حوار حضارات أم صراعها

بقلم: أسامة المصري *

 

كثر الحديث في السنوات الأخيرة عن حوار الحضارات وخاصة بعد صدور كتاب "صراع الحضارات الكبرى" لصموئيل هنتنغتون في التسعينات وبعد انهيار المنظومة الاشتراكية وانتهاء الحرب الباردة، وظهور ما اصطلح على تسميته بالنظام العالمي الجديد الذي بدأت الولايات المتحدة الأمريكية بصياغته على هواها، وبدأت جولات جديدة من اتفاقيات منظمة التجارة العالمية لتكرس نظام العولمة الاقتصادية، الذي يضمن للولايات المتحدة الأمريكية الهيمنة الاقتصادية والعسكرية والسياسية، ومن ثم تجددت دعوات الحوار هذه بعد أحداث أيلول من العام الماضي، كمحاولة للدفاع عن النفس في مواجهة الاتهامات بالإرهاب التي وجهت للعرب والمسلمين إثر ذلك.

وتتالت الدعوات للحوار بين الحضارات وغالباَ ما جاءت هذه الدعوات من قبل ممثلي الحضارات التي بدأت تتلمس الخوف على نفسها في مواجهة الحضارة الغربية عموماَ و"الحضارة الأمريكية" بشكل خاص والتي تتزعم ما يسمى النظام العالمي الجديد. هذا النظام الذي نشأ على منطق القوة وفرض الإرادة الأمريكية، إن كان بفرض الشروط الاقتصادية أو الأوضاع السياسية في مناطق العالم أو المحاولات المحمومة من هذه الدولة لفرض ثقافتها في أنحاء العالم.

إن ما تملكه الولايات المتحدة من إمكانيات هائلة اقتصاديا وعسكرياَ وقدرة تصنيعية متطورة جداَ يدفع هذه الدولة بالسيطرة على العالم بأسره وخاصة من خلال ثقافتها التي هي بالضرورة تخدم مجمعاتها الصناعية، إذ لا نستطيع القول إن أمريكا تحمل ثقافة أو حضارة ذات قيمة إنسانية لتقدمها للبشرية، فأمريكا التي تسيطر ربما على أكثر من 90 في المائة من وسائل الاتصالات في العالم قادرة على تعميم ثقافتها شاء الآخرون أم أبو، أضف إلى ذلك إمكانياتها الهائلة في الصحافة ووكالات الأنباء وطباعة الكتب ونشرها وتوزيعها مع ما حدث من تطورات نوعية على الاتصالات عبر شبكة الإنترنت وكذلك الإنتاج السينمائي والتلفزيوني وبثه وتوزيعه إما بأسعار مخفضة أو ضمن اتفاقيات التبادل الثقافي مع الدول غير القادرة على تغطية حاجاتها من هذه السلع الثقافية، إضافة إلى ذلك فإن الكثير من الأنظمة العربية كانت حريصة على الترويج للثقافة الأمريكية محاولة منها خلق قيم اجتماعية استهلاكية تبعد الجيل الشاب عن الهم السياسي ليتسنى للنخب السياسية التفرد بالسلطة والثروة التي يتم نقلها إلى الخارج وتمتنع عن توظيفها في بلادها، فمثلاَ لا نرى على شاشات التلفزيون إلا المسلسلات والأفلام الأمريكية، وحضور طاغ للمنتجات والسلع الأمريكية في الأسواق العربية وبين يدي المستهلك العربي، بالإضافة إلى غياب شبه كامل للثقافة القومية الملتزمة بقضايا الأمة المصيرية وحضور طاغ للثقافة الوطنية التي تكرس نمط معين من الاستهلاك ونوع محدد من المعارف تعطل فاعلية عقول الجيل الشاب، هذه هي السلطات التي يدعو مثقفوها اليوم لحوار الحضارات، وعلى جانب آخر تدعو التيارات المتطرفة للصراع مع هذا الآخر (الحضارة الغربية) على أساس رد الفعل وعدم الاعتراف بهذا الآخر ومهما كانت العقيدة التي يحملها ليس مهماَ طالما هي مخالفة لهم، وغياب شبه كامل لأي دور فاعل للجماهير العريضة ومثقفوها.

أما من ناحية ثانية فعلى مدى التاريخ لم يكن هناك حوار بين حضارات، فمنذ أقدم العصور كانت هناك الصراعات والحروب حتى أننا نستطيع القول إن التاريخ ليس سوى تاريخ لحروب بين المجموعات البشرية والتي هي بدورها تمثل حضاراتها (مع استثناءات قليلة) وغالباً ما فرض الأقوى ثقافته وحضارته، لكن كون الصراع والحرب في تلك المراحل التاريخية كان يتم بوسائل بدائية فإن الاحتكاك والتبادل الثقافي يتم بطريقة مباشرة بين الشعوب وثقافتها، إن كان عن طريق الحرب أو بالطرق السلمية، من خلال التجار والرحالة المغامرون والمبشرون، وبالنتيجة تبادل واحتكاك محدود وبطيء بين هذه الثقافات على الرغم من أهمية ذلك تاريخياً.

إذاً فالتاريخ هو تاريخ للحروب، من حرب أفغانستان أو ما سمي الحرب على الإرهاب، وهبوطاَ حتى أعماق التاريخ وعشرات القرون، هل يذكر أصحاب دعوات حوار الحضارات في أي مرحلة كان هناك حوار حضارات خاصة أن أغلبية هذه الحضارات بنيت على أساس ديني وأيديولوجي يرفض الآخر ولا يعترف به أصلاَ، وهذا من صلب هذه العقائد والأيديولوجيات التي كل منها يدعي امتلاكه للحقيقة، ومن الصعب القول الآن إن الأمور قد تغيرت بل إن الواقع يزداد سوءاً، فهنتنغتون يقسم العالم إلى ثلاث ديانات الأرثوذكسية والكونفوشوسية والإسلام في مواجهة الغرب الكاثوليكي والبروتستانتي، وما يجري الآن بعد أحداث أيلول ما هو إلا تطبيق عملي لما قال به هنتنغتون، فالغرب اليوم وأوروبا على وجه التحديد التي تدعي لنفسها امتلاك ثقافة عريقة ورفيعة، وحاملة لواء الديمقراطية وحقوق الإنسان بدأت تقبل المفاهيم الأمريكية والصهيونية حول الإرهاب، فأصبحت مقاومة الاحتلال إرهاباً وهذه أوروبا تدرج منظمة مثل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين على قائمة المنظمات الإرهابية، وتبدلت مفاهيم حق تقرير المصير وحق مقاومة الاحتلال بكل الوسائل لتصبح إرهاباَ، فعن أي حوار يتحدث هؤلاء، فإذا كانت المقاومة فرنسية ضد النازية فهي مقاومة مشروعة أما إذا كانت المقاومة فلسطينية ضد الصهاينة فهي إرهاب، ولا أي عقاب لدولة الإرهاب والاحتلال بل مزيد من التأييد لممارساتها الإرهابية.

الغرب يملك كل شيء وأمريكا تفرض ما تريد، فلماذا يحاوروننا؟ ومن أجل ماذا الحوار؟ وعلى أي أساس سيكون الحوار؟

سيقول أصحاب دعوة الحوار إننا نملك ثقافة إنسانية وحضارة تضرب جذورها في أعماق التاريخ، لا يسعنا وفي كل مناسبة إلا أن نؤكد على ذلك فلغتنا قوية محفوظة من خلال القرآن الكريم وثقافتنا على امتداد التاريخ تحميها اللغة والدين! وطالما تمسكنا بديننا وحافظنا على لغتنا فإننا في مأمن من أي غزو ثقافي، حتى باتت تلاوة القرآن الكريم أثناء الصلاة من خلال الحاسوب، ولا خوف على ثقافتنا ولغتنا.

الحضارة ليست لغة وثقافة وتاريخاً وديناً يحمل في صلب عقيدته نزعات إنسانية أو دعوات للتآخي بين الأديان والبشر، فالحضارة في مفهومها العام هي حركة المجتمع وكل نشاطاته المادية والمعنوية، وتشمل المعارف العلمية والمذاهب والأفكار الفلسفية والإنتاج الفني والحقوقي والتقاليد والقيم وأنماط السلوك، والنظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية، و كل ما تملك الأمة من مقومات القوة، قوة الاقتصاد، صناعة متطورة، قدرة تنافسية، إمكانيات مالية، موارد طبيعية، وسائل الاتصال، الوحدة القومية. وتطول القائمة التي تنازلنا طوعاَ أو كرهاَ عن السعي حتى لامتلاك شيئاَ منها ما خلا الإمكانيات المالية الضخمة الموظفة في البنوك الغربية، ليتم تجميدها عند ما ترى أمريكا ذلك ضرورياً لأمنها القومي، بالإضافة إلى ترسانات الأسلحة الغربية التي تمتلكها هذه الدول من أجل الحفاظ على أنظمتها، وأنظمة أخرى تحميها أمريكا والكيان الصهيوني.

إن أي دعوة للحوار بين الحضارات لهي ضرب من الخيال ومحاولة للدفاع عن النفس، فإما أن تثبت الشعوب وجودها من وجودها المادي والمعنوي، وجود اقتصادي قوي سينعكس على الحضور الثقافي لأي أمة، وعلى الدول العربية التي تنادي بحوار الحضارات أن تطلق وتحرر شعوبها روحياَ ومادياَ وهذا أولاً، ومن ثم إجراء حوار ضمن الثقافة الواحدة أو الحضارة الواحدة وأقصد الحوار بين الدول العربية إن كان على مستوى الرسمي وغير الرسمي، لتجاوز العقلية القطرية والطائفية والعشائرية والقبلية والمذهبية التي تحاول تكريس ثقافة قطرية وإقليمية بل ودون ذلك، وقبل أن نصبح يهود التاريخ ونعوي في الصحراء بلا مأوى كما قال أحد الشعراء العرب منذ ربع قرن تقريباً.

لقد حققت غالبية القوميات في العالم دولها القومية، سواء كانت هذه القوميات لها امتداد وجذور في التاريخ عميقة أو ليست كذلك، لكن وحدة الأمة العربية التي تحدث دعاتها القوميين عنها وبذلوا أرواحهم في سبيل تحقيقها، وضرورة هذا التحقيق بل شرطيته للنهوض بهذه الأمة ومواكبة الحضارات والأمم الأخرى ومنذ التحرر من السيطرة العثمانية ما زالت الأمة العربية في وضع سياسي واجتماعي واقتصادي وثقافي ربما هو الأسوأ بين أمم العالم اليوم، حيث تشكل أكثر من عشرين كياناً سياسياً كل يحاول أن يخلق ثقافته الخاصة وتعميق هذه الخصوصية، في حين نرى الأمم الأوروبية والتي تملك كل منها ثقافتها الخاصة استطاعت أن تحقق اتحاداً أصبح حلماً للشعوب العربية، وهذه أيضاً الدول الأفريقية التي تمزقها الصراعات العرقية والدينية بالإضافة للفقر تخطو خطوة جديدة على طريق الاتحاد.

فإذا أردنا حقاً حواراً أو تفاعلاًَ مع حضارات الآخرين في هذا الشكل من النظام العالمي، فعلينا امتلاك القوة لفرض احترام الآخرين لنا والإصغاء لما نقول ونعود للعب دورنا بين الأمم الأخرى، ليس من خلال تاريخنا فقط بل من خلال حاضر وحضور قوي، على الأنظمة العربية أن تسلك ومثقفوها طريقاَ آخر بعيداً عن العقلية القطرية والخصوصية الثقافية والتفكير العشائري والقبلي والمذهبي .. بالإضافة لما تمارسه من فساد وقمع ونهب لشعوبها، وتبعية بعض منها لأمريكا و بعض آخر للكيان الصهيوني، إذ كان لا بد من تحقيق وجودنا المادي والثقافي على الصعيد القومي، لنواجه قرناً جديداً بمستحقات جديدة وخطيرة ليس فقط على أمننا القومي بل على وجودنا القومي بحد ذاته، فهل نكون بحجم المسئولية الملقاة على عاتقنا لإنقاذ ثقافتنا والأجيال القادمة من الضياع بعيداً عن أوهام الماضي؟!

__________ 

* كاتب وصحفي سوري - دمشق