الأدب مرآة الشعوب والصحافة مرآة الأنظمة السياسية

 

أسامة المصري

 

     إذا كان الأدب مرآة الشعوب فالإعلام والصحافة مرآة الأنظمة السياسية، وكل إعلام إنما يعكس صورة النظام السياسي و الواقع السياسي لهذا البلد أو ذاك، فكل نظام سياسي له نمطه الخاص من الإعلام والصحافة  وبقدر ما يكون النظام السياسي ديموقراطياً بقدر ما تكون الصحافة و الإعلام حراً ويعبر عن هذه الحرية ويعكسها في صحافة تسلط الأضواء على ما يجري داخل هذا البلد وتكون رقيبة على سلطاته وتلعب دورها في نشر الخبر وإيصال المعلومة، وقد مرت عقود من الزمن غابت في سوريا الصحافة المستقلة لتنفرد الصحافة الرسمية في الساحة الإعلامية وتكون لسان حال النظام السياسي وجهاز دعاية وتعبئة له.

    في السنوات العشر الأخيرة استطاعت الأنظمة الإعلامية الجديدة التي جاءت نتيجة التطور الهائل في أنظمة الاتصالات أن تخترق بقنواتها التلفزيونية الفضائية الأسوار الحديدية التي بنتها الأنظمة الاستبدادية حول شعوبها ودخلت هذه القنوات إلى كل بيت دون استئذان حتى أصحابها أنفسهم، لكن واقع الصحافة المطبوعة ورقياً ما زالت محكومة بهذه الأنظمة وقوانينها، ومازال  النظام السياسي هو من يحدد دور وشكل ومضمون هذه الصحافة، إن كانت رسمية أو مستقلة.

      أما شبكة الإنترنت فما زالت في سوريا عاجزة عن أخذ دورها في نشر المعلومات وتلقيها على نطاق واسع لأسباب عديدة لكن مع ذلك فهي خاضعة لرقابة الحكومات بشكل أقل نظراَ لمحدودية انتشارها جماهيرياً. فواقع الصحافة في أي بلد لا ينفصل عن الواقع السياسي لهذا لبلد ولا يمكن الحديث عن صحافة حرة أو إعلام حر أو حرية تعبير في بلد مازال محكوماَ بعقلية وصاية الدولة وحزبها على المجتمع ومحكوماً بقوانين الطوارئ، وإن أي تطوير للوسائل الإعلامية وطرائق عملها لا يمكن أن يتم إلا بتحديث النظام السياسي وإحداث تغييرات جوهرية في طبيعة هذا النظام.

       في سوريا ما زالت الصحافة تحت سيطرة الدولة وما زالت الصحافة المستقلة في مرحلتها الجنينية وهذا بحق يعكس الواقع السياسي في البلد، فالهيمنة السياسية للحزب الواحد يقابله وجود الصحافة الرسمية التي تعبر عن هذا الواقع السياسي وتكون مرآته فعلى الرغم أن الدستور السوري قد حفظ للمواطن حقه في حرية الرأي والتعبير وحرية النشر والطباعة،حيث جاء في المادة الثامنة والثلاثون من الدستور السوري ( لكل مواطن الحق في أن يعرب عن رأيه بحرية وعلنية بالقول والكتابة وكافة وسائل التعبير الأخرى ... وتكفل الدولة حرية الصحافة والطباعة والنشر وفقاً للقانون).  إلا أن قانون الطوارئ قد حجب كثرة من الحقوق الأساسية للمواطن ليس أقلها حرية التعبير، والمواطن السوري لا يفكر أصلاً بمسألة حرية التعبير أو حرية الصحافة بل قبل ذلك يفكر بحقه في العيش أو لقمة العيش، وهو يعيش على هامش الحياة السياسية والثقافية، وأن الحديث عن حرية الصحافة أو حرية التعبير تعتبر بالنسبة للكثيرين ضرباَ من الترف وثرثرات مثقفين لا يشعرون بواقعه و سينظر لهم  شزراً وازدراءً  في ظل معاناتهم اليومية من غياب القانون وسطوة أصحاب النفوذ ابتداءً من أصغر موظف أو شرطي.

     منذ عام 1963 لم يعد في سوريا سوى الصحافة الرسمية التابعة للدولة والتي دأبت الدولة ووزارات الإعلام المتعاقبة حتى اليوم على جعلها فارغة من أي محتوى. وحيث تعاملت السلطة دائماَ مع وسائل الإعلام كمجرد بوق أو وسيلة من وسائلها في ممارسة الحكم متغافلة عن دور الإعلام في التعبير عن الرأي والرقابة وتشكيل الرأي العام، وأن للمجتمع حقاًٍ فيه وهو ليس ملكاَ للسلطة الحاكمة وحدها، ويجب أن يعكس ويعبر عن مصالح أفراد المجتمع وفئاته السياسية والفكرية والاقتصادية والاجتماعية. و حتى الآن لم تنشأ صحافة مستقلة وشعبية تهتم بالمواطنين وحياتهم ومشاكلهم رغم مضي ثلاث سنوات على صدور قانون المطبوعات. 

   وبموجب هذا القانون الذي طال انتظاره و الصادر عام 2001  صدر حتى اليوم 75 مطبوعة توزعت على الشكل التالي:

1-    مطبوعات إعلانية 26

2-    مطبوعات علمية 12

3-    مطبوعات سياسية 7

4-    مطبوعات رياضية 6

5-    مطبوعات ثقافية 5

6-    مطبوعات اجتماعية 5

7-    طبية وصيدلانية  4

8-    مطبوعات اقتصادية  3

9-    مطبوعات سياحية     3

10-                       مطبوعات فنية 3

11-                       مطبوعات قانونية 2

وفي منتصف شهر كانون الأول من العام 2003 تم الترخيص لإحدى عشر صحيفة ومجلة غير سياسية.

    نلاحظ أن الترخيص قد تم لـ 7 صحف سياسية خمسة منها تعود لأحزاب الجبهة التي تشارك حزب البعث في الحكم وبقيت صحيفة مستقلة واحدة بعد أن أغلقت الدومري هي مجلة أبيض وأسود التي يملكها بلال تركماني   توقفت عن الصدور لمدة ثلاثة أشهر ومن ثم عادت مرة أخرى مع مطلع هذا العام. 

      وعلى الرغم من مرور ثلاث سنوات على حكم الرئيس بشار الأسد وتبدل ثلاث حكومات في عهده إلا أننا لم نشهد أي تبدل أو تغيير على الواقع الإعلامي أو الصحافي في سوريا وغالباً ما حدثت تغييرات لكن كان طابعها شكلياَ ليس أكثر وما زالت الصحافة الرسمية تلعب نفس الدور الذي رسم لها منذ عقود مع تغيير في بعض المصطلحات حيث تبنت الصحافة الرسمية الخطاب السياسي الجديد ومفرداته ومصطلحاته. وعملية تحرير الخبر مازالت  تخضع للخطاب السياسي لأنها تستهدف التوجيه ، لذلك فإننا نجد أن الخبر مثقل بالتأكيدات السياسية دون أن يحتوي على المعلومة، فالمحرر يهتم أساساً بانعكاس التحرير داخل الوسط الرسمي المشرف على الحدث ، أما بالنسبة للقارئ فالمهم هو متابعة الحركة الرسمية التي تعكس التوجهات السياسية وبالتالي فالمعلومات التفصيلية ليست مهمة ما دام العنوان الرئيسي هو تطبيق السياسة العليا للدولة وعلى ســـــــبيل المثال نشرت جريدة تشرين في عددها 8879  تـــاريخ 6 / 1 / 2004 تحت عنوان ( "عطري وضع حجر الأساس لمشروع محطة القطارات وسوق الحجاز"  برعاية السيد الرئيس بشار الأسد قام السيد المهندس محمد ناجي عطري رئيس مجلس الوزراء صباح أمس بوضع حجر الأساس لمشروع محطة القطارات وسوق الحجاز في وسط مدينة دمشق. وحضر الاحتفال الذي أقيم بهذه المناسبة السادة المهندس مكرم عبيد وزير النقل والمهندس هلال الطرش وزير الإدارة المحلية والبيئة والدكتور سعد الله آغا القلعة وزير السياحة ومحمد نهاد مشنطط وزير الإسكان والتعمير. كما حضره الرفاق السادة أمين فرع دمشق للحزب ومحافظ ريف دمشق ونائب رئيس المكتب التنفيذي لمدينة دمشق وعدد من رؤساء المنظمات الشعبية والنقابات المهنية والفعاليات الاقتصادية والاجتماعية وعدد من الأطر الفنية والإدارية المشرفة على المشروع. وبعد أن وضع السيد رئيس مجلس الوزراء حجر الأساس لهذا المشروع الحيوي الهام استمع من السيدين المهندس صلاح حبيب احمد المدير العام للمؤسسة العامة للخط الحديدي الحجازي و الشيخ زيد بن محمد الشريف رئيس مجلس إدارة شركة عقار السعودية القابضة المساهمة في هذا المشروع على شرح مفصل حول أهمية المشروع ومراحل تنفيذه وأقسامه المختلفة. وبهذه المناسبة أدلى السيد رئيس مجلس الوزراء بتصريح لممثلي وسائل الإعلام أكد فيه أهمية هذا المشروع الحيوي ودوره في تحقيق التنمية الوطنية بأبعادها المختلفة وأشار إلى المناخ المناسب للاستثمار الذي تشهده سوريا في إطار مسيرة البناء والإعمار بقيادة الرئيس بشار الأسد.هذا ويتضمن المشروع الذي تقدر كلفته بحوالي ثلاثة مليارات ليرة سورية إنشاء محطة قطارات حديثة مع منشآت تخديمية للمحطة ومجمعاً تجارياً ومرآباً للسيارات ومرافق خدمية وسياحية ويوفر المشروع قرابة عشرة آلاف فرصة عمل عند استثماره.

       نلاحظ أن الخبر الذي من المفترض أن يكون عن المشروع وما يمكن أن يوفر من فرص للعمل إن كان في مراحل إنشائه أو بعد أن يكتمل وعن المستثمر وبيان حصة الدولة أو الجهات المستثمرة، وما سيجنيه من أرباح وفوائد اقتصادية و خدمية ... إلخ بل نلاحظ أنه ركز على الحضور حيث تضمن الخبر 190 كلمة عن الذين حضروا وتعداد أسمائهم و35 كلمة فقط حول المشروع، وما ذكره الخبر أن المشروع سيوفر 10.000 فرصة عمل قد لا يكون دقيقا فثلاثة مليارات بالحسابات الاستثمارية لا يمكن أن توفر هذا الرقم  من فرص العمل.

        فالصحافة الرسمية لا تهتم بعد بالمواطن ولا تحترمه ولا تقيم له أي اعتبار طالما تصوغ الخبر على هذه الشاكلة بل تهتم بالمسؤولين وبمن حضر وتخشى أن يسقط سهواً اسم أحد الحضور حينها ربما يعاقب الصحفي على إهماله. وبالمقابل لا تحظى الصحافة الرسمية بثقة المواطن لأنه عرفها على مدى عقود من الزمن وعلى المدى نفسه استمرت الصحافة الرسمية بإدارة ظهرها للمواطن السوري وبقي المواطن يستقي معلوماته من الصحف العربية في كثير من الأحيان أو أنه لا يستقي شيئاً ولا يعلم ما يجري أو يصنع في بلده وأصبح سلبياً في تعاطيه مع الشان العام بل يائساً ومنكفئا على ذاته، ولا يتعاطى مع صحافته التي توزع بضعة آلاف من الصحف لا أكثر ومن هنا نرى موقف القارئ الذي لا يستطيع التعبير عن رأيه تجاه ما يكتب إلا في مقاطعته لهذه الصحف التي تعتمد على الإطناب والمديح ، والأعداد القليلة التي توزعها الصحف السورية يفسر موقف القارئ السلبي،  وتوزيع بضعة آلاف من الصحف يعتبر مخجلاً  إذا ما أخذنا في اعتبارنا أن عدد سكان سورية أكثرمن 18 مليون نسمة، بينهم أكثرمن 10 مليون قارئ، أضف إلى ذلك تدني سعر الصحيفة السورية  بالمقارنة مع الصحف العربية الأخرى التي يباع اقلها سعراً بضعف ثمن الصحيفة السورية، ومع ذلك تنفد هذه الصحف من الأسواق، في حين تتكدس الصحف السورية في منافذ البيع و تعاد إلى مصادرها.

      وفي استطلاع للرأي اجراه المركز الاقتصادي السوري  على عينة عشوائية تتألف من 600 فرد ضمن مدينة دمشق، رأى 35 % من هذه الشريحة أن الإعلام الرسمي إعلام" مضلل " بينما رأى 42 % أن الإعلام السوري إعلام موجه للخارج ولا يأبه بمخاطبة الجماهير و 23 %   فقط أشاروا بان الإعلام السوري موجه للجماهير  في الداخل، وهذه نتيجة منطقية تبين لنا أن اكثر من 75 % من الشعب السوري لا يثق بوسائل الإعلام المحلية و يرى أن خطابها لا يلامس واقعه. 

      تملك الحكومة الصحف الرئيسية الثلاث إضافة إلى الصحف الأربع التي تصدر في المحافظات، وصدرت  صحيفة جديدة تحت اسم الفرات في المنطقة الشرقية بداية هذا العام ومن المتوقع أن تكون على نفس خطى شقيقاتها الأخريات، وهذه الصحف تعبر عن وجهة نظر الحكومة والدولة والحزب، وتستقي أخبارها بشكل رئيسي من وكالة الأنباء الوطنية سانا وبالتالي نقرأ فيها نفس الأخبار السياسية والثقافية وحتى أخبار المنوعات أو الحوادث. ولدى هذه الصحف كادر إعلامي كان من الممكن أن يكون مفيداَ في ظل سياسة إعلامية أخرى ومؤخراً أعلنت صحيفة البعث أنها ستزيد عدد صفحاتها إلى عشرين لكن لم نلحظ حتى الآن أي تطوير على مستوى المضمون ما خلا بعض النقاشات حول تطوير حزب البعث ومنطلقاته النظرية.

      إن وجود صحافة مستقلة فاعلة لا ينفصل بالمطلق عن وجود حرية الرأي وحرية التعبير وحرية تشكيل أحزاب سياسية ووجود قانون ينظم عمل هذه الأحزاب إضافة إلى إلغاء قانون الطوارئ الذي مضى على العمل به أكثر من أربعين عاماً. وطالما غاب القانون غابت الحريات وغاب كل شيء، وبالتالي فرغم وجود بعض الصحف المستقلة كالاقتصادية والتي تعتبر ممثلة لرجال الأعمال الجدد لا يمكن أن تلعب دورها كمجلة مستقلة، فعلى سبيل المثال كتب الصحفي يونس خلف في الاقتصادية في العدد 128 / 4 كانون الثاني 2004 تحت عنوان ( السيد رئيس مجلس الوزراء إني أشتم رائحة فساد ..! ) والمادة بعنوان بارز نسبياً وعلى الصفحة الأولى وموضوع المادة هي مياه ملوثة يشربها ربما عشرات الآلاف من المواطنين ويبدو أن السيد يونس خلف قد حقق بكل جوانب المشكلة وأنه مطلع على كامل تفاصيلها لكنه لم يقدم أية فائدة من مادته هذه فهو لم يذكر اسم المنطقة التي يوجد فيها الماء الملوث غير الصالح للاستخدام البشري، و تنتهي المقالة دون أن يذكر اسم مكان المياه الملوثة أو من هم المسؤولون عن ذلك رغم أنه تحدث عن مسؤولين ولجان شكلت لكن دون ذكر اسم واحد وكأننا في سوريا ليس لدينا أسماء للمدن أو للمناطق أو للأحياء أو البلديات ... ومع ذلك نشرت الاقتصادية في عددها 129 تاريخ 11 / 1 / 2004  ما جرى للصحفي من تهديد ووعيد فإذا كان هذا الصحفي لم يذكر لا المكان ولا المسؤولين عن المياه الملوثة وتعرض لما تعرض من تهديد فكيف لو تجرأ وذكر الأسماء هل نتصور ما سيحصل له وربما لمن حوله وهي قضية تتعلق  بمسؤول صغير.

      إضافة لهذا الواقع فالأوامرية والبيروقراطية والهرمية، قد حولت الصحفي إلى موظف يكتب من وراء مكتبه, مفروض عليه عدد من المقالات الشهرية وعدد الكلمات لكل مادة وبأجر لا يكاد يمنعه من العوز، وبالتالي غابت عن هذه الصحف التحليلات ما عدا السطحية منها ومقالات رفع العتب أو أداء الواجب، وكذلك تحول الصحفيون إلى ناطقين  باسم المسؤولين ومدافعين عنهم وتحولت الكتابة الصحفية إلى الكتابة بقرار تنفيذاَ لسياسة الدولة والحكومة حتى أن الصحفي يمكنه أن يكتب رأياَ ويخالفه غداً إرضاء لأصحاب القرار والشأن، وحتى يحافظ على لقمة عيشه.

       أما عن الجهة التي من المفترض أن تكون عوناً للصحفيين أي اتحاد الصحفيين فهي غير معنية بما يجري ويكتفي القائمون عليها في تدبيج الخطب والمقالات عندما يتعلق الأمر بصحفي خارج سوريا ويكون التضامن معه والحديث عن حرية الصحافة المنتهكة كما حدث مثلاً عند اعتقال الصحفي تيسير علوني في إسبانيا أما عندما تتعلق المسألة بحالة داخلية فلا نسمع له صوتا كما  في الحالة التي ذكرت، و كما في حالة طرد الشاعر الصيني الأصل "احمد جان عثمان"حيث أكد رئيس اتحاد الصحفيين في سورية "صابر فلحوط" أن الاتحاد ضد حجز الحريات في أي مكان على وجه هذا الكوكب، لكن هذا الرجل ليس عضواً في اتحاد الصحفيين، وبالتالي لا صلة مهنية لنا به، مؤكداً أن " أحداً إذا ما تقدم بوضع تفاصيل المشكلة أمام اتحاد الصحفيين فإن الاتحاد سيتحرك ليطالب ويتقصى عن الموضوع" وكأن مهمة الاتحاد فقط محصورة بتقديم شكاوي له، فهل تقدم الصحفي تيسير علوني بشكوى لاتحاد الصحفيين السوريين عندما تضامنوا معه مثلاً؟

    في اجتماع فرع دمشق لاتحاد الصحفيين الذي انعقد في مبنى صحيفة الثورة مطلع العام الحالي يقول السيد طالب قاضي أمين معاون وزير الإعلام أن الحاجة ماسة لرفع مستوى الصحفيين ونحن نعمل لأجل ذلك أما بخصوص حماية الصحفيين فقد كان السيد الوزير واضحاً وجريئاً عندما قال : " أملك من الشجاعة ما يكفي لحماية الصحفي " فهل لي أن أسأل أن حماية الصحفي تتطلب وزير إعلام شجاع أم يتطلب قانوناً يحمي جميع الصحفيين وقبلهم جميع المواطنين من تعديات الأجهزة وأصحاب النفوذ؟

وقال الدكتور صابر فلحوط رئيس اتحاد الصحفيين: ( إذا كنا لم نستطع سابقاً حل مشكلاتكم فإننا نتوجع لوجعكم وهناك وعود خيرة بتحسين أوضاع الصحفيين من خلال وعود رئيس مجلس الوزراء بتأمين 20 مسكناً في المحافظات 10 منها في دمشق وأيضاً سعينا من أجل إعفاء رسوم الخليوي وتأمين سيارة ورفع طبيعة العمل على أساس الراتب الحالي .. ) نلاحظ أن السيد رئيس اتحاد الصحفيين يقر أنه لم يستطع حل مشكلات الصحفيين سابقاً لكنه يقدم وعوداً كما  وعد دون أي إشارة للسعي لمزيد من حرية الصحافة والتعبير ــ حيث بالتأكيد لن يحصل كل صحفي على سيارة أو بيت ــ  وكان من الأجدى أن ينظر لمشكلات غلاء رسوم الخليوي والبيوت والسيارات وضآلة الرواتب ويوجه الصحفيين باتجاه شن حملة صحفية ضد الحكومة التي مازالت تدير ظهرها لهذه المشكلات وخاصة الرواتب التي تجعل من مواطني سوريا يعيشون على حافة الفقر، أو طرح ومناقشة مشكلات الصحافة في سوريا بشكل عام لكن يبدو أن السيد صابر فلحوط لا يرى أن هناك مشاكل سوى ما ذكر. أما بشأن قانون المطبوعات فقد أشار السيد فلحوط إلى أنه ( فإن فيه من الهّنات التي تسيء إلى الشفافية فالقانون النافذ الآن يقضي بحبس الصحفي في أكثر من مادة ونحن أثرنا الموضوع وسيكون عام 2004 عام التعديل ).

    إن قانون المطبوعات ليس فيه من الهّنات بل إن بعض مواده تركت الباب مفتوحاً لتفسير الحكومة أو الجهات المعنية في الرقابة كما في المادة ( 51 أ ) التي تجرم نقل الأخبار غير الصحيحة ونشر أوراق مختلقة أو مزورة، وتنص على معاقبة من يفعل ذلك بالحبس من سنة إلى ثلاث سنوات، وبالغرامة من خمسمائة ألف ليرة سورية إلى مليون ليرة سورية". وتنص المادة بتنفيذ الحد الأقصى من العقوبتين معا إذا كان النشر أو النقل قد تم عن سوء نية أو سبّب إقلاقا للراحة العامة أو تعكيراً للصلات الدولية، أو نال من هيبة الدولة، أو مسّ كرامتها، أو مسّ الوحدة الوطنية أو معنويات الجيش والقوات المسلحة، أو ألحق ضرراً بالاقتصاد الوطني وسلامة النقد.

ونلاحظ هنا أن تحديد سوء النية أو عدمه  سيعود بالضرورة إلى جهة الإدعاء، أي الجهات الحكومية. واستخدم القانون هذه التعبيرات دون أن يضع تفسيرات أو تعريفاً لها مما يفسح المجال للحكومة بإعطاء التفسيرات لأي جملة أو عبارة صحفية قد لا تروق لها عند تفسير هذه التعبيرات الواردة في القانون. كما يفسح المجال للدولة في أن تمارس سلطتها على الصحف المستقلة التي يمكن أن تصدر، وأعطى القانون صلاحية واسعة لمجلس الوزراء في رفض الترخيص لصحف جديدة دون تبيان الأسباب, وبالتالي بالترخيص لمن تشاء أو لا تشاء. 

    أما قسم الصحافة في جامعة دمشق الذي من المفترض أن يخرج الكادر الإعلامي الأكاديمي وهم من سيكونون صحفيي المستقبل فواقعهم ليس أفضل حالاً من الصحفيين والصحافة في سوريا بل ربما أكثر بؤساً فالفساد والأمراض البيروقراطية والمحسوبيات وغيرها في هذا القسم أسوة بباقي الكليات، فهذا القسم مضى على تأسيسه عشرون عاما لا اختصاصات لا أساتذة مختصون لا مخابر لا كاميرات فيديو لا حتى مواد للتدريس لا مجلة يكتب بها الطلاب وربما لا جريدة حائط . وفي عددها الصادر في 12 / 1 / 2004 نشرت مجلة أبيض وأسود تحقيقاً عن القسم أجرته الصحفية بثينة عوض تحت عنوان " قسم الإعلام بجامعة دمشق صورة مصغرة عن الإعلام السوري!" تقول : ( في البداية وعندما أخبرته " أي أحد المسؤولين في القسم " أنني أريد إجراء تحقيق حول قسم الإعلام رحب كثيراً بالفكرة ولكنه بعد قليل كلمني بلهجة لا تخلو من الغمز، بشرط أن يكون التحقيق  متوازناً ويظهر إيجابيات القسم، أما السلبيات  فلا داعي للتكلم بها لأنها تسيء إلى القسم وتقلل من معنويات الأساتذة ورغبتهم في تطوير القسم أما الجملة التي أذهلتني فهي " أحياناً يكون هناك أشخاص مدسوسون على القسم لهدف آخر " ) وتقول أيضاً: ( والطامة الكبرى أن معظم أساتذة قسم الصحافة لا يحملون أية اختصاصات إعلامية ولا يمارسون مهنة الصحافة ولا يعرفون عنها سوى المعلومات النظرية، فكيف سيستطيع هؤلاء بخبرتهم القليلة أن يعلّموا طلابهم كيف يكونون إعلاميين؟ ).

   في سوريا عدد كبير من الصحفيين الذين لم يدرسوا الصحافة وهم في معظمهم أتوا من مواقع حزبية وأكاديمية وخلفيات سياسية وفكرية متنوعة وبعضهم لا يمتهن العمل الصحفي، لكنهم نشيطون بالكتابات الفكرية والتحليلات السياسية في الصحف العربية ومؤخراًً أتاحت لهم الصحافة الإلكترونية مجالاً واسعاً للكتابة في كافة الموضوعات بعيداً بعض الشيء عن الرقابة ما خلا الرقابة الذاتية وحدود الممنوع في وعيهم ولا وعيهم لكن نستطيع القول أن هذا النوع من الصحافة ليس رائجاً نظراً لمحدودية انتشار الإنترنت في سوريا و حتى الكثير من الصحفيين الذين يعملون في الصحافة الرسمية لا يتعاملون مع هذه التقنية الجديدة فما بالك بالمواطن العادي الذي لا يملك المال الكافي لشراء جهاز الكومبيوتر أو الاشتراك في الإنترنت نظراً لأسعارهما التي لا تتناسب أبدأ مع الدخل فعلى سبيل المثال يستطيع المواطن الأوروبي شراء سيارة بجزء من راتبه الشهري بينما لا يستطيع المواطن السوري شراء جهاز كمبيوتر برواتب عدة شهور .

       مسألة طريفة تلح عليّ لأذكرها: دخلت إلى موقع وزارة الإعلام www.moi-syria.com بتارخ 13/4  الماضي فذهلت لما رأيت أن كل النوافذ الموجودة على الموقع لم تحدث منذ فترة زمنية طويلة.

 وعلى سبيل المثال النوافذ التالية:          

               1 -  فعاليات مختلفة         آخر تحديث تاريخ 20 / 4 / 2003

               2 -  الاستثمار في سوريا   آخر تحديث تاريخ 18 / 11 / 2002

               3 -  مراسيم وقرارات      آخر تحديث تاريخ 6 / 7 / 2003 

               4 -  تصريحات رسمية     آخر تحديث تاريخ 19 / 11 / 2002

               5 -  أخر الأخبار            لا يوجد

               6 -  الطقس                 آخر تحديث تاريخ 16 / 11 / 2002

               7 -  سياسة                  آخر تحديث تاريخ 18 / 11 / 2002

     إذا كان هذا هو حال موقع وزارة الإعلام على الإنترنت فكيف سيكون حال المواقع الإعلامية وغير الإعلامية وكيف سيكون واقع الإعلام بشكل عام إذا كان الموقع مازال يسمي وزير الإعلام بـ محمد عمران على الرغم أنه مضى على تشكيل الوزارة الجديدة أكثر من ستة أشهر.

أخيراً لا بد من قول كلمة إن الإعلام في سوريا لن يتغير ما لم يتغير فهم القائمون على الإعلام له ودوره فمثلاً يقول السيد وضاح عبد ربه رئيس تحرير المجلة الاقتصادية ( مستقلة ) في افتتاحية العدد 128 / 4 كانون الثاني 2004  تحت عنوان كل عام وأتم بخير يقول: ( أما عن أمنياتنا لـ 2004 فهي كثيرة ومتعددة ولا مجال هنا لذكرها كافة..ــ وبالنسبة لنا نحن الإعلاميين ــ  تبقى أولى أمنياتنا وأهمها أن يعود الإعلام العربي ليأخذ دوره المحوري في توعية المواطن العربي إلى المخاطر التي تنتظره.. ) فهذا الإعلام مازال يتعامل مع المواطن معاملة استعلائية وهو متلق ساذج عليه أن يتقبل كل ما يقال له. وأعتقد أن المواطن العربي سيكون بخير عندما يتخلص من مثل هذا الإعلام.   وما زالت الصحافة ووسائل الإعلام تخفي أو تؤجل نشر الكثير من الأخبار لفترات طويلة و لا يشغل مسئولي الإعلام والصحافة غير كسب ود وعدم إغضاب المسؤولين متوهمين أنهم بذلك يخدمون النظام السياسي لكن ذلك خلق قطيعة تامة بين المواطن وبين وسائل الإعلام والصحافة، وعندما يشكو الصحفيون لمسئوليهم في مؤتمراتهم من أنهم يقفون ساعات على أبواب المسؤولين ويطالبون بحل هذه المعضلة نستطيع أن نقول أن دور الصحافة كسلطة رقابية غير موجود وبعيد المنال، وهذا ما ساهم في استمرار الفساد على نطاق واسع، و أن لا محاربة للفساد دون صحافة حرة وإعلام حر يضمنه الدستور حينها لا يحسب الحساب للمسؤولين وأصحاب النفوذ و لهذه الأسباب وغيرها ما تزال روح المبادرة معدومة لدى الصحافيين فلا حوافز لذلك بل ربما المتاعب التي لم يعتد عليها الصحفي السوري، وتحول الصحفي إلى مجرد موظف مثله كمثل باقي الموظفين في الدولة، ولهذا نجد كثرة الموضوعات التي تكتب من وراء المكاتب وتغيب تلك الموضوعات الميدانية التي  تلامس هموم ومشاكل الناس.

      وعلى الرغم من الحديث الدائم عن محاربة الفساد وشعارات الإصلاح نلاحظ أن ما يجري يتناقض تماماً مع الشعارات ففي 20 /3 /2004 حجبت السلطات السورية موقع كلنا شركاء في الوطن الذي لم يمض على تأسيسه سوى عدة شهور من قبل المهندس أيمن عبد النور وهو بعثي وقريب من السلطة لكن فتح صفحات هذه  النشرة اليومية لكل من يرغب بالكتابة بغض النظر عن انتمائه السياسي أو خلفيته الفكرية والأيديولوجية وقد أصبحت منبراً حوارياً هاماً توزع عبر الإيميل لحوالي 12000 مشترك ليس أكثر، وكذلك طلب رئيس مجلس الشعب السوري السيد محمود الأبرش من أعضاء المجلس عدم الإدلاء بأية تصريحات لوسائل الإعلام المختلفة. واعتقلت السلطات السورية الكاتب الصحفي محمد غانم لفترة قصيرة على خلفية عدة مقالات ينتقد فيها السلطة لكن أطلق سراحه بعد حملة التضامن معه والمطالبة بإطلاق سراحه من قبل منظمات وصحفيين مستقلين،   ومثال آخر هو  عزل الصحفي يونس خلف مؤخراً من رئاسته لمكتب الثورة والفرات ( صحف رسمية ) في الحسكة بعد إثارته لموضوع مياه الشرب الملوثة في تلك المدينة ويبدو أن المسألة مست محافظ المدينة و مثل هذه الإجراءات تؤكد أن لا جديد على واقع الصحافة السورية.

     ختاماً هل  تدرك السلطة أن الإصلاح  و محاربة الفساد وسيادة القانون لا يمكن أن يتحقق دون مساحة من الحرية التي يحميها الدستور والقانون لتلعب صحافة حرة وصحفيون أحرار سواء كانوا في الصحافة المستقلة أو صحافة الدولة لا فرق ، ويأخذ الإعلام دوره الرقابي والنقدي ونشر الخبر لا دور التوعية كما يظن بعض القائمون على المؤسسات الإعلامية والصحفية حتى الآن؟