن الدولة الأكثر تهديداً للسلم وتمثل خطراً على العالم هي "إسرائيل" وبعدها جاءت أمريكا في المرتبة الثانية. في حين لم تقدم الأنظمة العربية على مدى تاريخ وجودها غير ما وصلت إليه الشعوب العربية من جهل وتخلف وفقر، ومن المسؤول عن نسبة الـ 28 في المائة من الأمية في مجتمعاتنا على سبيل المثال؟ وكيف نستطيع أن نفهم أطفالنا هذه المعادلة الصعبة الحل؟ أو أننا سنلجأ لما يقوله "الأصوليون" من أن الله سخّر الغرب لخدمتنا؟ ألا يجب أن نفرق بين السياسة والمصالح السياسية وبين الأخلاق والقيم الحضارية؟ ألا يجب أن نهتم بشؤوننا ونرثي لحالنا وما سنؤول إليه ونترك الغرب وشأنه قليلاً؟

__________