هل انتهت اللعبة؟

بقلم أسامة المصري *

هل نعي الدرس ونسأل كيف سقطت أكبر عاصمة عربية من حيث امتدادها على مساحة تقارب أكثر من خمسة آلاف كيلومتر مربع بهذه السرعة؟ هل لنا أن نسأل أين الرئيس العراقي وحاشيته وكيف اختفت هذه القيادة بين ليلة وضحاها لتترك الشعب العراقي بين الأيدي الأمريكية الأمينة؟ كيف تسقط أكبر عاصمة عربية دون أي رصاصة تطلق أو قذيفة آر بي جي على دبابة أمريكية، وهي التي تكدست فيها أكبر ترسانة من الأسلحة وعدد هائل من القوات، إن كانت من الحرس الجمهوري الذي كما قيل عنه إنه لا يستسلم ولا يتراجع إلا إذا تلقى أمراً بذلك؟ وأين مقاتلو حزب البعث وفدائيو صدام الأشاوس كما وصفهم محمد سعيد الصحاف وزير الإعلام حتى يوم الثلاثاء ليختفي بعد هذا التصريح ربما إلى الأبد؟ كيف تصمد أم قصر عشرة أيام وتصمد المدن الأخرى أكثر من ذلك ويسجل أبناؤها ملاحم بطولية قل نظيرها في مواجهة أكبر وأعتى قوة في التاريخ وتكبيدها خسائر بين صفوف مجنديها لا تجرؤ القوات الغازية على إعلانها، وتسقط بغداد دون قتال؟

لماذا لم يُجب أحد من المسئولين الأمريكيين في مؤتمراتهم الصحفية التي عُقدت إثر مسرحية دخول القوات الأمريكية إلى بغداد أين صدام حسين وأبناؤه وحاشيته وما مصيرهم؟ أليسوا هم من يريد صدام حسين ورموز نظامه لمحاكمتهم كمجرمي حرب، كما كانوا يقولون؟ فنراهم لا يأبهون لمصير صدام وغيره. وكنا قد شاهدنا السيد محمد الدوري ممثل النظام العراقي في الأمم المتحدة كيف يرد على أسئلة الصحفيين وكأنه ليس ممثلاً لهذا النظام حتى يوم الثلاثاء فيقول بالحرف: اللعبة انتهت، ويرد أنه لا يعرف شيئاً عن صدام بالقول: لا أدري ربما الأمريكيون يعرفون شيئاً عنه.

هل انتهت اللعبة بالسيطرة على بغداد بعد اكتمال الهيمنة الأمريكية على الجزيرة العربية إثر حرب الخليج الثانية؟ ولماذا لم يكمل جورج بوش الأب حربه ضد صدام ويقضي على نظامه أثناء حرب الخليج الثانية أو ما سُمي حرب تحرير الكويت؟ وهل كان هناك ضرورة لبقائه كي يكون مصدراً لتهديد مزعوم ولتستمر دول الخليج بشراء الأسلحة الأمريكية وإنقاذ الاقتصاد الأمريكي من الركود، إذ صرفت هذه الدول مئات المليارات لشراء الأسلحة من الولايات المتحدة؟ وهل كان من المفترض أن تحدث هذه الحرب حتى تكتمل لعبة صدام حسين والمخابرات الأمريكية وتسيطر القوات الأمريكية بشكل مباشر على العراق لتكون نموذج السيطرة للمرحلة المقبلة؟ فالتبعية وثنائية الخطاب لم تعد مقبولة من قبل الولايات المتحدة اتجاه العديد من الأنظمة العربية، وإنما المطلوب هو تنفيذ رغبات الولايات المتحدة دون نقاش وبما يتناسب والمصالح الأمريكية قبل مصالح تلك الدول.

لماذا أصر صدام حسين على المواجهة ولماذا انسحب بهذه السهولة وسلم بغداد على طبق من ذهب لأمريكا؟ وأين صدام حسين الآن؟ هل هو في روسيا أو روسيا البيضاء أم سيختفي كما أسامة بن لادن؟ وهل من المحتمل أن يكون قد قُتل على يد عميل آخر ستكون له مكانة في مستقبل العراق السياسي؟ وهل حقاًَ كان الأمريكيون مضطرين إلى هذه المساومة للدخول إلى بغداد، أم أن ذلك كان ضرورياً ليكتمل السيناريو الأمريكي ويتم تنصيب مشايخ على العراق كما فعلت بريطانيا مع مشيخات الخليج حيث بريطانيا تؤسس ومن ثم يأتي الدور الأمريكي بالرعاية كما فعلت مع إسرائيل والأردن أيضاً، والآن جاء دور العراق؟ فالسيطرة تمت على الجزيرة العربية والبحر الأحمر، وهذه بلاد الرافدين تستعد لحكومات من المشايخ (زعيم عشائر شمر يناشد عشائره العمل على حفظ الأمن في العراق) ولم يبقَ سوى الضفة الأخرى من الخليج العربي وبلاد الشام التي ما فتئت الولايات المتحدة تهدد سورية ولبنان وإيران تحت حجج مختلفة، لتستكمل الخريطة لشرق أوسط مرسوم على الطريقة الأمريكية الإسرائيلية بنسخة ثانية من خارطة الطريق؟

لم أقتنع بفرضية المؤامرة التي اعتنقها العديد من المفكرين والسياسيين العرب على مدى أكثر من قرن. لكن في مسألة صدام حسين وكيف انتهت لعبته، من الصعب تفسير ما حدث دون اللجوء إلى منطق المؤامرة. فصدام حسين وأين يكون مصيره سواء كان في المنفى أو أنه قُتل على يد الشخصية التي ستلعب دوراً ما في المستقبل، هو "عميل وخائن"، وربما سيكشف التاريخ والوثائق مستقبلاًَ ما جرى في العراق وكيف ينتهي دور هؤلاء. فالسادات فتح مرحلة جديدة في تاريخ الصراع العربي الصهيوني وصدام حسين أيضاً سيفتح مرحلة جديدة في شكل وطريقة السيطرة على المنطقة وإعادة تشكيلها كما حدث في بدايات القرن العشرين، لكن مع الانتباه إلى أن المسألة الآن ليست تشكيل المنطقة سياسياً بل - وهذا هو الأهم - إعادة صياغة الإنسان العربي والعراقي الآن ليكون إنساناً يحمل رأساً يشبه سندويشة الهمبرغر أو علبة الكولا.

هل سنكتشف مزيداً من اللعب في المستقبل؟ وهل يجوز أن يكون مستقبل الشعوب ومصائرها مرهوناً بمثل هؤلاء القادة وألعابهم وخياناتهم ويموت آلاف الضحايا شهداء وجرحى ومضللين؟ وسواء كان صدام حسين عميلاًَ أم خائناً فهو سلم بغداد دون قتال وخانَ ليس شعبه فقط، بل مئات الآلاف الذين خرجوا للتظاهر في أنحاء العالم، لكن يبقى الأمل أن يعي الشعب العراقي ويصحو وينتفض بوجه المحتلين ويطردهم كما فعل الشعب اللبناني حين طرد الصهاينة من لبنان وكما يفعل الفلسطينيون في مواجه الاحتلال الصهيوني. وإذا كان المخطط الأمريكي قد وصل إلى منتصفه بالسيطرة على الجزيرة العربية وبلاد الرافدين فإنه مطلوب من شعوب هذه المناطق أن تنتفض في وجه حكامها التابعين وفي وجه الغزاة أياً تكن أسماؤهم وصفاتهم.

إن ما يجري الآن من سلب ونهب للمؤسسات الحكومية والجامعات والمصارف وما يُسلب من آثار ومخطوطات من جامعة الموصل وغيرها، وحرق الوثاثق الحكومية والمدنية ما هو إلا محاولة للقضاء على تاريخ عمره آلاف من السنين واستبداله بلوحات إعلانات مضاءة بقوة للمنتجات الأمريكية، وكل ذلك يتم تحت سمع القوات الأمريكية وبصرها، بل بإشرافها، للقضاء على ما يمكن أن يكون متبقياً من أمل في تجاوز المرحلة السابقة، وليقول الأمريكيون إن الشعب العراقي بحاجة إلى وصاية وحكم من قبل الجنرال جاي غارنر وأمثاله. لكن يبدو أن الشعب العراقي سيعي الدرس، ويبدو أنه بدأ في العديد من أحيائه بتشكيل لجانه الشعبية للدفاع عن نفسه وممتلكاته وآثاره التاريخية، ولن يلحق بالأوهام كما فعلت المعارضة العراقية حيث تنتظر الأوامر من واشنطن كي تحضر إلى بغداد أو تجتمع هنا أو هناك.

__________