الهاجس الديمقراطي، واشكاليته الراهنة.

 

    أكرم البني*

 

يقال أن من يرغب عن أمر ما، لا يعجز عن اختلاق الذرائع والحجج لتبرير رفضه وإحجامه. هذا هو حالنا مع الديمقراطية، فهي مرفوضة ومنبوذة ودونها الأبواب موصدة لأسباب يعاد تكرارها وتجديدها كحكاية إبريق الزيت. مرة بحجة المخاطر الخارجية وضرورات التصدي للعدوان الإمبريالي الصهيوني، ومرة بذريعة الخصوصية العربية أو الإسلامية وحاجتنا إلى نمط فريد من الديمقراطية لا يتفق مع أشكال الديمقراطيات الغربية، ومرة أخرى عبر تضخيم ما يحصل من أخطاء أو تجاوزات في مناخات الحرية والقول أن مجتمعاتنا لا تستحق الحرية لأنها لا تحسن استخدامها !! والآن يأتي من يقول أن الوقت غير مناسب للعمل الديمقراطي ويسوغ لمناخات الضبط الأمني داعياً إلى مزيد من السيطرة لإفشال مطالب أمريكا واشتراطاتها حول الإصلاحات السياسية وتفويت الفرصة على حلمها القديم في تفكيك  بنياننا الداخلي المرصوص!!..

تقول الفكرة الشائعة التي روج لها صباح مساء وحفرت عميقاً في وعي الناس الجمعي، أن أمريكا هي صانعة الديكتاتوريات في العالم وأن ما تحمله اليوم، من وعد وشعارات للتغيير الديمقراطي في المنطقة ما هو إلا وسيلة لتحقيق مصالحها ومطامعها في السيطرة. وتقول الحقيقة التاريخية أن الديمقراطية هي مطلب قديم قدم أزمات مجتمعاتنا وهي حاجة موضوعية لمعالجة ما نعانيه من أمراض تخلف وانحطاط قبل أن تأتي أمريكا وترفع شعارات التغيير.

ما ذنب الديمقراطية وما خطل دعاتها إذا دخلت مصالح أمريكا وشعاراتها على خط نضالاتهم وخلقت مثل هذه الملابسات والاختلاطات ؟! ثم أين كل ذلك من حقيقة أنظمة مانعت وقاومت التحولات الديمقراطية حتى يومنا هذا واستقوت في كثير من الأحيان بأمريكا ذاتها لضمان استقرار سلطانها ضد خصومها ومعارضيها الديمقراطيين؟!..

للأسف بدل أن يستخلص البعض من انهيار العراق درساً عن هشاشة الأنظمة الشمولية والضرورة الحيوية للديمقراطية نجدهم أحكموا عصبة سوداء فوق عيونهم كي لا يروا عدواً أو غريماً سوى أمريكا حتى لو تخلوا عن نوازعهم الديمقراطية وخانوا مبادىء الحرية والتعددية أو باركوا نكاية بالأمريكان القمع والتسلط                     وأساليب الحكم الديكتاتورية لكن " الوطنية "!!. مثل هذا السلوك ليس غريباً عليهم، فهم ذاتهم، الذين دعموا حروب صدام حسين وتنكيله بالشعب العراقي وقواه الحية ولم ينبسوا ببنت شفة عن النتائج المأساوية التي خلفّتها أساليبه الدموية التصفوية في البنية السياسية " الوطنية " والإنسانية العراقية!!..

لا شك أن بعض أسباب تعثر الديمقراطية في مجتمعاتنا تعود ـ بعيداً عن لغة المصالح السلطوية والحسابات الضيقة ـ  إلى إشكالية شيوع ثقافة مشوهة خلقت تعارضاً مستحكماً بين مبدأ الحرية والفكرة الوطنية، وبات الأمر كما لو أننا في أتون معركة مستمرة لتحرير الفكر الديمقراطي من كافة الاختلاطات والتشوهات التي تمنعه من التقدم.

لعل مأساة العراق خير ما برهن على أن قوة الأوطان لا تقاس من قوة سلطاتها ومدى تماسكها الأمني وقدرتها على بث الرعب والهلع في النفوس بل من خلال بناء بيت راسخ يستند إلى وحدة وطنية طواعية تقوم على أسس الحرية والديمقراطية واحترام  التنوع الأثني والديني. ولعل مأساة العراق تقنع أخيراً أولئك الذين أدمنوا استخدام أساليب القسر والإقصاء في إدارة الصراع مع الرأي الآخر بأن الجدية والعزم في مقاومة الأخطار والاعتداءات الخارجية تتطلبان تحرير الناس والثقة بقدرتهم على بناء شروط المواجهة، وتالياً  الكف عن محاولاتهم اليائسة في تجيير مشاعر الناس وأحاسيسها الوطنية ضد الاستحقاق الديمقراطي، وعن الادعاء بأن ما يخطونه من أفكار وسياسات هو الصحيح والصائب ومن يعارضها هو مارق وعميل؟!.. 

    لنفترض جدلاً أننا أشعنا الحريات العامة كحرية الرأي والتعبير والنشاط السياسي، من هو المستفيد من هذا المناخ ومن المتضرر؟! هل تربح أمريكا أم تخسر إذا كانت الحقائق ملك الناس وقضيتهم بين أيديهم ؟!.

أفي إشاعة حرية التفكير والثقافة ما يكون سنداً لأمريكا أم أنها تخلق ثقافة حرة وتفكير رافض لأي قهر أو إذلال أو احتلال؟!.

   أليس في الحريات والشفافية دور نقدي جريء لكشف ظواهر الفساد والإفساد التي تنهش لحمنا وتستنزف قدراتنا على المقاومة والتصدي؟!..

لنفترض أيضاً أن انتخابات عامة أجريت، هل تختار الشعوب  في ظل المناخ الديمقراطي أعداءها ؟! بالطبع لا، وعكس ذلك هو نادرة تاريخية مصيرها إلى زوال سريع. ولنا في موقف الشعب العراقي الرافض لاستمرار الاحتلال الأمريكي خير دليل على قوة هذه الحقيقة.

ثم إلام تقودنا إشاعة الحريات في التعاطي مع الثروات والخيرات الوطنية، هل تقودنا إلى إقرار حق الغير في سرقة مواردنا والتنعم بها أم تنمية روح الدفاع عن أرضنا وعما نملك؟!.

هي الديمقراطية التي تأخذ بيدنا من ظللمات الراهن تدعونا الى الدفاع عنها بالأسنان والنواجذ وحمايتها من طعنات الغدر " الوطنية " بالارتقاء بها من مجرد أداة أو وسيلة لهدف سياسي، الى مصاف الهدف والغاية في حد ذاتها.

في الماضي تحت حجج وذرائع شتى تم سحق رواد النهضة ودعاة الحرية وكانت النتيجة البؤس والتردي الذي نعيش، فهل ينجح أولو الأمر اليوم تحت عنوان " الفزاعة الأمريكية "  في اعتقال الديمقراطية وإقصاء دعاتها مرة أخرى؟!.

 

            * كاتب سوري                          دمشق / 16 / 7 / 2003 /