الصحافة المستقلة على خطى الصحافة الرسمية

 


أسامة المصري :
على الرغم من مضي ثلاث سنوات على صدور قانون المطبوعات في سوريا إلا أننا لم نشهد بعد ظهر صحافة مستقلة تمتلك المهنية الصحفية وتبدو لنا الصحافة المستقلة كصدى للصحافة الرسمية. فصحيفة الدومري التي كانت الوليد الأول لقانون المطبوعات ورغم ما قيل عنها إلا أنها لم تقدم أكثر من ثرثرات كلامية على شكل انتقادات للحكومة أو لبعض المؤسسات والدوائر الحكومية أو الغير حكومية، وأعتقد أن إغلاقها لم يكن له هذا الأثر السلبي على القارئ أو المواطن الذي من المفترض أن يكون هدف أي إعلام هو الوصول إليه أما مجلة أبيض وأسود التي ربما حاولت تقديم الجديد على هذا الصعيد لكنها لم تستطع وأغلقت كما علمت لأسباب مالية هذا يعني أنها لم تستطع الوصول إلى القارئ لتغطي احتياجاتها المالية، أما الصحيفة الثالثة الاقتصادية فهي مستمرة ربما بجهود من يعمل بها وربما إصرارهم وهذا بالتأكيد شيء مسر وإيجابي فهي على أية حال تحاول تقديم نفسها بشكل متميز، لكن مع ذلك فهي لم تخرج عن إسار الفهم الرسمي للعمل الصحفي على الرغم من جملة من الموضوعات التي ظهرت بعناوين عريضة، واتخذت لنفسها شكل المروج أو المسوق لمن تعبر عنهم وربما هذا من حقها، و ربما هذا ما يتفق مع وجهة نظر القائمين عليها وبالتأكيد هذا أمر طبيعي، في ظل الواقع السياسي في سوريا.
وما دفعني اليوم للكتابة حول هذا الموضوع هي مادة صحفية للصحافي يونس خلف في العدد 128 / 4 كانون الثاني 2004 تحت عنوان ( السيد رئيس مجلس الوزراء إني أشتم رائحة فساد ..! ) والمادة بعنوان بارز نسبياً وعلى الصفحة الأولى وموضوع المادة هي مياه ملوثة يشربها ربما عشرات الآلاف من المواطنين ويبدو أن السيد يونس خلف قد حقق بكل جوانب المشكلة وأنه مطلع على كامل تفاصيله، لكنه لم يقدم أية فائدة من مادته هذه فهو لم يذكر اسم المنطقة التي فيها هذا الماء الملوث والي يحتوي على المستعمرات الجرثومية وبحسب تقريره فإن هذا الماء الموصوف غير صالح للاستخدام البشري، لكن تنتهي المقالة دون أن يوضح أين يجري ما تحدث عنه إن كان ولا من هم المسؤولون عن ذلك رغم أنه تحدث عن مسؤولين ولجان شكلت لكن دون ذكر اسم واحد وكأننا في سوريا ليس لدينا أسماء للمدن أو للمناطق أو للأحياء أو البلديات ... أو أن ليس للمسؤولين أسماء وكأن النص والمشكلة موجودة خارج المكان والزمان. وبعد انتهائي من قراءة المادة الصحفية لم استطع الشرب من ماء بيتي وفكرت بشراء ماء معبأ بقوارير، لكن أدركت بالحال أن أكتب أفضل من أن أشتري الماء.
ولأن الموضوع ليس معالجة المياه الملوثة وهذه أتمنى على السيد يونس خلف متابعتها كونه يملك معلومات كثيرة عن الموضوع، أعود لموضوع الصحافة المستقلة ولنرى ما كتب رئيس تحرير السيد وضاح عبد ربه افتتاحية العدد المذكور تحت عنوان كل عام وأتم بخير يقول: ( أما عن أمنياتنا لـ 2004 فهي كثيرة ومتعددة ولا مجال هنا لذكرها كافة..ــ وبالنسبة لنا نحن الإعلاميين ــ تبقى أولى أمنياتنا وأهمها أن يعود الإعلام العربي ليأخذ دوره المحوري في توعية المواطن العربي إلى المخاطر التي تنتظره .. ) وهنا لب المشكلة أن الإعلاميين صدقوا ما روجت له الأنظمة العربية أن المواطن العربي قاصر وبحاجة إلى توعية بما يحيط به من مخاطر وأعتقد أن المواطن العربي يعرف أكثر من غيره حجم المخاطر التي تحيط به لكنه لا يعرف أين هي المياه الملوثة التي تصله بالأنابيب إلى بيته وتسبب له الأمراض والإعلامي يعرف أين هي ومن المسؤول عن استمرار تزويد المواطن بها ولم يذكر أي من ذلك للمواطن حتى يتجنبها ولا يدفع ما تبقى من دخله للأطباء وثمن أدوية هذا إذا كان لديه الإمكانية أصلاً لفعل ذلك.
ويقول السيد رئيس التحرير في نفس الافتتاحية: لقد سبق أن تحثنا في " الاقتصادية " أن أي عملية إصلاح أو تطوير أو تحديث لا يمكن أن تنجح ما لم تتغير النفوس وتتطور الذهنيات وتتبدل النيات .. المشكلة ليست في كوادرنا، بل في طريقة تفكير هذه الكوادر التي تبحث عن الفائدة السريعة والاستمرارية في المناصب من أجل استمرارية الامتيازات، وما دامت هذه العقلية والذهنية هي السائدة فلا تطوير ولا تحديث ولا إصلاح، إن هذه المفردات تتطلب أولاً عشق الوطن والحفاظ على ثرواته واحترام مواطنه.. )
هل لي أن أسأل السيد رئيس التحرير كيف يتم الفصل بين الكوادر وطريقة تفكيرها مثلاً وهل تكفي النوايا الحسنة إن توفرت للتغيير وكيف يمكن الفصل بينها وبين المحافظة على الامتيازات وهل الخطب ورفع الشعارات يمكن التغيير أو بالتعبير عن عشق الوطن هل تعتقد أن سورياً لا يحب سوريا ويمكن طرح الكثير من الأسئلة لكن أكتفي بالقول أن هذا لا يجلب الفائدة ولا هو دور الإعلام.
ويقول أيضاً : ( في"الاقتصادية " ــ وهذه ليست توقعات بل وعود ــ سنبقى على عهدنا الذي ــ ومنذ عددنا الأول ــ التزمنا به، وهو الانحياز الكلي للمواطن .. (.وهل لي أن أسأل السيد رئيس التحرير كيف انحاز إلى المواطن في ما نشره على الصفحة المقابلة في قضية المياه الملوثة والتي ربما يشربها هذا المواطن ومازال يشربها. ولماذا لم يجروء الصحفي على ذكر المناطق ذات المياه الملوثة أو من المؤول عن ذلك لأن العبث بحياة الناس جريمة يعاقب عليها القانون بغض النظر عن النوايا.
وهل لي أن أسأل متى تتغير ذهنية القائمين على الإعلام والمؤسسات الإعلامية، وهل سيتم ذلك في العام 2004 أم ستبقى أمنيات مؤجلة؟
بعد كل هذا هل نستطيع القول أن في سوريا صحافة مستقلة التزمت بما تدعيه هي وليس كما نريد منها؟ وهل اختلف هذا الخطاب عن الخطاب الإعلامي الرسمي ؟ بل ربما وجدت في الصحف الرسمية جرأة أكثر في طرح مثل هذه الموضوعات.
وهل يمكن أن يكون في سوريا صحافة مستقلة تعبر بحرية عن هموم المواطنين وتكون ذات فعالية ؟ ويأخذ الإعلام دوره ليس في توعية المواطن العربي كما يقال بل دوره كسلطة رقابية على السلطات الثلاث الأخرى وهذا ما هو سائد في الطرف الآخر من العالم؟ وهل حقاً ما زال أمامنا متسع من الوقت لنلحق بركب الحضارة ؟