عبد المعين الملوحي

شعر وأدب ومشوار طويل 

 

أجرى اللقاء: أسامة المصري

  

  ما أحلى الحياة ما أرقى الإنسان ما أروع ما صنع الإنسان من أوابد. هذا ما يقوله الأستاذ عبد المعين الملوحي الشاعر والكاتب، الذي آمن بالإنسان و أعطي كل ما استطاع للإنسان، ونذر نفسه لقضايا الإنسان، لشعبه وأمته، آمن بالوحدة العربية وقضاياها، وناصر الشعوب الأخرى، من الصين وفيتنام إلى كوبا وأفريقيا، وجد نفسه مع الفقراء منذ طفولته ووجد نفسه ضد الاستعمار وأعوانه وضد الظلم والعسف، ولهذا وجدناه وعلى مدى سنوات حياته الطويلة، مدافعاَ بقلمه عن هؤلاء ومؤيداَ للشعوب المقهورة والمظلومة.

       الأستاذ عبد المعين الملوحي، وهو أحد أعلام الشعر والأدب، كتب الشعر والنثر والترجمة وتحقيق التراث العربي، والتأريخ في الحياة الاجتماعية، والحياة الأدبية، نشر أكثر من تسعين كتاباَ، وما زال لديه الكثير من المخطوطات التي لم تنشر بعد، ويتمنى أن تنشر ما تبقى من مخطوطات، كي يتاح للجميع قراءتها والإفادة من التجربة الغنية والثرة لهذا الإنسان والأديب الذي مازال يكتب ويعمل رغم سنوات عمره السبعة والثمانين.

      حياة الأديب والشاعر  حافلة بالأحداث و مليئة بالعمل حتى يخيل للمرء أن هذا الرجل لم يرتح يوماَ واحداَ في حياته، إن كان في الكتابة والإبداع، أو في حمل هموم الوطن وقضايا الإنسان، ويقول عن نفسه أنه أممي في أفكاره، أممي حتى في أدبه، فقد أصدر اكثر من / 15 / مجلدا في تحقيق التراث، و / 17 / مجلداَ في التأليف والدراسات والأدب الذاتي، و / 4 / دواوين شعر و / 35 / في تراجم الآداب العالمية.

     ففي مجال التراث الشعري أصدر ديوان ديك الجن الحمصي في أول محاولة لجمع شعر ديك الجن الذي ضاع ديوانه، وحقق ديوان عروة بن  الورد، وكتابه " دفاعاَ عن أبو العلاء " يدافع فيه الكاتب عن أبي العلاء لما وقع عليه من ظلم حين زعم الكثيرين انه كان ملحداَ، و شفافية الملوحي ونزعته الإنسانية هي الدافع الذي جعله يبحث في تراث الأدب العربي ويضع كتباَ امتازت بنزعتها الإنسانية فأصدر كتابه " مواقف إنسانية في الشعر العربي " الذي جمع فيه ستين موقفاَ، تشرف الشعر العربي والحضارة الإنسانية،   وأصدر كتاباَ من  ثلاث مجلدات في " أشعار اللصوص وأخبارهم " تضم كل ما عثر عليه من أشعار اللصوص وأخبارهم و أمضى أربعين سنة في جمعها.

      والقصائد الأكثر شهرة للشاعر كانت ثلاث قصائد في الرثاء، الأولى رثا فيها زوجته بهيرة التي عانت آلام السرطان قبل وفاتها   فكتب أكثر من /250/ بيتاَ في رثائها، يقول:

     أبهيرتي ! قالوا لنا: ما هكذا عرف الرثاء          قولي لهم : بل إنه نار بها احترق البكاء

أما قصيدته الثانية فكانت في رثاء أبنته ورود التي خطفها الموت منه وهي في الثالثة عشرة من عمرها، ويعاتبها لتركها له فيقول :

     رافقتني في رحلتي أيام أرفل في شبابي         وتركتني لما كبرت ، فكاد يقتلني مصابي

أما قصيدته الثالثة فكانت في رثاء نفسه وتقع في / 167 / بيتاَ استعرض الشاعر فيها مراحل حياته ومواقفه من مختلف القضايا الوطنية والقومية والإنسانية ويقول:

    وما اخترت في ماضي الزمان ولادتــــي           ولا اخترت في باقي الزمان وفاتيا  ....

    غداًَ سوف ينسى الأهل والصحب حفرتي           كما أنا في الماضي نسيت رفاقيــا

     وعن البيت الذي نشأ فيه في مدينة حمص ويتردد عليه بين الحين والآخر كتب قصيدة أسمــاها " قصر يلدز " ، النشيد الأول تحت عنوان "ما أعطتني حمص" يقول :  يا حمص ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍..  يا بلدي .. يا مثوى آبائي وأجدادي ..ترابك الأحمر صاغ جسدي .. حجارتك الصلبة قدت مبادئي.. ماؤك العذب أنبت عواطفي..  رياحك العاصفة نسجت جنوني .. أغصانك المياسة ألهمتني حناني .. يا حمص ‍‍‍‍‍‍‍‍‍.‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍

     وينقل لنا في كتابه " كيف أصبحت شيوعياَ " قصة الشاعر الصيني " لويوو " الذي عاش في القرن الحادي عشر الميلادي حين أوصى ولده أن يخبره بوحدة المقاطعات الصينية إذا تحققت بعد وفاته، " فاخبرني حين تقدم القرابين في مأتمي " ويقول الملوحي متتبعاَ أثار هذا الشاعر " يا بن أخي ( لويوو ) .. هل نفذت وصية أبيك .. فأخبرته بوحدة الصين وهو في قبره.. إن لم تفعل فاسرع إليه اليوم." إلى أن يقول موجهاَ كلامه لابنه: يا ولدي .. غداَ إذ حقق العرب وحدتهم .. فاكتب ذلك على شاهدة قبري .. لترتاح عظامي .. يا ولدي منقذ .. وإن لم تستطع كتابة ذلك في حياتك وا أسفاه..  فأوصي بها أحفادي."

    لم يتميز الاستاذ الملوحي بمواقفه الوطنية والقومية والأممية فحسب بل تميز أيضاَ بموقفه من المرأة، فهو يعتبر أن المرأة والرجل وجهان لعملة واحدة هي الإنسان ويجب أن يبقى كلا الوجهين ناصعاَ، ويعتبر أن التمييز بين حرية المرأة وحرية الرجل خطأ والأصل حرية المجتمع. وفي كتابه الإنسان ذلك المظلوم وفي  فصل الرجل والمرأة يقول: قالت الأشواك للوردة تشربت من كأسها لتملأ الحديقة بهجة ومالاَ حذار أيتها الوردة من العاصفة  لا تتركينا. قالت الوردة وهي تتفتح وتنشر أوراقها المضمخة بالعبير: لو بقيت معك يا أختي الشوكة لما كنت وردة.     

    كيف أصبحت شيوعياَ و نجوى حجر  وشظايا من عمري و الإنسان ذلك المظلوم، في هذه الكتب قدم الكاتب سيرة ذاتية غطت المفاصل الأساسية من حياته، وقدم مادة أدبية غنية بالتجارب الحياتية، وجوانب نفسية في شخصيات قد نصادفها في حياتنا، وقدم من خلالها مادة تاريخية موثقة عن مراحل هامة من تاريخ سورية.

   كتب القصة وله مجموعتين قصصيتين كانت الأولى بعنوان طعم التخمة وطعم الجوع والثانية من أيام فرنسا في سورية التي عرض فيها صوراَ واقعية عن نضال الثوار في مدينة حمص. وله العديد من الترجمات تاريخ الشعر الصيني المعاصر، وتاريخ الأدب الفيتنامي، والأدب السويدي، و ديوان جناح جبريل لـ محمد إقبال.

   كان آخر ما  نشره الأديب " في بلدي الحبيب الصغير حمص " وهو سجل ثري وغني للفضاء الثقافي الأدبي بحمص خلال أكثر من نصف قرن شارك فيه حواراَ ومداخلات ودراسات وقصائد انطلاقا من حبه لمدينته ودفاعاَ عن بيئتها وأفقها الإنساني الرحب.

   ولد الأستاذ عبد المعين الملوحي في مدينة حمص عام  1917 و درس في مدارسها وحصل على إجازة في الآداب من جامعة القاهرة وعمل مدرساَ ومفتشاَ في وزارة التربية وأستاذاَ في جامعة بكين وتنقل في عدة وظائف قبل أن يصبح مستشاراَ ثقافياَ في رئاسة الجمهورية وهو عضو في مجمع اللغة العربية.

 

التقيت به في منزله بدمشق وكان لي معه هذا الحوار:

 

 

أرفض التكريم لأني أعتقد أن ليس في العالم العربي كله من يستحق التكريم، وأنا أولهم ما دامت فلسطين تجابه طغيان الصهيونية وحدها والدول العربية تتفرج على مذابحها كأنها تتفرج على فيلم سينما، وما دامت الجولان محتلة ومادام العراق يواجه الاستعمار وحده، وتعاونه دول عربية عميلة، وسأطلب التكريم بفم مفتوح عندما تتحرر فلسطين ويعود إلينا الجولان وتحقق الدول العربية استقلالها ، وعندئذ نصبح عرباَ ونصبح بشراَ.