بلاد الرافدين ....الحضارة وذاكرة الإنسانية

 

        أسامة المصري

15   / 4  / 2003

 

      هل حقيقة أن أمريكا أرادت أن تدخل العراق من أجل ما تدعيه حول امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل؟ أم للقضاء على نظام صدام حسين؟ والسيطرة على منابع النفط والتحكم بتدفقه وأسعاره؟ أم هو محاولة للسيطرة أو إحكام السيطرة على منطقة الشرق الأوسط، التي لعبت عبر التاريخ دوراَ مهماَ وحيوياَ في السياسة الدولية؟ وإلى أي مدى يلعب التاريخ والمعتقدات الدينية  دوراَ في هذه الحرب؟ وهل كل هذه  الأسباب وربما غيرها كانت وراء العدوان على العراق.

     وهل كان توقيت بدء الحرب مصادفة في العشرين من آذار حيث كان من المفترض أن يقام في بغداد احتفالاَ دولياِ بمناسبة مرور خمسة آلاف عام على اكتشاف الكتابة في وادي الرافدين. وجاء الاحتفال بنفس التوقيت لكن على الطريقة الأمريكية في إمطار هذه المنطقة  التي تعتبر بحق أم البشرية وذاكرة الإنسانية بالصواريخ الذكية والقنابل العنقودية، أتكون هذه الذاكرة هي أسلحة الدمار الشامل، التي تدعي وجودها في العراق؟ ويجب تدميرها حتى لا يبقى من الذاكرة إلا ما أنتجته المجمعات الصناعية الأمريكية من قنابل ذرية وعنقودية.

     العراق مهد التاريخ البشري منه انبثقت أولى الحضارات السومرية والآكادية والبابلية والآشورية وهو الذي قدم للعالم أهم الاكتشافات التي كانت أساس الحضارة الإنسانية من الكتابة والموسيقى والأدب والفن فأول قيثارة صنعها الإنسان كانت هناك، و سطرت ملحمة جلجامش  تصورات الإنسان عن الحياة والموت والصراع مع الطبيعة،  ومن بلاد الرافدين كانت أقدم التصورات الدينية التي انبثقت منها أولى المعابد وآلهتها، وكذلك شريعة حمورابي التي تعتبر من أقدم النصوص في القانون، بالإضافة إلى دولاب الخزاف والعجلة.   

    لا ندري حتى الآن ما الذي استهدفته الصواريخ الذكية من مواقع أثرية لكن كل ما نعرفه أن بغداد والبصرة والموصل ومدن العراق الأخرى، قد قصفت بآلاف الصواريخ والقنابل،  و استبيحت وتركت بين أيدي اللصوص لثمانية أيام حتى الآن، لكن من المؤكد أيضاَ  أن القصف الأميركي قد دمر قصرا ملكيا قديما للملك غازي الأول الذي حكم العراق من سنة 1933 إلى 1939 والذي تم تحويله إلى متحف، ومن المؤكد أيضاَ أن أعمال السلب والنهب طالت المتاحف والمكتبات الوطنية والمراكز الثقافية والجامعات، في حين حمت القوات الأمريكية وزارة النفط وحقوله وهذا ما يهم هذه الزمرة العابثة بتاريخ البشرية وذاكرتها.

     فمن المتحف الوطني في بغداد سرق أكثر من 170 ألف قطعة أثرية وتم تهشيم وتحطيم ما لم يقدر اللصوص على حمله،  وحرقت الوثائق والمخطوطات التي عمرها آلاف السنين في المكتبة الوطنية في بغداد بعد أن سرق ما سرق منها، بالإضافة إلى ما نهب من لوحات فنية قبل أن يحرق مركز الأعمال الفنية في بغداد أيضاَ.

    فهل هذا التدمير والسلب والنهب للعراق تدميراَ رمزياَ لبابل التي سبت اليهود في عهد الملك الآشوري نبوخذ نصر، وانتقاما لذاك السبي سيؤخذ المدافعون عن العراق إلى غوانتانامو كسبي مقابل سبي، وهل بتدمير بابل الرمزي هذا سيأتي المسيح المزعوم الذي لن يأتي بدون تدمير بابل التي سبت اليهود قبل أكثر من 2600 عام، وحيث تذكر الأدبيات اليهودية و تحفل بالكثير من البكائيات والذكريات المريرة عن هذا السبي.

     إن طموحات هؤلاء الذين يدعون زعامة العالم الحر تختلط بأفكارهم الدينية المتعصبة، و التي تسعى لتدمير مهد الحضارة البشرية من أجل أوهامهم وتحقيق نبوءاتهم التوراتية والتلمودية، وتتساوق مع الفكر الصهيوني الذي يدعي بأرض الميعاد وحدودها من الفرات إلى النيل، وبعد تهديم ونهب بابل بدأت الحملة السياسية الأمريكية و الصهيونية ضد سوريا وهي التوأم في التاريخ الحضاري و الإنساني لبلاد الرافدين، فدمشق التي ظلت حلماَ للتوراتيين منذ آلاف السنين، بدأت عيونهم تتطلع نحوها اليوم، ليكتمل الحلم التوراتي، لكن دمشق كانت وستبقى عصية بوجه الزعماء التوراتيين في التاريخ القديم والحديث. 

      وليس غريباَ عدم انضمام كل من الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا إلى معاهدة لاهاي بشأن حماية التراث الحضاري إذا نشبت نزاعات مسلحة، فالأمريكان وأسلافهم البريطانيين هم من دمروا حضارات الهنود الحمر في أمريكا وقضوا على الملايين من سكانها المسالمين، والتاريخ يحفظ لهاتين الدولتين أبشع صور القتل والتدمير لثقافات شعوب أمريكا وأفريقيا وآسيا، واليوم يأتون على حضارة وثقافة بلاد الرافدين ذاكرة الإنسانية بحجج وذرائع مختلفة، فهل يقبل العالم ويسكت عن ما يجري وما سيجري إذا أتيح لهم، وإذا صمت العالم كما صمت أثناء الحرب فإن الشعب العراقي سينتفض بوجه الغزاة ولن يقبل ما يقترفه الأمريكان وأزلامهم بحق تاريخهم وذاكرة الإنسانية.