سوريا.. الإصلاح السياسي أولا     عن الجزيرة نت  

* بقلم/ أكرم البني

مع الإعلان عن قرب تشكيل حكومة جديدة للإصلاح في سوريا عادت الروح إلى الحوارات القديمة عن أفضل سبل الإصلاح والتغيير، وظهرت في مواجهة الخطاب الرسمي الذي يرجئ الإصلاح السياسي ويتمسك بأسبقية الإصلاح الإداري والاقتصادي أصوات تتساءل عن جدوى الاستمرار بهذا الخيار وقد أصبح أشبه بمضيعة للوقت، وتدعو إلى إصلاح شامل وإعطاء الاستحقاق السياسي المتعلق بإشاعة الديمقراطية وسيادة دولة المؤسسات والقانون أولوية وأهمية خاصة بوصفه مدخلا لا غنى عنه لدفع عملية التغيير برمتها إلى الأمام.

اللافت أن دعاة الإصلاح الشامل السياسي والاقتصادي والإداري يحضرون بعزم وقوة في المشهد الراهن مستندين إلى حقيقتين أساسيتين:


فشلت سياسات التقشف في تخفيف الهدر والإنفاق الحكومي وعجزت مكاتب التوظيف عن خلق فرص لجيش من خريجي المعاهد والجامعات كما فشلت التسهيلات التي منحت قروضا ميسرة لبعض العاطلين

الحقيقة الأولى: تكثفها النتائج الهزيلة التي أسفرت عنها تجربة ثلاث سنوات من التفرد بالمسار الإداري والاقتصادي وتاليا إلى عجز هذا الأخير عن تحقيق الأهداف والآمال المرجوة منه.

فرغم كثرة ما صدر من قرارات وقوانين اقتصادية عرفت باسم "برنامج الحكومة للإصلاح الاقتصادي"، لا يزال الاقتصاد السوري يعاني من البطء والتثاقل على قاعدة عجز قطاع الدولة عن تحريك عجلة النمو والتراكم الرأسمالي وغياب الكفاءة في تفعيل وجذب الاستثمارات.

ويلاحظ أن التسهيلات التي منحتها الحكومة لتشكيل المصارف الخاصة لم تجد نفعا في تطوير القطاع المصرفي وتنشيط دوره الاستثماري، كما يلاحظ خمود الفورة الاستثمارية التي أحدثها القانون رقم 10 الذي منح أصحاب رؤوس الأموال في القطاع الخاص إعفاءات ضريبية وجمركية مجزية. وتشير آخر دراسة اقتصادية إلى انحسار الاستثمار الخاص في العام المنصرم نسبة 30% عن سابقه، الأمر الذي أثار قلقا جديا وطرح أسئلة كبيرة عن أسباب انكماش رؤوس الأموال تشمل الشروط المحفزة وغياب المناخ السياسي والقانوني الملائم.

من جانب آخر بقيت حالة التردي في الأوضاع المعيشية لغالبية المواطنين السوريين كما هي إن لم نقل أنها ازدادت تفاقما، ولم تنجح المنح والزيادات التي أضيفت على رواتب عمال وموظفي القطاع العام في تضييق حجم الهوة بين الأسعار والأجور، فجرى امتصاص قسمها الأكبر عبر الزيادات التي طرأت على كثير من السلع وعبر رفع الدعم عن بعض الحاجات الحيوية (مثلا رفعت أسعار الكهرباء والماء حوالي 80% والمحروقات حوالي 70% إذا استثنينا مازوت التدفئة)، الأمر الذي يدل على استمرار تراجع القدرة الشرائية للمواطن السوري.

ويؤكد صحة المؤشر الذي توصل إليه العديد من الباحثين الاقتصاديين "بأن متوسط دخل الفرد السوري أصبح أقل منه في معظم الدول العربية ما عدا اليمن وموريتانيا والسودان وهو يتراوح منذ عقود حول ألف دولار بقيمته المطلقة، ما يعني أن قيمته الفعلية (القدرة الشرائية) تراجعت بوضوح بسبب التضخم وزيادة الأسعار، كما تراجعت أكثر فأكثر حصة ذوي الدخل المحدود بسبب تزايد التفاوت في توزيع الثروة والدخول".

على الصعيد الإداري يمكن القول إن عشرات المراسيم والقوانين التي صدرت في بحر الأعوام الثلاثة السابقة -على أهميتها وضرورتها في تحديث التشريعات السورية القديمة والمتخلفة- لم تحدث النقلة النوعية المطلوبة في مستوى الإصلاحات الإدارية والهيكلية للقطاع العام، إذ بقي بعضها دون تطبيق وتعثر بعضها الآخر أو تعرقل في مواجهة بيروقراطية متأصلة وعنيدة وأمام حالة من العطالة والترهل تسم معظم مؤسسات الدولة ومرافقها.

بالمثل فشلت سياسات التقشف في تخفيف الهدر والإنفاق الحكومي وعجزت مكاتب التوظيف المختلفة عن خلق فرص عمل لجيش من خريجي المعاهد والجامعات كما فشلت التسهيلات التي منحت قروضا ميسرة لبعض العاطلين عن العمل في الحد من ظاهرة البطالة والتخفيف من آثارها السلبية التي باتت مثار قلق وإحباط.

ترافق ذلك مع عودة مظفرة لظاهرة الفساد وانتشارها كالفطر في كل مناحي الحياة، ولعل انهيار سد زيزون وما تلاه من توقيفات اعتباطية ومحاكمات ظالمة كان مرجعها العلاقات الشخصية والمحسوبيات ولغة النفوذ والسلطان هو نموذج مصغر عن واقع الفساد المتجدد بصور وأشكال متنوعة.


كيف نأمل أن تنتصر معايير الكفاءة والنزاهة على الروح الوصولية والانتهازية إذا لم تطلق يد الصحافة ودورها في مراقبة ونقد أي سلوك يتجاوز الصلاحيات أو يحاول تسخير المنصب العام في خدمة منافع الامتيازات الشخصية

الحقيقة الثانية: تؤكد أنه لا يمكن -مع الخصوصية السورية- دراسة تفشي الفساد وتردي الأوضاع الاقتصادية وشلل الإدارة وسوء تصريف الأمور كظواهر وأسباب متفرقة نستطيع معالجة كل منها على حدة، بل هي نتائج ومخلفات متنوعة لسبب رئيس يكثفه غياب حياة سياسية سليمة بفعل سيطرة شمولية مستديمة على المجتمع أدت إلى إقصاء الناس عن المشاركة في الشأن العام وألغت تماما دور الرقابة والمحاسبة الشعبية.

فمع استمرار البنية التكوينية السياسية القائمة على تمركز السلطة والثروة بيد نخبة حاكمة وعلى قهر المجتمع وتغييب دوره الفاعل وأيضا على كتلة ضخمة منتفعة من البيروقراطية المدنية والعسكرية وعلى سيادة أشكال من العلاقات المتخلفة تحجب حق المواطنة المتساوي وتعتمد العصبوية والمحسوبية وعلاقات القربى، لا يمكن لأي إصلاح إداري أو اقتصادي أو ثقافي مهما كان جديا أن يثمر وأن يحقق الأغراض المرجوة منه.

أو بعبارة أخرى ليس ثمة إصلاح يمكن أن يؤتي أكله ويعطي نتيجة دون إصلاح سياسي يضمن حرية الإنسان وكرامته، ودون خلق عتبة من الثقة والتفاعل بين الناس والسلطة، ودون مشاركة البشر الإيجابية وحماستهم للقيام بواجباتهم على قاعدة جديدة للحياة السياسية تقوم على أسس الحرية والتعددية واحترام الآخر.

فأي معنى للحديث عن محاربة ناجعة للفساد أو تصحيح الأخطاء ومظاهر الخلل الإدارية المتراكمة إذا لم يسد مناخ من الحرية والشفافية؟ وكيف نأمل أن تنتصر معايير الكفاءة والنزاهة على الروح الوصولية والانتهازية إذا لم تطلق يد الصحافة ودورها في مراقبة ونقد أي سلوك يتجاوز الصلاحيات أو يحاول تسخير المنصب العام في خدمة منافع الامتيازات الشخصية؟

ألا يؤكد انتعاش الفساد اليوم قصور القرارات الفوقية لمكافحته التي تطال بين فترة وأخرى بعض الرموز الفاسدة، وبالتالي عجزها عن معالجة هذه الظاهرة السلبية والحد من آثارها المدمرة؟

ثم كيف يمكن بغير الإصلاح السياسي الديمقراطي الاستقواء بالإرادة الشعبية لردع المقاومة الشرسة التي تبديها قوى سياسية واجتماعية عديدة منتفعة من الوضع الراهن وتجاهد لاستمراره، قوى نظمت صفوفها جيدا لتقاوم أي تغير يهدد مصالحها وامتيازاتها فصارت أشبه بلوبي سياسي بكل ما تعنيه الكلمة، تتغلغل في نسيج النظام السياسي وفي الكثير من مراكز القوى الاقتصادية والاجتماعية وتعمل بما تملك من قوى ووسائل على منع أو إجهاض أي محاولة للإصلاح والتغيير أو للتوافق والتفاعل بين السلطة والمجتمع سواء جاءت بمبادرة من بعض أطراف السلطة أو من القوى المعارضة؟

وأيضا كيف يمكن إزالة المثالب والثغرات التي ترافق وظائف الدولة وأعمالها الإدارية والتنفيذية إذا لم تطلق الجهود الوطنية العامة ضدها وإذا لم تترافق مع فصل السلطات واستقلالها وإذا لم تقر تعددية سياسية كفيلة بخلق أجواء من المنافسة على الكفاءة وإدارة الشؤون العامة وإذا لم ينتخب برلمان حر قادر على مراقبة أداء الحكومة ومحاسبتها؟

ثم أليس مناخ الحرية والتعددية وسيادة القانون هو المناخ الوحيد القادر على تنشيط حركة الاستثمار المحلي وجذب رؤوس الأموال العربية والأجنبية وتوفير فرص للعاطلين عن العمل؟ وهل ثمة مصلحة للمستثمرين في توظيف أموالهم وإقامة المشروعات الصناعية والزراعية إذا لم يضمنوا صحة المناخ السياسي ويطمئنوا إلى هامش الحرية المتاح وإلى المقومات التشريعية والعملية التي تكفل سيادة المؤسسات ودولة القانون؟

ألا يرجع تنشيط الحراك الاقتصادي ورفع معدلات النمو في أهم أسبابه إلى الديمقراطية وإلى الوجه السياسي في عملية التنمية الذي يضفي على كل الوجوه الأخرى حيويتها وفاعليتها؟ وكيف نستطيع إعادة الاعتبار لدور العنصر البشري كمحرك رئيس لكل تقدم وتطور إذا لم يشعر الإنسان بالحرية والعدل ويثق بجدوى مشاركته في إدارة شؤونه العامة؟


الناس لا تعطي شيئا وهي خانعة مكرهة، وغياب حرياتها وحقوقها يستنزف قواها إن لم نقل يقتل بذور تثوير كفاءاتها وإبداعاتها

خلاصة القول إن الناس لا تعطي شيئا وهي خانعة مكرهة، وغياب حرياتها وحقوقها يستنزف قواها إن لم نقل يقتل بذور تثوير كفاءاتها وإبداعاتها، ما يعني ربطا مع الحقيقتين السابقتين التجريبية والنظرية، أن إصلاح الميدان السياسي هو البداية الصحيحة التي توفر فرص نجاح عملية الإصلاح بأبعادها المختلفة.

وبالتالي من العبث أن يستمر الالتفاف على الخيار الديمقراطي وأن يقتصر سلوك السلطة على بعض الإجراءات الشكلية تحت اسم الإصلاح الإداري أو تحديث الوظائف العامة للدولة، كما أن من الضرر أن يحسب المسؤولون ألف حساب وحساب قبل أن يخطون أي خطوة نحو الانفتاح على الشعب وقواه الحية، في حين يحتاج المجتمع في هذه الظروف الحرجة وكي يتجاوز أزمته المتفاقمة إلى نموذج حكم قادر على بلورة حد من الإرادة الجمعية والتعبير عن المصالح المتعددة والمتباينة لكل طبقات المجتمع وفئاته بما في ذلك توفير الأطر المناسبة لإدارتها وحلها بطرق سلمية.

إن الإصلاح الحقيقي يعني بداية ضرورة التحرر من عقلية السيطرة الشمولية التي يحلو لها رهن كل شيء بإرادتها السياسية وإبقاء كافة خيوط الربط بين أصابعها. إصلاح تكثفه عناصر أربعة هي احترام حقوق الإنسان ثم إشاعة الحريات العامة وخصوصا حرية الرأي والتعبير والنشاط السياسي ثم تفعيل المجتمع المدني وهيئاته المتنوعة وأخيرا سيادة القانون والشفافية، ما يعني من حيث الجوهر إحياء مبدأ المواطنة المنطلق من اعتبار الشراكة في الوطن دون غيرها من الروابط العشائرية أو الطائفية أو القومية أو الحزبية هي مصدر الحقوق والواجبات وأساس العلاقة والمساواة بين الناس.

لا بد أن ينطلق الإصلاح السياسي من مقدمات بدائية تبرهن للناس صدق الرغبة وجديتها في التغيير وتعيد بناء عتبة من الثقة بين السلطة والمجتمع يدخل في هذا السياق رفع حالة الطوارئ والأحكام العرفية وطي ملف الاعتقال السياسي وعودة المنفيين وتسوية أوضاع المفرج عنهم بإعادة حقوقهم المدنية والسياسية.

والاستجابة لأحكام الإصلاح الديمقراطي وموجباته ليست انقلابا جذريا على الواقع أو دعوة لتغير نوعي في الموقع التراتبي للسلطة سياسيا كان أم اجتماعيا، بل هي حاجة ضرورية وإن تمت بشكل متدرج وتراكمي لتحرير المجتمع من القيود التي تمنعه من الحركة والتقدم بما يقوي مناعته السياسية ويتيح فرصة تاريخية لتعبئة وتفعيل مختلف القوى والطاقات في حركة الإصلاح الشامل ولمواجهة تحديات البناء والمخاطر أيا كان نوعها.

وبديهي عندما يفرض على الحكومة القادمة هدف وحيد مرسوم سلفا هو الإصلاح الإداري أن لا تبقى أية أهمية تذكر من الزاوية السياسية لمعرفة من سوف يتولى رئاستها ومن هم الوزراء المشاركون فيها، ما يعني أن هوية الأشخاص وكفاءاتهم لن تقدم أو تؤخر ولن تتمكن من إنقاذ حكومة أحادية المهمة تساق -في ظل استمرار المناخ السياسي السائد- نحو فشل محتم.


يزداد بصورة مطردة عدد المؤمنين بأهمية الإصلاح الشامل في سوريا وبأن وجهه السياسي الديمقراطي هو أول، بل ضرورة ملحة لإنجاح وجوه الإصلاح الأخرى

إن تكرار الحديث في سوريا ومنذ سنوات عن التغير ومن ثم عن التطوير والتحديث وأخيرا عن الإصلاح الإداري يدل على أن وضعا قائما لم يعد مقبولا وأن ثمة ضرورة لمعالجة أزمة مزمنة أو لتجاوز حالة قصور أو ركود أو تأخر تطال كافة الميادين.

وسوف يتكرر هذا الحديث ويتكرر بالتالي الدوران في حلقة مفرغة إذا لم يصر إلى معالجة الداء والسبب الرئيس المتعلق بطابع الحياة السياسية القائمة ودور السيطرة الشمولية التي كبلت الإنسان وقضت على روح المبادرة والإبداع لديه وخنقت فاعلية المجتمع وحيويته.

وفي المقابل يزداد بصورة مطردة عدد المؤمنين بأهمية الإصلاح الشامل في سوريا وبأن وجهه السياسي الديمقراطي هو أول، بل هو ضرورة ملحة لإنجاح وجوه الإصلاح الأخرى، ولتجاوز أوضاع قائمة ثبت عجزها عن تلبية حاجات المجتمع وحفز مقومات تطوره أو لإزاحة بنى وهياكل غدت متخلفة عن مواكبة المتغيرات العالمية وعن مواجهة التحديات والأخطار المحدقة.