أنيسة عبود

من الشعر إلى القصة ومن ثم الرواية

           

أجرى اللقاء :   أسامة المصري

 

       بدأت الأديبة أنيسة عبود الكتابة في سن مبكرة، وكانت البداية مع الشعر، فجمال الطبيعة وسحرها والهدوء وروعة المكان يدفع أصحاب الموهبة والحس المتميز لكتابة الشعر، ومنحها البحر هذا الامتداد الواسع في اللغة والمخيلة وهو متواجد في جميعأعمالها،  و أول قصيدة نظمتها   لم يكن عمرها قد تجاوز اثني عشر عاماَ، وأول ديوان صدر لها كان "مشكاة الكلام" ومن ثم ديوان " قميص الأسئلة". كتبت القصة القصيرة ولها عدة مجموعات قصصية منها "حريق في سنابل الذاكرة" و"غسق الأكاسيا" و"تفاصيل أخرى للعشق " ومؤخراَ بدأت كتابة الرواية فكانت روايتها الأولى "النعنع البري " ومن ثم "باب الحيرة" وتعكف الآن على كتابة روايتها الثالثة، إضافة إلى مساهماتها في مجال الصحافة فكتبت في صحيفة البعث ومن ثم صحيفة الثورة قبل أن تتوقف عن الكتابة فيها.  

    وعبر مشوارها الأدبي المفعم بالحيوية والجدية في التعامل مع الحياة وأحداثها رغم أنها ما زالت في بداية الطريق إلا أنها حملت هموم الوطن و المرأة والإنسان فمنذ كتاباتها الأولى في الشعر والقصة القصيرة عبرت عن هواجسها وهمومها وطموحاتها وأحلامها وآمالها كتبت عن الوطن و عن الحب والإنسان، وكغيرها من أبناء وبنات جيلها فقد حملت هموم الوطن والإنسان و وعت النكبات و الخيبات، وعالجت القضايا الوطنية والقومية والواقع الذي وصلت إليه الشعوب العربية بالإضافة لما تعرض ويتعرض له الإنسان على امتداد الوطن العربي من قمع و ظلم وخذلان.

     في الشعر خرجت من إسار الشعر التقليدي لتنطلق بلغة شعرية خاصة بها محاولة الخروج عن المألوف وتقديم الجديد في الكلمة والجملة الشعرية لتبوح عما يختلج في صدرها وتحلق بعيداَ في فضاءات الشعر،  فالكتابة هي نوع من التعري والبوح يلزمها الجرأة، إن كان في طرح الأسئلة أو في التعبير عن لحظات فيها الخصوصية والحب كما قالت، و تقول في ديوانها قميص الأسئلة  : " لو أنك الآن هنا، نصفّ أشواقنا وردة وردة، نمد البحر على مناديلنا، ونجلس على ثرثرة المدينة" وفي قصيدة أخرى" هو الذي، ودع امرأة وراء الباب، نسي عطره على كفيها، وترك صوته على المرآة، ذلك الرجل الذي سار وحيداَ، وانعطف نحو الصمت، لوحت له امرأة، بصوتها الحزين ثم تقصفت كشجرة". ابتدأت رحلتها مع الشعر والكتابة من الريف وبساطة القرية لتدخل عالم المدينة الصاخب، غير بعيدة عن البحر الذي تخللها في مداه الواسع ليكون جزءاَ من ذاكرتها.

    وكما في الشعر كذلك في القصة القصيرة فقد خرجت على نمط القصة التقليدية وكتبت بطريقتها الخاصة، بعيداَ عن المدارس التقليدية والخوف مما سيقوله الآخرون، فهي أحياناَ تخاف النقاد و تجريحهم وتوصيفهم فتراها عادت إلى حالة النكوص وعادت لتكتب قصة تقليدية في خوف آخر أو أسلوب آخر، و غالباَ ما يلعب الموضوع دوراَ حاسماَ بشكل الكتابة، فهناك موضوعات لا يمكن كتابتها إلا بطريقة تقليدية و أخرى لا تكتب إلا بطريقة جديدة وحديثة وخارجة عن قوانين الكتابة وهناك قصص لا تأخذ شكلها الجميل إذا لم تكتب بهذا الشكل الخارج عن المألوف، فقدمت لنا قصصاَ مزجت فيها بين الشعر والنثر و مملوءة بالحب وعبق الورود ورائحة الزعتر البري، ففي قصة نقر على الذاكرة تقول: قميصها الأزرق ما يزال معلقاَ على الشماعة، هو يحدق بالقميص والقميص يتنهد، لقد تعب من الانتظار وتعبت الشماعة من الوقوف. بكت أوجاع المرأة ونهضت بها من عتمة الزمن، ففي قصة الحب عبر الشرفات كتبت " طافت حول العالم ألف مرة ( سألبس البحر فستانا َوسأغسل قلبي بعينيه نمشي معاَ على شرفات الأفق)"..." اشتقت إليه إلى ثيابه المعلقة على الشرفة... و" بكيت" ولم أدري لم بكيت؟  ركضت وراء النوم حتى فر مني بثوب الصباح وعندما قابلت الشمس الغاربة مساء رأيتها تدخل شقته ورأيت النوافذ قد فتحت واتسع العالم". 

   وترى أن الرواية عمل مهم جداَ وهو يعوض عن فقداننا لحالة الشعر لكن الروية تحتاج إلى جد ونفس طويل وتحتاج إلى ثقافة عالية وخبرة وتجربة حياتية غنية، فالعمل الروائي فضاء واسع يمكن أن يحتمل الكثير من الهموم والخيبات والتواريخ والأزمنة بعكس العمل الشعري أو القصة الذي يعتمد على الومضة والقصة التي تعتمد على التكييف والترميز وهناك أسئلة لا يمكن الإجابة عنها إلا في الرواية. وفي روايتها الأولى النعنع البري التي فازت بالجائزة الأولى من المجلس الأعلى للثقافة، عالجت قضايا إنسانية وثقافية بلغة دافئة، كتبت عن حياة المدينة وصعوباتها وحياة الريف بشيء من الحنين لجمال الطبيعة وبساطة العلاقات ألاجتماعية والإنسانية وأخلاقه وقيمه وتبدل هذه العلاقات مع دخول عالم المدنية بشكل جارف وسريع ليجتاح كل شيء كما لو أنه الطوفان، مجموعة كبيرة من الشخصيات رسمت معهم وبهم أحلام وآمال وانكسارات، أحداثاَ ووقائع عكست قضايانا الوطنية والقومية.

وفي روايتها الثانية باب الحيرة لم تغلق أنيس عبود باب الحيرة بل ربما فتحت تساؤلات وابواب أخرى للحيرة، وحيث مزجت الخيال بالواقع والحب بالسياسة، ومتنقلة في الزمان والمكان من سوريا ولبنان وفلسطين إلى أقصى الغرب الأمريكي مع مجموعة من الشخصيات التي اختارتهم  أو لتكتب معهم ما لم يكتب في الكثيرمن القضايا التي تعرض لها الوطن والإنسان، باب الحيرة بانوراما في التاريخ والخغرافيا ملقية الضوء على تاريخ سوريا الحديث والمعاصر لتراه بعين متفحصة عابرة بين لحظة وأخرى محطات هامة من تاريخها ، كذلك فقد عالجت جوانب هامة من حياة المرأة وما تقاسيه نتيجة العلاقات الاجتماعية التي مازالت تتحكم بمصيرها وتفرض عليها نمطاَ محدداَ من الحياة  في أغلبية المجتمعات العربية.

 ليس من السهل أن نجد بين الكتاب كاتباَ كتب ونشر الشعر والقصة والرواية، والأديبة أنيسة عبود واحدة من الكتاب القلائل الذين جمعوا بين هذه الأجناس الأدبية وأعطت أعمالاَ ربما يختلف النقاد حول ما تقدمه  في كتاباتها وتجربتها، وفي الجانب الأخر أيضاَ ربما هناك الكثير من القراء أو النقاد الذين لم يتعرفوا بعد على نتاجاتها الأدبية.

 

التقيت بها في منزلها في مدينة جبلة وكان لنا معها هذا الحوار الذي تميز بالصراحة والجرأة التي تمتعت بها دائماَ الكاتبة فيما كتبت وما عالجت من موضوعات:

 

 

كتبت الشعر والقصة والرواية أين كانت البداية وأين تجدين نفسك؟

     البداية كانت مع الشعر، والشعب العربي عموماَ تربى على الشعر ولديه ذخيرة شعرية هائلة وكما نعرف الشعر ديوان العرب وهذا الكم الهائل من الشعر لا يمكن إلا أن يختزن في الذاكرة منذ أن كنت صغيرة وأول قصيدة كتبتها كنت في الصف السادس.

فالكتابة هي نوع من التعري والبوح وفي مجتمعنا ينظر للكتابة أن فيها فضيحة وعري وقد كتبت بأسماء مستعارة وكتبت الشعر المحكي وأرسلته إلى الراديو وقرأ ولم يعرف من الذي كتبه وبعد ذلك كتبت ونشرت في مجلة الأسبوع الأدبي بأسماء مستعارة عشتار وزنوبيا وبعد ذلك كتبت القصة والشعر وتزامن مع العمود الصحفي الذي كنت أكتبه بجريدة البعث ومن ثم في جريدة الثورة إلى أن توقفت أو أوقفوني لكن أين أجد نفسي أنا بالحقيقية لا أعرف أين أجد نفسي فأنا أكتب لأنني أبحث عن نفسي وهناك حالات وجدانية لا يمكنني أن أعبر عنها إلا عن طريق القصيدة وهناك أسئلة لا يمكن الإجابة عنها إلا في الرواية.

       إلى حد ما كتبت بغزارة فهل هي الهواجس التي تدفعك للكتابة وإلى أي مدى تؤثر هذه الهواجس على كتاباتك؟

     سألتني أين تجدين نفسك وأنا ربما لأني لا أجد نفسي أكثر من الأسئلة والكتابة عبارة عن طرح أسئلة والكاتب لا يجيب، أسئلة وجودية وسياسية تتعلق بمناحي الحياة والوجود، لدي الكثير من الأسئلة وربما لهذا السبب أنا أكتب بغزارة ورغم أني موظفة وأم لكن علاقتي بالكتابة وطيدة أكثر من أي شيء آخر، وأنا شبه متفرغة للقراءة والكتابة، وقد ذكرتني بالمحامي المرحوم نجاة قصاب حسن عندما قال للأديبة إلفت الادلبي  حينها كنت صغيرة وكنت جديدة على الكتابة  :أنيسة تكتب بغزارة تكتب الكثير أجابت الأديبة الفت الادلبي دعها تكتب على طول وشجعها بكرة سيأتي زمن لا يستطيع الإنسان الكتابة.

يمكن فورة الشباب وبدايات الطريق ولكي يثبت الإنسان وجوده وكثرة الأسئلة، لكن بعد فترة تتناقص هذه الأسئلة إما نتيجة الخيبات أو نتيجة عدم جدوى طرح الأسئلة أو أنه يحصل على بعض الإجابات.

    أغلبية أبطال أعمالك من النساء إلى أي مدى تشعرين أنك تعبرين هواجس المرأة أو همومها؟

     أنا أختلف معك بهذا السؤال، أبطالي ليسو من النساء فالعمل الأدبي لا يبنى على فقط على المرأة، والعمل الأدبي إن كان رواية أو قصة يبنى على الرجل و المرأة هكذا الحياة والعمل الأدبي هو بشكل أو بآخر يعكس حياة الإنسان، فإذا كان هناك شخصيات بارزة كـ زينب هناك كاظم أيضاَ لكني أحمل شخصية زينب كل القضايا التي أطرحها إن كانت اجتماعية و وطنية وسياسية لقد وجدت في هذه الشخصية البؤرة المناسبة كي تحمل هذه الأفكار والتي أطرحها ليس انحيازاَ للمرأة لكن ربما المرأة تكون أكثر قدرة على تمثيل الواقع أنا لدي هموم المرأة لكن أيضاَ لدي هموم مضاعفة سياسية واجتماعية ووطنية وبالمحصلة أنا منحازة للإنسان.  

     هل هناك أدب نسائي؟    

      إذا كانت المسألة بمعنى الخصوصية فأنا أكتب بخصوصية مختلفة عن الرجل وبنفس الوقت بخصوصية مختلفة عن امرأة أخرى، لكن أن يكون بمعنى الأدنى أو التابع فأنا لا أؤمن بهذه المقولة فأنا أعبر بلغة مختلفة عن لغة الرجل فلدى المرأة زوايا نظر خاصة بها بالإضافة لما تملكه من ثقافة ورؤية عن زوايا النظر لدى الرجل، و المرأة والرجل يمكن أن يكتبا أدباَ جيداَ أو رديئاَ، بالتأكيد هناك خصوصية بل ميزة وأنا أعتقد أن هناك ميزة أحملها بكياني كأنثى، والآن المرأة تتفوق في كتابة الرواية وأنا مسئولة عن رأيي، وذكر أحد النقاد وهو محمد دكروب إذ قال إن المرأة شقت طريقها بسرعة هائلة في مجال الإبداع وخاصة الرواية.

        في تفصيل أخرى للعشق لاحظت أن بعض القصص ليست قصصاَ بالمعنى الاصطلاحي للقصة و هي أقرب لأن تكون تداعيات أو مشاريع لكتابات أخرى ما رأيك؟

 بالنسبة لي ككاتبة أنا لا أخلص من التجربة أبداَ، وفي بداية كتاباتي القصة كان هناك اعتراضات وأعتبر أنني عملت شيئاَ مختلفاَ أنا ومجموعة من كتاب جيلي منهم أسامة اسبر ونبيل صالح ولقمان ديركي وخالد خليفة وأحمد اسكندر وعملنا شيء مختلف وكانت القصة خارجة عن التوصيف التقليدي و بالنسبة لي اعتبر هذه ميزة أنني أكتب قصة غير تقليدية، أحاول وقد أفشل وربما انجح لكني مازلت أحاول سواء بالقصة أو بالرواية أو بغير ذلك أحاول حتى في المقالة الصحفية أن يكون لي خطي الخاص وأسلوبي الخاص وأعتبر هذا كتابة حديثة أو جديدة مختلفة بشكل أو بآخر و في المجموعة الثانية وأنا أعتبرها من أهم المجموعات هي حريق في سنابل الذاكرة فقد كان التجريب عالي جداَ وهذه المجموعة لم تأخذ حقها.

    في باب الحيرة سرت وراء الحدث على حساب اللغة الأدبية ما رأيك؟

   يسعدني هذا الكلام لأنه مأخوذ علي أنني أجري وراء اللغة الأدبية فأنا فوجئت بهذا الرأي ولن أعترض عليه وهذا يعود إلى المتلقي وأعتبر أن اللغة شيء أساسي والآن لدي عمل روائي جديد حاولت أن أتخلص من ثوب اللغة المسيطر علي وبرأي النقاد أن ميزة كتاباتي أنني أكتب بلغة متفجرة ومتجددة وقد حاولت جاهدة في باب الحيرة أن أخفف لكن في العمل الثالث لم أخفف وحاولت أن أخرج لكن لم أجد نفسي وهذه أول ملاحظة تقال لي أنني ركضت وراء الحدث، أحياناَ هناك نص روائي هو حدث بحد ذاته وأهميته تأتي من الحدث وهناك نص تأتي أهميته من اللغة وأنا أحاول أن أزاوج بين الاثنين ولا أعرف على أي مدى سأوفق بذلك.

مسألة الحيرة تكررت في أكثر من مكان في كتاباتك ما قصة حيرتك؟  

      أعتقد كي تكتب يجب أن تكون محتار ولأنك محتار تريد وضع يدك على جملة من القضايا وجملة من الأسئلة وجملة من الأجوبة، أنا انطلقت من باب الحيرة إلى أبواب أخرى منها الصوفية ولا أريد أن أغوص في عملي الجديد أو أشرحه لأني أعتقد أنه سيفقد دلالاته، وأنا لا أقصد في باب الحيرة فقط الحيرة العادية أو أنا محتارة وكيف الخروج من باب إلى باب لكن مع ذلك فالأبواب لها دلالات والعنوان كذلك.

        إلى أي مدى تؤثر شخصية الكاتب في شخصيات العمل الأدبي وإلى أي مدى تؤثر هذه الشخصيات في الكاتب؟

لا ينطلق الكاتب من فراغ وشخصية الكاتب تخل بنسب كثيرة أو قليلة في العمل الإبداعي سواء في الشعر أو في القصة و الرواية، لكن مدى قدرة الكاتب على توظيف أشياؤه الشخصية لخدمة العمل الروائي ودمج شخصيته أو جزء من شخصيته في الشخصيات الروائية، وكثيراَ ما نجد شخصيات منفرة تماماَ وليس لها علاقة بالروائي وهي منبوذة ومرفوضة من قبله هل أستطيع أن أقول أن شخصيته هنا قد دخلت إلى شخصيات عمله لكن كيف يرى هو الأشخاص ورؤياه لهؤلاء الأشخاص وهو الذي ينطق هذه الشخصيات كل ما يريد أي يحمل الشخصيات أفكاره، وهذه الشخصيات إما أن تشبهه وحملها أفكاره أو يحملها النفور من أفكار معينة، وأعود إلى فكرة التداخل بين شخصية الكاتب وشخصيات العمل فالكاتب لا يكتب سيرته الذاتية لكنه يحمل من نفسه شيئاَ منه فمثلاَ زينب ورولا وعليا كل هذه الشخصيات أنا خلقتها وبالضرورة فيها شيء مني أو قريبة من شخصيات أنا أحبها ومدى التداخل يعود إلى كل عمل ومدى مقدرة الكاتب على توظيف هذه الخصوصية التي يعطيها لشخصياته، أحياناَ أشعر أنني أحسد بعض شخصياتي التي ربما أضيف لها أشياء ليست موجودة عندي واستطاعت أن تقول أشياء لم أقلها وكثيراَ ما تطاردني هذه الشخصيات وكثيراَ ما أنتهي من الكتابة لكن الشخصيات أو بعضها تطاردني ويقلقني وفي أثناء كتابتي للنعنع البري كنت أعيش في زمن الرواية الذي هو منتصف القرن الماضي.

     ما مدى حضور التحولات الاجتماعية والسياسية على الساحة العربية وبشكل خاص سورية؟

    حضور التحولات السياسية والمتغيرات والنكسات هي بالعمل الروائي لأن العمل الروائي فضاء واسع يمكن أن يحتمل الكثير من الهموم والخيبات والتواريخ والأزمنة وحضور هذه القضايا في عملي الروائي الثالث المخطوط حاضر بشكل كثيف وأنا ابنة هذا الوطن محملة بكل هذه الهموم السياسية والاجتماعية، لكن ما يجري الآن في فلسطين والنكسات وخيباتنا كعرب وخشيتي من ضياع هويتنا المهددة تؤثر بي ووصلت إلى حالة من الألم الشديد وأثر ذلك على كتاباتي وجعلني أشعر بالعجز الكامل في بعض الأحيان فالحرب على العراق والحرب على الهوية العربية والهوية والإسلام تحز في نفسي وتؤثر في لغتي ومخيلتي، والكاتب لا يمكن إلا أن يكون مسيساَ والأدب لا ينفصل عن السياسة.

     كيف تنظرين إلى الحركة الأدبية في سورية؟

أنا متفائلة بشكل عام في الحركة الأدبي في سورية وقد نشطت في التسعينات وكان هناك شلة من الأدباء الشباب الذين خرجوا عن المدارس التقليدية الجاهزة وقلت نحن خارجون من معاطف الآخرين ونحن جيل بلا أساتذة ونحاول أن نعمل شيء جديد وجميل وظهرت أعمال قصصية وروائية و شعرية متميزة لكن هذه الفترة ومنذ 1999 إلى الآن لم أعد ألاحظ أصوات شابة جريئة ومتميزة وخاصة في القصة والشعر، وهناك أعمال روائية قليلة جداَ لكنها بدأت تشق طريقها إلى الوطن العربي لتخرج من المحلية، صوت الشعر والقصة منخفض في سورية لا أدري يمكن أن تكون الاحباطات والأوضاع الاقتصادية السيئة ليس في سورية بل في الوطن العربي والناس تبحث عن لقمة العيش، أضف إلى ذلك أن الجيل الجديد ربما تتمثل الثقافة عنده من خلال الإنترنت والفضائيات، وهناك غزو للعقل الشاب من قبل الثقافة الغربية وخلخلة للقيم التي نؤمن بها.

   هل تخشين النقد ؟

أولاَ بالنسبة للنقد الأدبي معظم كتاب الوطن العربي متفقين أنه لا يوجد نقد عربي على مستوى النص وأنا برأيي أن الناقد هو الذي يتبع الكاتب لكن ما يجري الآن على الساحة العربية والسورية تحديداَ أن هناك أسماء كثيرة تتنطح لنقد وهو نقد صحفي نقد سريع فكل جريدة لديها مجموعة من النقاد إما يحسّنون أو يضيفون مزايا للعمل أو يشوهون العمل بدون خبرة أو دراية وهذا ليس تعميم لأن هناك بالفعل أقلام صحفية وأقلام ناقدة متميزة وعميقة الرؤية وأنا أقول أن معظم الكتابات التي تنشر في الصحف السورية والعربية هي كتابات غير نقدية وغير معمقة وتتبع أهواء وحالات معينة وهذا نجد أحياناَ أن عمل أدبي غير ناضج لكن تنبري أقلام نقاد يسمون أنفسهم بنقاد وتطبل وتهلل لعمل ما وتعقد الندوات وغير ذلك.

النقد حالة نادرة في الوطن العربي ونحن شعب لا نحب النقد بشكل عام وفي مجال الأدب أيضاَ فالعلاقات الشخصية تلعب دوراَ مهما في عملية النقد فناقد متميز قد لا يتعرض لعمل أدبي ما كي لا يشوّه صورة العمل، فصلة ما تربط الناقد بالمؤلف، وحتى الآن لم أصادف الناقد الذي يفصل بين النص والمؤلف ويقوم بعملية نقد للنص الأدبي لكن للأسف فدائماَ هناك ربط بين المؤلف والعمل الإبداعي، والناقد فوراَ يلجا إلى شخصية المؤلف ويسقطها على العمل الإبداعي، رغم أن أحد كبار النقاد تحدث عن موت المؤلف ولم يحضرني اسمه الآن، أنا برأيي أن النص يجب أن يموت مؤلفه فوراَ عندما يخرج النص إلى النور ويبدأ النقد بتعرية هذا النص، لكن للأسف فالناقد العربي لا يقوم بهذا الدور فإما أن يطبل للعمل أو يسقطه تماماَ.