العرب والقمم العربية

بقلم: أسامة المصري *

المتابع لتاريخ الجامعة العربية والقمم العربية والنظام العربي على مدى ما يقارب الستين عاماً، يلاحظ أن هذه المشاهد تشبه لوحات رسمت بأقلام ملونة خطتها يد طفل صغير يرسم ما يراه من خلال أحلامه ورؤاه الطفولية للواقع، وهي خطوط من الصعب تفهم أسباب مساراتها أو تدخلات ألوانها، ما لم نعد ربما إلى تفسير فرويديّ لمسارات الخطوط وأشكال هذه اللوحات. وعلينا أن نتطلع إلى الوراء كي نرى أسباب ما آلت إليه الشعوب العربية. وقبل ذلك لا بد من طرح بعض الأسئلة كي نستطيع السير قدماً في هذا الرأي الذي قد يراه البعض مغالٍ في تشاؤميته أو في عدميته: 1 - لماذا لم يستطع العرب تحقيق وحدتهم القومية؟ 2 - لماذا الجامعة العربية وهل هي ضرورية بعد أن أثبتت فشلها على مدى تاريخها؟ 3 - هل يمكن للشعوب العربية فعلاً أن تتجاوز واقعها حتى لو تغيرت الأنظمة العربية وجميع حكامها؟ 4 - هل البديل هو المعارضة العربية الحالية في بلدانها؟

لم يستطع العرب تحقيق وحدتهم القومية عبر تاريخهم الطويل، فالوحدة الأولى كانت ضمن الدولة الأموية التي ورثتها الإمبراطورية العباسية الإسلامية، ومن ثم وحد العثمانيون العرب في ظل إمبراطوريتهم التي انتهى حكمها مع الحرب العالمية الأولى، ودخلت المنطقة ضمن المشروعات الاستعمارية مع بدايات القرن العشرين وكانت الفترة بداية لظهور الفكر القومي العربي.

مع انتهاء الحرب العالمية الثانية وظهور الدولة الوطنية تبلور الفكر القومي لدى بعض الأحزاب والحركات السياسية التي طرح مسألة الوحدة القومية، لكن يمكن القول، وباختصار، إنه على الرغم من النوايا الطيبة أو الحسنة، إلا أن كل من دعا إلى الوحدة القومية كان يريدها على طريقته وبزعامته (الوحدة السورية المصرية)، ودون النظر إلى التباينات لدى المجتمعات العربية أو أنظمتها الحاكمة من جهة، ومن جهة ثانية، (كان) ارتباط عدد من الأنظمة العربية بالخارج والمصالح المتباينة ووجود زعامات تقليدية لا يوجد في ثقافتها السياسية والاجتماعية قيم التشارك أو العيش مع الآخر حتى لو كان هذا الآخر من بني جلدتها، والتاريخ العربي يشهد على ذلك من حرب داحس والغبراء حتى الحرب الأهلية اللبنانية وحرب اليمن أو الحرب الأهلية السوادنية أو الحرب الأهلية الجزائرية، فمنطق العشيرة والقبيلة هو المغروس عميقاً قي وجدان العربي، وما القائمة الطويلة من الأمثلة الشعبية، التي لا أريد ذكرها الآن، إلا خير دليل على ذلك، فحتى الشعارات التي رفعتها الأنظمة العربية، وهي الحد الأدنى من (..) العمل العربي المشترك أو التضامن العربي أو التنسيق .. لم تكن في يوم من الأيام واقعاً، وإن ما بدا من تضامن أو ما شابه ذلك لهو نتيجة مصالح مؤقتة أو ضغوطات ليس أكثر (كثيراً ما قدمت دول الخليج المساعدات المالية لدول المواجهة أو منظمة التحرير الفلسطينية من خلال الابتزاز والتهديد المباشر وغير المباشر)، وحيث لم تكن أية مقررات عربية في القمم لا تساوي الحبر الذي كتبت به كما يقال. وغالباً ما كانت المقررات المتفق عليها هي نتيجة (تقبيل اللحى والشوارب) وليس نتيجة قناعات ومصالح مشتركة، فالمصالح المشتركة لم تكن يوماً موجودة لدى الأنظمة العربية، وإنما هي فقط مصالح مرتبطة مع الأجنبي بسبب عدم وجود تطور اقتصادي وصناعي لدى أي من الدول العربية التي تعتمد على بيع ثرواتها الخام واستيراد التكنولوجيا من الخارج، إضافة إلى غياب العقلية الاستراتيجية من التفكير السياسي لدى القادة السياسيين العرب، وكذلك غياب المؤسسات، فالدولة والنظام دائماً مرتبط بالشخص ووجوده بالذات، وغالباً ما تغيرت أهداف النظام مع غياب الزعيم. ولهذا فإن العواطف والرغبات - إن وجدت - ليست كافية لتحقيق الوحدة ولهذا فشلت الأحزاب والحركات السياسية القومية في تحقيق هدف الوحدة. ويمكن القول: إنه لا يمكن للعرب تحقيق وحدتهم القومية؛ لأنه ببساطة لا يوجد لديهم مصالح مشتركة ولا رغبة ولا إرادة في العيش المشترك، وما يقال عن التاريخ واللغة المشتركة لا يبني وحدة قومية.

لم تكن فكرة إنشاء الجامعة العربية من إنتاج العرب، وإنما كانت فكرة بريطانية بعد نهاية النظام الاستعماري في محاولة منها للإبقاء على حضورها ورعاية مصالحها كما في رابطة دول الكومنولث من خلال الأنظمة الحليفة لها آنذاك. وعبر ما يقارب الستين عاماً، فإن الجامعة العربية التي شارفت اليوم على نهايتها لم تلعب أي دور إيجابي لقضايا الشعوب العربية ولا حتى لأنظمتها، فمن الطريف حقاً أن مشروع إنشاء محكمة عدل عربية كان قد طرح في مؤتمر قمة الإسكندرية عام 1964 وطرح على قمة تونس التي لم تعقد، أي بقي أربعين عاماً دون أن يتفق العرب فقط على إنشاء محكمة عربية حتى لو لم تكن عادلة، فهل من الضروري وجود هكذا جامعة التي عملت على مدى تاريخ وجودها على إصباغ المشروعية على كل ما هو غير شرعي، أليس من المفيد أن نتخلص من هكذا جامعة حتى لا نضيع مزيداً من الوقت في سماع الشتائم من الزعماء العرب.

سأورد أهم محطات الجامعة العربية منذ تأسيسها إلى اليوم:

إن أول مواجهة جدية للجامعة العربية مع الواقع كانت قضية فلسطين، ويلاحظ أنه لم يعقد مؤتمر قمة إثر هزيمة حرب 1948، وعقدت أول قمة بعد الهزيمة في عام 1956 أي بعد مرور ثماني سنوات، لكن القضية الفلسطينية، استمرت بفعل الشعب الفلسطيني ومقاومته المستمرة، وعلى الرغم من اعتبارها قضية العرب جميعاً، إلا أن الأنظمة الحاكمة على مدى تاريخها كانت تعمل على استثمار هذه القضية لتحقيق مصالح خاصة أو إقليمية. ونلاحظ أن الجامعة العربية والنظام العربي الرسمي قد سار بخط منحدر في التعامل مع القضية الفلسطينية، وبعد الهزيمة ورفض قرار التقسيم وإصرار معظم الدول العربية على تحرير كامل التراب الفلسطيني، وصلنا إلى مشروع الأمير عبد الله في قمة بيروت (التطبيع الشامل مقابل السلام الشامل) ولا ندري ما سيكون الاتفاق علية في قمة تونس التي لم تعقد بعد ونتمنى أن لا تعقد.

المواجهة الثانية كانت إثر هزيمة العرب في حرب حزيران عام 1967 التي تحولت فيها الأنظمة العربية عن مشروع تحرير كامل التراب الفلسطيني، وتبنت القمة التي عقدت إثر الحرب "اللاءات الثلاث حيث أطلق فيها العرب لاءاتهم: "لا صلح، لا تفاوض، لا اعتراف"، إضافة لما عرف بقرار "تضافر الجهود لإزالة آثار العدوان" الذي أفرغ اللاءات من مضمونها، إذ يعنى تحرير الأراضي التي احتلت في عام1967 فقط.

المواجهة الثالثة كانت عام 1982، بعد احتلال أول عاصمة عربية وهزيمة منظمة التحرير التي كانت قد تعرضت لهزائم أقل خسارة لكن أكثر إيلاماً؛ لأنها كانت على يد ذوي القربى، ولم تعقد قمة عربية إثر احتلال بيروت وإنما عقدت عام 1985، ولم تقدم الجامعة العربية أو النظام العربي الرسمي أي دعم جدي، سوى التعامل مع الواقع الجديد. وتم تحرير لبنان وجنوبه بفعل الشعب اللبناني ومقاومته الوطنية، وترك الشعب الفلسطيني وحيداً حتى تفجر انتفاضته الأولى في عام 1987.

المواجهة الرابعة احتلال نظام صدام حسين للكويت، وما تبعه خلال أكثر من عشر سنوات حتى احتلاله من قبل أمريكا وحلفاؤها قبل عام وسقوط العاصمة العربية الثانية بيد القوات الأمريكية هذه المرة، وتفجرت الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2001 وحوصر هذه المرة الشعب الفلسطيني بأكمله مع رئيسه وترك ليواجه مصيره بنفسه.

المواجهة الخامسة، وربما الأخيرة للجامعة العربية مع الواقع، هي مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي طرحته أمريكا كمشروع لتغيير الأنظمة العربية أو تحويلها باتجاه الديمقراطية على الطريقة الأمريكية، وهي المواجهة الأكثر خطورة في تاريخ الأنظمة والجامعة العربية، إذ أصبح السيد الأمريكي في المنطقة وأحد لاعبيها الأساسيين، والأصح أنه اللاعب الوحيد في الملعب العربي، وهذه القمة إن عقدت ستسجل اعترافاً أن العرب ليسو سادة أنفسهم ولا هم من يقررون مصائرهم.

من الواضح وبعد تأجيل مؤتمر قمة تونس أن أمريكا أصبحت تستطيع أن تقرر متى تعقد القمة وماذا يجب أن يناقش داخلها أو تحديد جدول أعمالها، ومن الواضح أيضاً أن عدداً من الأنظمة العربية قد ارتبط نهائياً بأمريكا ويتحدث باسمها وينفذ ما تطلبه منها، ويسعى عدد آخر لكسب هذه الثقة الأمريكية.

في الواقع كانت الآمال معقودة على الشعوب العربية، كما طرحت التيارات الفكرية والأحزاب اليسارية العربية (أفكاراً) لتحقيق النهضة والوحدة والوصول إلى مصاف الأمم المتقدمة، لكن بعد عقود من حكم الأنظمة الاستبدادية العربية، ملكية وجمهورية أو ما شابه، ذلك لم يعد هناك أي أمل بنهضة لهذه الشعوب، فما فعلته هذه الأنظمة بشعوبها لم تستطع كل الأنظمة الاستعمارية فعله، وبسبب الاستعمار توحدت الشعوب العربية خلف قياداتها الوطنية وتحررت ونالت استقلالها، لكن اليوم تعاني كل الشعوب العربية من تفتت بل تذرر للمجتمعات العربية على أسس طائفية ومذهبية وعشائرية وقبلية، وربما ما دون ذلك في بعض الحالات.

الغياب الكامل لمؤسسات المجتمع المدني، وهجوم الريف الكاسح على مجتمع المدينة، بدد كل ما وصلت إليه المدينة من قيم حضارية ومؤسسات مدنية في بعض الدول العربية، (..) البرامج النهضوية في التعليم والتنمية وإرساء القيم الحضارية قد تبددت بعد ما آلت إليه المجتمعات من فقر وجهل وبطالة وغياب القانون وأبسط حقوق الإنسان، وحتى المثقفين الذين يعتبرون صمام أمان أو ضمائر الشعوب، لم يبقَ منهم إلا قلة قليلة أمينين على ضمائرهم، (كما) تعاني المجتمعات العربية من انهيار شامل لنظام القيم الأخلاقي.

وحتى لو تغيرت الأنظمة العربية كلها لن يبدل في الأمر شيئاً، فالمسألة أصبحت أعقد بكثير من تغيير نظام أو استبداله بآخر؛ لأن أي نظام جديد سيكون محكوماً بواقع متخلف، وفساد طال كل المؤسسات حتى التربوية والتعليمية، ونظام أخلاقي وقيمي منهار، و(سيكون) محكوماً بنظام العولمة الذي يريد صناعة إنسان يستجيب لتكنولوجيته وثقافته.

أما أحزاب المعارضة العربية فقسم منها لم يعد له وجود سياسي ذو معنى بفعل آلية القمع التي دامت لعدة عقود، و(ما زالت) مستمرة في معظم الدول العربية إلى الآن، وقسم آخر يعمل وفق آلية رد الفعل ليس أكثر، وهو عاجز عن تقديم استراتيجيته أو تصوراته الخاصة. وقد عجزت هذه الأحزاب عن تطوير برامجها السياسية وخطابها السياسي، وعجزت عن رفد تنظيماتها بالعناصر الجديدة والشابة، فالشعوب في وادٍ والأحزاب السياسية في وادٍ آخر. ونتيجة عجز هذه الأحزاب عن التغير في بلدانها إضافة لقمع الأنظمة الاستبدادية الشديد، فقد رمى بعضها نفسه في أحضان أمريكا كما حصل في العراق وأصبح مصطلح "التغير من الخارج" شائعاً في مناطق أخرى على الساحة العربية، وتتسابق بعض الأنظمة لكسب ود أمريكا قبل أن تكسبه معارضتها، وتنأى عن الحوار مع أحزاب المعارضة مفضلة التنازلات لأمريكا عن التنازل لشعوبها حفاظاً على مكاسبها، فالمعارضة في كثير من الدول العربية ضعيفة وهشة ومشتتة وعاجزة عن تقديم البدائل، إضافة إلى أنها لا تملك الوسائل لتعبئة شعوبها فهي ما زالت تردد جمل وشعارات على مدى نصف قرن أو يزيد، فالمواطن العربي اصبح بعيداً كلياً عن السلطة والمعارضة، وفقد الثقة بهذه المعارضة التي يصل عمر بعض أحزابها (إلى) أكثر من سبعين عاماً، دون أن تقدم شيئاً لمواطنيها، وفقدت مصداقيتها كلياً. أما أحزاب المعارضة الناشئة، أو التي أعادت طرح نفسها بشكل جديد، فإن أغلبها إسلامية وأصولية، وهي التي تستقطب الشباب وتنشط على نطاق واسع (لا سيما) بين النساء، لإدراك هذه الأحزاب ما تلعبه المرأة في حياة الأجيال الناشئة، حتى أننا نستطيع القول إنه لم يعد لأي أفكار علمانية أو أحزاب ذات توجهات علمانية أو ليبرالية من حظ في الوجود مستقبلاً، فهناك عداء شديد لأي طرح علماني أو ليبرالي مهما بدا صغيراً، لكن مستقبل هذه الأحزاب مرتبط بمدى تكيفها مع المتطلبات الأمريكية، خاصة بعد إعلان أمريكا حربها على "الإرهاب" والتي تستهدف بدرجة كبيره التنظيمات والأحزاب الأصولية.

أخيراً؛ لا بد من كلمة: إنه لا مستقبل للأنظمة العربية الحالية إلا بقدر استجابتها لما تريده أمريكا ومدى قدرتها على التكيف مع المتطلبات الأمريكية ومن المرجح أنها ستفعل ذلك، (فالقذافي مثلاً يريد العودة لتطبيق القوانين التي كانت سارية في العهد الملكي ويتجه لإلغاء كل منجزاته فريدة عصرها بعد35 عاماً من سيره في طريق ثورته ومن غير المستبعد أن تمشي أنظمة أخرى على خطاه).

أما الشعوب العربية فستكون في وضع لن تحسد عليه إذا ما سارت الأنظمة في هذا الاحتمال، ولن يكون لدى أجيال المستقبل من أمل لعيش كريم، ولا أمل بمستقبل أفضل لهذه الشعوب.

__________