دعوة للزعماء العرب لتقديم اعتذاراتهم لشعوبهم

 


بقلم: أسامة المصري
 مائة من السنين مرت على الشعوب العربية، أي منذ أن أصبحت المسألة الشرقية في طريقها إلى الحل وتبلور فكرة تقاسم تركة الرجل المريض. في النصف الثاني من القرن العشرين شاءت الأقدار أن أولد كغيري من أبناء جيلي، ونتعلم ونطل على تاريخ كتبه أناس كان معظمهم على قيد الحياة، وأساتذة ومعلمون حفظونا عن ظهر قلب مساوئ ومآسي الإمبراطورية العثمانية التي حكمتنا باسم الدين أكثر من 400 عام. وكذلك حفظونا أسماء الشهداء الوطنيين السوريين والعرب الآخرين الذين عملوا لأجل الانفصال عن هذه الدولة المتخلفة والفاسدة في كل دواوينها وإداراتها، وحيث لم يجد معظم الوطنيين السوريين بشكل خاص والعرب بشكل عام من بد سوى الانفصال عن هذه الدولة الهرمة، وقد دفع الكثير من هؤلاء رواد الحركات السياسية والفكرية حيواتهم لأجل القضية التي نذروا أنفسهم لها. وعلمونا أيضاً أسباب ونتائج استعمارنا من قبل الدول الاستعمارية والتي لم تتعاطَ معنا كبشر وموارد إلا كموضوعات لإشباع رغباتها ونهمها في امتصاص خيرات بلادنا الدفينة منها والظاهرة، كما قالوا لنا.
وما أن صحا العرب من غفوتهم التي دامت 400 عام وبدا حلم الاستقلال أقرب للتحقق، إذا باتفاقية سايكس - بيكو تقسم أراضيهم وتحولها إلى مناطق نفوذ بريطاني وفرنسي على شكل انتداب ووصاية على هذه الشعوب القاصرة سياسياً ومعرفياً، إذ كانت غفوتها طويلة بعض الشيء، لكن هذه الشعوب وقادتها آنذاك كانوا مفعمين بالروح الوطنية والقومية ولديهم طموحات كبيرة في إنشاء دولة أو دول مستقلة تنهض من غفوتها أو كبوتها كما قيل لنا، وهكذا كان، وكانت الحرب العالمية الثانية ونشأت معظم الدول العربية بعد قوائم أخرى من أسماء شهداء سقطوا على طريق التحرر من الاحتلال. وتعامل الوطنيون العرب مع الواقع ونفذوا ما رسمته الخارطة السايكس بيكوية أو ربما بالغت الأنظمة العربية فيما بعد في احترام الحدود التي رسمتها تلك الخرائط على الرغم من شعارات الوحدة التي دامت عشرات السنين.
تأسست الجامعة العربية بإيحاء بريطاني لتكون الإطار الأنسب لهذه الدول ولتمتص الأنظمة العربية عبرها أي طموحات بعمل عربي شعبي أو رسمي طموح من مثل الوحدة أو الاتحاد أو غير ذلك. وكذلك فقد بالغ العرب في احترام هذه الجامعة وسارت بالعمل العربي المشترك في خط هابط على مدى تاريخها الذي أصبح عمره يقارب الستون عاماً دون أن تقدم أية فائدة لشعوب العرب، سوى ما قدمته من إعطاء الشرعية للهزائم وما ترتب عليها من خرائط سياسية جديدة، والمبادرات أو التصورات لحل القضية الفلسطينية استسلامياً بعد أن عجزت هذه الأنظمة عن لعب أي دور حتى دون العمل العسكري ما خلا الدعم الشفوي للشعب الفلسطيني الذي يقف وحيداً في وجه أعتى آلة دمار عسكرية، وأخيراً السكوت عن احتلال العراق وإعطاؤه الشرعية كما طلبت أمريكا.
إن الظروف التي تعيشها الشعوب العربية اليوم لم تكن في يوم من الأيام أسوأ مما هي عليه، فحتى في أيام الاستعمار الغربي للدول العربية، إذ في تلك الآونة كان لدى هذه الشعوب الأمل بحال أفضل وبتحرر من الاستعمار حيث سيشرق فجر جديد كما كان يقال للشعوب، أما اليوم فإن الكثير من هذه الشعوب تترحم على أيام الاستعمار وبعض منها يحلم بقدوم الغرب أو ضغوطه على أنظمته (الوطنية) كي يتنفس هواء دون ملوثات عضوية أو سياسية، ولم يشرق الفجر وفقدت الشعوب العربية الأمل بمثقفيها وسياسييها وزعمائها الذين نهبوا وسلبوا وجففوا ينابيع الثروة والثورة في بلدانهم وقضوا على معارضيهم وآمال من تبقى منهم، وقضوا على أحلام مواطنيهم إلا بما تبثه فضائياتهم (في اتصل واربح الملايين ويتصل الملايين وينامون على أمل أن تختارهم الأرقام ليكونوا من الرابحين ويصبحوا من أصحاب الملايين أسوة بالمسؤولين).
يصحو العرب اليوم مرة أخرى على تخلف معرفي وثقافي وحضاري وفقر مادي كما جاء في تقرير التنمية البشرية ليأتي الأمريكي ويؤسس عليه مشروعه للشرق الأوسط الكبير، الذي كان بمثابة يوم الحساب، لكن بعضاً منهم بدأ يفكر وينظر ما قدمت يداه، وبما يقدم له من حلول أو خيارات ليس أقلها التسليم بما يشاء السيد الأمريكي. والمأساة أن البعض من المثقفين والسياسيين، بدل أن ينظروا إلى الأسباب التي أوصلت هذه الشعوب والأنظمة إلى هذه الحالة، ينظرون النظرة الاتهامية إلى التقرير، ليس بتفنيد ادعاءاته وأرقامه أو دحضها بل من خلال العقلية المؤامراتية، التي تقول إن أمريكا صنعت هذا التقرير ليكون مبرراً لمشروعها الشرق أوسطي الكبير، ونحن نتمنى أن يُدحض هذا التقرير بالأرقام لا بالكلام والأوهام.
والآن ونحن على أعتاب انعقاد قمة عربية أخرى، هل يكون الزمن المتبقي كافياً ليدرس الزعماء العرب تقديم اعتذاراتهم لشعوبهم وتقديم استقالاتهم متضامنين أفضل تضامن مع بعضهم ومتخذين أفضل قراراتهم التاريخية منذ تأسيس الجامعة العربية إلى الآن ويُخلوا الساحة السياسية التي ملتهم؟
فالشعوب العربية اليوم بحاجة إلى قادة وطنيين همومهم وطنية وليست هموماً شخصية أو أسرية أو عشائرية أو قبلية. وعندما تفكر هذه الأنظمة وممثلوها بالتغيير فإن أول ما تحسب حسابه هو الحفاظ على مصالحها ومكتسباتها ولذلك لن يكون هناك تغيير ذو معنى، ولن توصلنا المشروعات المقدمة لتطوير الجامعة أو النظام العربي إلى بر الأمان، لأنها نتيجة الضغوط الأمريكية وليست ناتجة عن قناعة وإرادة وطنية وليست نابعة من أهمية التطوير ولإصلاح، فالأنظمة العربية الحالية عاجزة عن الإصلاح لأن أي إصلاح حقيقي يعني زوال هذا النظام أو ذاك ولهذا فإن ما نسمعه من مشروعات إصلاحية ليس أكثر من الانحناء للعاصفة الأمريكية التي أتت بمشروع الشرق الأوسط الكبير.
إن أي تطوير أو إصلاح لا يأتي فقط من خلال الإعلانات أو المبادرات المشتركة بغض النظر عن الدافع والتوقيت، وتطوير الجامعة العربية وأساليب عملها إنما يكون مرتبطاً بالأنظمة العربية وطبيعتها وطرائق وأسلوب حكمها فعندما تحكم هذه الأنظمة شعوبها بطريقة غير ديمقراطية ولا تتقن أصلاً لغة الحوار مع شعبها ومعارضيها ومنتقديها فكيف ستقبل بالحوار مع النظام الآخر؟ إن كلمات أو مفاهيم مثل الديمقراطية والتعددية وتداول السلطة أو انتخابات برلمانية حرة (وقبل ذلك وجود برلمانات بالنسبة لبعض الدول العربية) ووجود أحزاب أو وجود رأي آخر مفاهيم غير واردة في قاموس الأنظمة العربية، وما يترتب على تطبيق التعددية يتناقض كلياً مع الفكر السياسي والاجتماعي للحكام العرب، فكيف سيقدم هؤلاء حلولاً لأزمات هم خلقوها، بل بذلوا جهوداً لأجل ترسيخها؟ فبعض الأنظمة العربية - إن لم نقل كلها - قضت على الأحزاب السياسية في بلدانها وغذت العشائرية والأصولية الدينية، واتبعت سياسة فرق تسد كي تحافظ على حكمها وامتيازاتها.
من المفترض أن يكون المشروع الأمريكي المطروح حافزاً للمراجعة النقدية والوقوف أمام الذات، وتأمل ما فعله العرب على مدى نصف قرن أو يزيد، وأين وصلت الشعوب العربية في المستوى الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والجميع يعرف مدى الإفلاس الذي وصلت إليه الأنظمة العربية وما آلت إليه شعوبها المغلوبة على أمرها، فقر، أمية، تخلف معرفي وعلمي، بطالة، قمع، غياب لأبسط الحريات، وحقوق إنسانية منتهكة وانهيار شبه كامل لنظام القيم الأخلاقي، والأكثر إيلاماً أن كل عائدات ما تضخه أنابيب نفط العرب وغيرها من الثروات يجب أن تجعل الدول العربية من الدول الغنية وينعم مواطنوها بخيرات أوطانهم، في حين نجد أن مجموع إجمالي الدخل المحلي لبلدان الجامعة العربية الاثنتين والعشرين أقل من نظيره في إسبانيا، هذه الدولة الأوروبية المتخلفة صناعياً بالمقارنة مع ألمانيا وفرنسا، على سبيل المثال.
لقد قادت هذه الأنظمة شعوبها نحو الخراب وحوّلت دولها من دول أو دويلات وطنية إلى كانتونات طائفية وعشائرية وقبلية، وفتتت مجتمعاتها إلى بنى ما قبل عشائرية وقبلية، وحولت ثرواتها إلى جيوب أبنائها وأحفادها وسماسرتها. هذه الأنظمة التي أوصلتنا إلى هذا الدرك من التخلف والفقر والجهل حيث لم يعد العرب قادة مصائرهم من المحيط إلى الخليج، ومعظم الأنظمة العربية مهددة بالزوال، والمجتمعات العربية بالتفتت، وربما سترسم خرائط سياسية جديدة بعد دخول السيد الأمريكي إلى المنطقة وأصبح أحد لاعبيها الرئيسيين؛ يقدم بعض قادتها مشروعات الإصلاح؛ فهل يريدون التكفير عمّا فعلوه بشعوبهم من خلال بعض الأفكار الإصلاحية مثلاً؟ أم أنهم يظنون أنفسهم "رجال الله المختارون لقيادة هذه الشعوب ولا يوجد في هذه الشعوب من يصلح لقيادتها غيرهم طالما أن الله لم يسحب تكليفهم الشرعي بذلك"؟!
__________