بواعث الديمقراطيّة و احتياجاتها

د: عمار قربي

 

     إن أهم ما يميز المرحلة الراهنة في سورية هو الصراع الخفي والحتمي بين جديد صاعد وقديم هابط، ويحلو للبعض تسميته بالحرس القديم والحرس الجديد..ولكن هذا الوصف يمكن أن يكون صحيحا" إن كنا نتكلم عن المؤسسة العسكرية ، أو المؤسسة الأمنية ، أو حتى على صعيد الصراع على السلطة... ولكن هنا نتكلم عن الوضع العام في سورية،  في المجتمع المدني، في حزب البعث العربي الاشتراكي، في الوزارات، في المديريات..أي باختصار في كل الميادين، ولهذا سميتُ طرفي الصراع بالجديد الصاعد والقديم الهابط.

     إن للقديم الهابط  جذورا" في الماضي، جذورا" تكونت على مدى أكثر من ثلاثين سنة ، فتدعّمت في الواقع المادي بقوة،  وترسّخت في كثير من جوانب التراث الفكري والقيمي، هذا في حين أن الجديد الصاعد ليس له ما يسنده سوى مسايرته للقوانين العلمية للتحول الاجتماعي.  فقد حان الوقت لكي يؤمن الكل بحتمية التحول الديمقراطي ، وأنّ على الجديد الارتباط بالجماهير ، والتعبير عن آمالهم في العيش بكرامة الجماهيرالمتطلعة إلى حياة تختفي منها المهانة ، و تنتشر فيها أسباب العدالة بين أبناء المجتمع الواحد.

     كلنا سمع بحركة التغيرات التي تطال المدراء العامين ومعاوني الوزراء ، وكثير من المستشارين ،ورؤساء بعض الإدارات ، بعد أن بقي معظمهم في تلك المناصب سنوات عديدة، حتى ارتبطت أسماؤهم باسم المؤسسة التي يديرونها. وإذا افترضنا جدلا أن هذا الكادر الجديد جاء على حامل التحديث والتطوير ، فإن الكثير من المعوقات سوف تواجهه أثناء عمله.

     أول هذه المشكلات - بطبيعة الحال - هي القوى القديمة المعادية لأي توجه ديمقراطي إصلاحي ،بما لها من نفوذ ، ومن إمكانات مادية وسلطوية تسخرها لكي توقف حركة التحول ، أو تعطلها. وهي تتفنن في سبيل تحقيق غاياتها بشتى الطرق ، وتستعين بوسائل مختلفة ويساعدها في ذلك الأتباع الذين ، وان كانوا ينتمون من حيث النشأة والواقع إلى الفئات الشعبية ، إلا أنهم من حيث الفكر والاتجاه النفسي ينتمون إلى الاتجاهات الهابطة ، لارتباطهم بها ، واستفادتهم منها على حساب الشعب. إن هذه القوى على دراية تامة بالقوانين ، وعلى دراية بأساليب اللف والدوران والتلاعب للتخلص من الالتزامات التي يفرضها عليهم القانون ، ويسخرون خبرتهم الطويلة في استمرار سيطرتهم وتسلطهم ، واستغلال كل ما يمكن سلبه من مكاسب والبقاء على تحكمهم في رقاب العباد.

     يطول الحديث في موضوع هذه القوى وأساليبها في إعاقة التقدم ، فمن المفهوم مسوغاتها ومبرراتها، لكن لابد أن نعي أن هناك من رواسب الماضي - لدى الناس - ما يساعد تلك القوى في مهمتها، من ذلك مثلا القيم القديمة التي تكونت نتيجة الخوف من السلطة ، مثل القداسة المطلقة للمسؤولين ، وتقديس الثراء والمظهر الخارجي البراق ، لان هذا المظهر يرتبط - بشكل أو بأخر - بالمسؤولين حتى لو لم توجد علاقة مباشرة ، أو ظاهرة للعيان بين الأثرياء والمتنفذين، فما من مشروع مربح،    أو من منشأة اقتصادية ناجحة ، أو من تجارة احتكارية، إلا ووراءها أحد المسؤولين أو أحد أبنائه ، إما بتغطية مباشرة عبر الشراكة ، أو بتغطية غير مباشرة قوامها التسهيلات ، وإطلاق اليد في السوق ، بعد إبعاد المنافسين مقابل نسبة ثابتة من الأرباح، حتى أصبح ذلك نهجا يحتذي به كل من يريد أن يدخل عالم الثراء.

    ومن هذه القيم أيضا" أن الناس العاديين أصبح مثلهم الأعلى في طريقة حياتهم طريقة حياة المسؤولين ، و شركائهم من محدثي النعمة ، ولهذا نجد أنه إذا طرأ على حياتهم أي تحسن معيشي ، فإنهم ينزعون إلى محاكاة أسلوب حياة المسؤولين ، وسلوكهم وعاداتهم الاستهلاكية، ومما ساعد على ذلك الكثير من المؤثرات الخارجية من وسائل الإعلام المحلية والاتصال الجمعي ، وغير ذلك من المواقف التي تعرض يوميا على الناس ، وتؤكد بما تعرضه من مظاهر أخاذة للمسكن الفخم ، والأثاث الثمين ، وغير ذلك من المتاع ما يتجاوز بأهميته ، وفي قيمته كل حدود المعقول ،  أو المقبول لمجتمع مثل مجتمعنا البسيط .  بل وفي كثير من الأحيان تتناقض من برنامج تلفزيوني ، أو إذاعي الفكرة التي تعمل على نقلها السلطة إلى الشعب مع العبرة التي يأخذها الشعب،

     من مظاهر المعوقات أيضا الخوف من الديمقراطية ،ذلك الخوف الذي تبديه بعض الفئات – وأغلبها بورجوازي – وسبب هذا الخوف هو الفهم الخاطىء للديمقراطية، فالديمقراطية عندهم تعني بالضرورة انخفاض مستواهم المعيشي ، مع العلم أن الديمقراطية إن لم ترفع المستوى المعيشي للناس فعلى الأقل هي تحقق لهم المستوى اللائق بالكرامة الإنسانية.

     إن كثيرا" من البرجوازيين يخلطون بين الاشتراكية وبين الديمقراطية ، حيث لا يدركون أن هدف الاشتراكية الرئيسي هو تذويب الفوارق الطبقية بين أبناء المجتمع الواحد من الناحية المادية ، بينما الديمقراطية تهدف إلى إذابة الفوارق الفكرية والثقافية عبر حراك اجتماعي يجعل البلد كله ساحة حوار متاحة للجميع، وشتان مابين المفهومين.

     أيضا من العقبات المعوقة للتحول الديمقراطي في مجتمعنا الحالي النظرة السلبية للمواطن السوري تجاه أجهزة الدولة ، وهذا أمر طبيعي ، وهولاشك نتيجة قيام تلك الأجهزة في الماضي بخدمة نفسها أولا ، ثم خدمة من تدين له بالمنصب ثانيا ، أما الشعب فمن المؤكد أنه غير معني بهذه الخدمات ، بل غالبا ما كانت هذه الخدمات تتم على حسابه .  ومن الرواسب الحالية الناتجة عن ذلك الماضي نظرة الريبة والشك التي تنظر بها الجماهير إلى تلك الأجهزة ، بل والخوف منها ، وعدم الثقة فيها وهناك من المظاهر والأوضاع الحالية ما يساعد على استمرار تلك النظرة. من هذه الأوضاع مثلا البيروقراطية التي مازالت تشكل حجابا يحجز الشعب عن القيادة السياسية ، ويبعث في نفوس الناس إحساسا بأن بعض ما يسمعونه عن التحول الديمقراطي ، ومكافحة الفساد ، وسماع الرأي الآخر يقف عند حد القول ، ولا يتعداه إلى العمل، ولهذا لم تعن التغيرات الحاصلة في الإدارات والوزارات أي شيء بالنسبة للمواطن العادي ، ولهذا فقد المواطن المبادأة في العمل ، وبقي اعتماده الأساسي على مديره في تحقيق مطالبه ، جريا وراء ما تعوّده سابقا من فتات يرميه له ، وأصبحت السمة المميزة لعلاقة الشعب بقادته هي علاقة اعتما دية غير     ناضجة ، تكاد تنحصر في المطالبة من جانب الجماهير ، والأمر والقسر من جانب القادة.

     ومما يزيد من أثر المعوقات السابق ذكرها أن القوى القديمة المهددة في مواقعها تدرك معنى هذه المعوقات ، ومغزاها ، وتحاول استغلالها بكل الطرق لمصلحتها التي تتمثل في تعطيل التحول الديمقراطي ، إن هذه القوى تتجمع بسهولة من أجل هذا الهدف ، رغم أنها غير مجتمعة بالضرورة -  في تنظيم واضح المعالم ، وإنما تجمعها مصلحة واضحة المعالم ، ولهذا نراها في الاتجاهات العامة تروّج الشائعات والأكاذيب حول الديمقراطية ، وحول المعارضة الوطنية الشريفة ، مستغلة في ذلك بعض المشاكل الحتمية التي تصاحب مرحلة التحول من الاستبداد إلى الديمقراطية ، و يعملون على زيادة حدتها ، وتضخيم سلبياتها.

    وفي الوقت الذي تزداد فيه تطلعات الجماهير إلى المزيد من المكاسب الديمقراطية ، والمزيد من الانفتاح على الحريات والرأي الأخر، نجد أنها صدمت بالتراجعات المصطنعة على درب الديمقراطية ، وكأن ربيع دمشق قد دقت ساعة رحيله ، ليأتي خريف نأمل ألا يطول،  يضاف إلى هذا التشاؤم أن القيادات الجديدة تفتقر إلى النظرة العميقة في فهم الواقع ، وما يتضمنه من متناقضات ، ويقتصر فهمها لموضوع الحريات - أو يكاد – على دراسة نظريّة ، واستيعاب لفظي للنظريات والمفاهيم المجردة ، فيصبح عليها تكييف الواقع تكييفا حقيقيا تعيه الجماهير، وتستجيب له ، بل نخشى من هذه القيادات الجديدة أن تثور على الأوضاع التي تساير فهمها النظري ، وتتصرف في المواقف الحساسة التصرف الذي كلنا يحذر منه.

     و لكي يكون الكادر الجديد فعّالا يجب أن تكون علاقته بالجماهير علاقة وثيقة وناجحة ، ولكي تتحقق هذه العلاقة عليه أن يؤمن إيمانا عميقا بمطالب هذه الجماهير التي طال حرمانها ، وعليه أن يدفع عجلة التقدم والنمو بالمجتمع الذي طال تخلفه وعليه ، أن يؤمن بالديمقراطية كهدف وأداة لتحقيق هذه المطالب، كما أنّ على الكادر الجديد أن يدرس كل المشاكل الجزئية المكلف بحلها في إطارها الكلي ، وبوعي تام لمسألة تداخل الأسباب والمسببات في الظاهرة الكلية للمجتمع. إن على هذا الكادر أن يؤمن بأن طريق الجولان يمرّ بالديمقراطية ، فبالعمل الديمقراطي نجعل مسألة النصر على الكيان الصهيوني أمرا محتوما.

     ولا نستطيع في هذه العجالة إلا أن نؤكد على أن مشكلات ومعوقات الانفتاح الديموقراطي ليست بعيدة عن قيادات المعارضة ، التي يمر بعضها بفترة المراهقة الفكرية. فلا يجوز أن ننظر إلى المعارضة وكأنها شيء والمجتمع شيء آخر، أو أنّ المشكلات موجودة في الناس الآخرين فقط ، وهي منزهة عنها، فلابد للمعارضة من أن تكون طليعية من حيث إدراكها وفهمها ووعيها لمقتضيات المرحلة، بل وعليها أن تدرك أنها جزء من المجتمع ، وأنّ ما يزخر به المجتمع من متناقضات سيكون له أثر في نفسيتها ، وفي عقليتها وأنّ عليها أن تعدّل من نفسها ، في سياق تعاملها مع الأحداث ، ومع الجماهير، ولابد أن تدرك وبشدة - بأن عملية التحول الديمقراطي تشمل تحولها هي أيضا، أي تحول في النظرة ، وفي الاتجاهات ، وفي الأفكار على اعتبار أن هذا التحول أمر ضروري وبالغ الأهمية، وأن السبيل إلى انبثاق الجديد من القديم ، وتخلصه ممّا فيه من أسباب التخلف ومعوقات التقدم والحرية ليس عملية محدودة بوقت محدود ، تتم وتنتهي، وإنما هي عملية مستمرة متصلة أنّ كل مرحلة جديدة تتطلب صراعا جديدا بين القديم والجديد ، وأنّ هذا الكلام ينطبق على المجتمع كله بشكل عام ، وعلى كل ظاهرة من الظواهر الاجتماعية ، كما ينطبق على   الإنسان الفرد.

     إن الديمقراطية برأيي هي عملية مستمرة لا تتوقف عند حدّ ، وتستمدّ مقوماتها من واقع الظروف الاجتماعية ، في كلّ مرحلة ، وما في هذه المرحلة من مشكلات وتناقضات ومعوقات.

     على المعارضة أن تتحلى بالصبر، وممّا ييسر على المرء الصبر تفاؤله بمستقبل عمله وكفاحه، إنّ صبر المعارضة في تناول ماتعترضها من صعوبات يحتم عليها الالتحام الدائم مع الشعب، وهذا الالتحام  ضروري لعملها ، وبدونه يفقد عملها صفته الجماهيرية ، وصفته الديمقراطية ، باعتبار أنّ الشعب هو مصدر الديمقراطية وغايتها، كما أنه مصدر المعرفة والخبرة اللازمة للعمل السياسي ، وهذا الالتحام الدائم - فوق ما تقدم ذكره - هو الفرصة التي لا تعدلها فرصة أخرى ، لكي تتعرّف المعارضة على الاحتياجات الحقيقية للجماهير، ومشاكلها الواقعية ، لا ما تتصوّره هي – أي المعارضة – عن احتياجاتها ومشاكلها، وعلى المعارضة أن تتكلم مع الجماهير باللغة التي تفهمها هذه الجماهير بعيدا عن الإنشاء واللغة الشعاراتية.    يجب على المعارضة أن تربط بين الواقع العملي والفكر النظري، إنّ النزول للشعب يحقق لنا فرصة نادرة لتعديل ما نحتاج إليه من تعديل في السلوك والتفكير والممارسة.

     يجب على المعارضة أيضا أن تمارس النقد الذاتي كأسلوب فعّال يدفع في تطوير الشخصية من جهة، ومن جهة أخرى هو وسيلة لإعطاء الجماهير التي تعمل بينها ولأجلها مثلا أعلى تحتذي به.

     علينا أن نتفاءل بجماهير الشعب بغض النظر عما نلمسه فيها من سلبية ،              أو اعتما دية ، أو ضعف في المبادرة والمبادأة ، أو انتشار الفردية التي هي من نتاج الماضي، وقصور في إمكانيات التعاون أو التخلف الفكري.....فرغم كل هذا علينا أن نؤمن بقدرة الجماهير على تخطي العقبات ، وعلى التقدم ، والنمو بغير حدود ، وعلينا كمثقفين أن نساعدها في بلوغه.

 

د. عمار قربي – سياسي سوري