هل البعث في سوريا هو العقبة الأساسية أمام الإصلاح ؟!

 

 

يقوم كاتب متخفي تحت اسم علي عمران في جريدة المحرر عدد 11 –17تموز2003، بالرد على مقالات ثلاث نشرتها ( جريدة النهار) ،  كانت قد حاورت مقال اللواء بهجت سليمان المنشور في السفير 18 / 6 / 2003  أولها  مقال السيد رئيس تحرير النهار الأستاذ غسان تويني ، إذ يأخذ عليه في رده "هذه الدرجة العالية من الإنفعال" ، والمقالة الثانية لميشيل كيلو يثني فيها على نزعته الحوارية ، بينما ينقض علينا بهياج هيستيري عجيب ، حيث يقذف في وجهنا قائمة من الاتهامات ( الضغائن – الكيدية – الثأرية والإطلاقية – المصداقية المطعونة – التشفي من " البعث " – ساطع العداء – الروح الثأرية الجياشة – عدم التطهر من دوغمائية الماضي – لوثة عدائيتنا المتعامية التي تجعل من " ديمقراطية " رجل الأمن معطى أخلاقيا أعلى بكثير في مدنيته من حتمياتنا ... ) .

هذه الإدانات كلها قذفت في وجهنا، فقط لأنا فنّدنا فلسفيا استحالة إطلاق صفة " الجلال " على رجل أمن مهما علا شأنه وارتفع مقامه المراتبي الأمني ، هذا أولا ، وثانيا ، لكوننا غير مقتنعين بأن “ آثامنا وخطايانا” يتحمل البعث وزرها وحده وبمفرده ، إذ يكفي أن نهمشه –والأمر كذلك – ومن ثم نلغيه بالتدريج لنبعد عين الغدر الأمريكية عنّا ، وكأن الأمريكان " أغرار أمام نباهتنا " ولا يعرفون التمايز بين أشكال توضع وتمفصل حزب البعث في بنية السلطة في كل من سوريا والعراق ودرجة الإختلاف بين الممارستين هنا وهناك وهي تنتج شكلها الكلياني .

من المعروف أن ليس لتاريخ البعث في سوريا ممارسات (فاشية –مافيوية) كما هو في العراق ، ولم يعتمد عليه كمخلب في مواجهة المجتمع والشعب كما في العراق ، بل استخدم كواجهة ( إعلامو-ايدلوجية ) أي كجهاز للإستظهار والتكرار حتى يجبروا على الحفظ الصغار والكبار بل حتى صم الحجار ،وتلك هي آلية تشكيل الوعي الأسطوري حسب ميرسيا إلياد المتخصص الكبير في الأسطوريات ،ولهذا ليس مصادفة أن نجد الطاقم الحزبي ذاته الذي رافق الرئيس الراحل نفسه منذ اليوم الأول لحركته وحتى اليوم ، يأتون في المناسبات ليلقوا الكلام ذاته الذي سمعناه منذ كنا طلبة ، علما أننا اليوم في منتصف الخمسينات من العمر ،مما راح يذكر الشعب السوري بطاقم القيادة السوفياتية أيام بريجنيف الأخيرة ، لكن هذه النخب الهرمة الشائخة ، لايوجد من يصدق أنها هي العقبة الأساسية أمام تحديث البلاد و تطويرالعباد ، إذ لم يعد الحزب قائدا للدولة والمجتع منذ زمن ، إلا في بند دستوري وفي بلاد آخر مايحترم فيها الدستور!

 إن المجتمع يعرف أن العقبة الأساسية هي الحالة الإستثنائية التي تعيشها سوريا في ظل الأحكام العرفية ، المعطلة للقوى الإبداعية والإنسانية للبشر في حقها الأول في الحرية ،وهذه العقبة تتشخص وتتمثل وتتعيّن في تلك القوى المشرفة على تطبيق هذه الأحكام الإستثنائية غيرالقانونية وغير الدستورية ، والتي بات يقال أن تعدادها وموازنتها لم تعد –منذ الثمانينات- تقل عن تعداد الجيش وموازنته، وهي القادرة على بث الرعب والذعر في اوساط جماهير البعث بتفس الدرجة وربما أكثرمما في وسط االمجتمع ، وذلك ربما بسبب الخوف على خسارة بعض مايبدو أنه مكسب ك(الوظيفة) ، أوالخوف على امتياز كالعمل في مكان يتيح الرشوة والسرقة والنهب شراكة مع المعلم طبعا ،بعد أن اصبحت علاقة البعثي بالأمن امتيازا !  

لنبدأ من النقطة الأولى التي تعلل ( عداءنا الساطع ) وذلك بطرح المحرر سؤالنا : " هل هناك في العالم رجل أمن ... يمكن أن يكون جليلا ؟ "

لن نشير إلى أن الكاتب رفع جزءا كبيرا من الكلام ، ووضع محله نقاطا وذلك بهدف التشويه والتضليل ، لأن مكان النقاط ثمة كلام يشير وبحيادية إلى أن رجل الأمن هذا ( مهما كانت مواهبه وملكاته ومواقعه ومسؤولياته العالية ) فهذا يعني أنه ليس هناك ثمة إيذاء أو استهداف شخصي عدواني ، وأن ليس لنا مشكلة مع شخص المسؤول الأمني الرفيع المستوى .

أي أن اللوم ليس موجها لذات الممدوح بل لأنا المادح ، أي للمثقف في علاقته التبجيلية المسفّة ( بالسلطة ) .

إن مشكلة الكتابة باسم مستعار ، قد تحل مشكلة الأجهزة الأمنية السورية في ارسال رسائل محددة على صفحات جريدة لهم هي " المحرر " كما فعلت في سلسلة أعداد سابقة تخوننا شخصيا وجماعيا مع جماعة (لجان إحياء المجتمع المدني) ، ومن ثم تهددنا وتتوعدنا ، بيد أن  المآل  استمرار المشكلة التي لا تتيح حوارا صريحا علنيا ، شفافا ، واضحا كما هو مطلوب اليوم في سوريا ، فلا نجد أمامنا ملاذا إلا جريدة النهار وملحقها " بقعة ضوء حريتنا الوحيدة " نصدّر لهم أزماتنا فيتحملونا ويدفعون ضريبة " الأخوة والسوا ربيننا " ليس فقط لسلطاتنا الفظة ، بل ولنا نحن المثقفين ( النقاقين ) !

فنحن تجاه النص المنشور لا نعرف إن كان هذا رأي اللواء فعلا ؟ أم أنه رأي الكاتب المستعار المتطوع والمتحمس لخدمة المعلم؟ أم أنه هو الشخص ذاته الشبح الموكل والمكلف دائما بمطاردتنا وملاحقتنا في كل ما يكتب إلى درجة الهوس الذي لفت نظر عدد من الكتاب ( ياسين الحاج صالح ومالك مسلماني ) ، حيث يتساءل ياسين في مقال له في أخبارالشرق
 ( 26 آب 2002 –) :  " لطالما تساءلت من يعني أي (الكاتب المستعار) بـ " أصحاب الرؤوس الحامية " في أوساط المثقفين والمعارضين السوريين الذين يحملهم مسؤولية القضاء على أجواء الانفراج الايجابية ... كرر(هذا الشخص) هذه النظرية عشر مرات على الأقل .. لم أقطع الشك باليقين إلا بعد قراءة مقالته المعنونة " النومنكلاتورا السورية " في أخبار الشرق 21 / 8 /2003 "

ليكتشف " أن هذه التعيينات السابقة هو شخص واحد بعينه ... وأن نظرية (صاحب النومنكلاتورا ) حول مصير الانفراج السوري إنما هي تسديد لحسابات شخصية .. إذ من غير المعقول رهن مصير الانفراج السوري بمواقف شخص واحد ...! " أو في أحسن الحالات يتم توسيع جبهة "الرؤوس الحامية " أو بتعبير آخر " أصحاب قصر الشتاء " ليضم رياض الترك إليها ، ليتساءل ياسين : " هل هناك ، إذا ، عنصران فقط يزعمان ترنح قصر الشتاء ، احدهما رياض الترك ... " فنظرية الرؤوس الحامية ودراما السقوط المزعوم الوشيك لقصر الشتاء " المزعومة المواكبة لها تقدم تبريرا كاملا لاعتقال كل من قد يعبرعن رأيه بحدة أو بنبرة عالية أو " في الخارج " ..

وقد علق مالك مسلماني على نص ياسين السالف وذلك في مقاله " ظاهرة المثقف الأملس " :  وعلى هذا ، كان اعتقال رياض الترك جزاءا وفاقا لما جنته يداه من استثارة الرؤوس الحامية في صفوف السلطة ، بينما "عبد الرزاق عيد أكرموه في حينها فلم يعتقل" وفق ماجاء في مقال "النومنوكلاتورا السورية" ، و قد جاءت  دعوته لهم – ومادام لم يرتدع – إلى القيام باعتقاله في ذات الوقت الذي كتب فيه منذر الموصلي مقاله الداعي إلى محاكمة عبد الرزاق عيد بتهمة الخيانة ، إذ لا يفصل بين مقالة الاثنين سوى يومين ، الأول كتب مقاله في " أخبار الشرق  - 21 /8/ 2002 ) بينما الثاني كتبه في النهار يوم 23/ 8 / 2002 ".

فإذا كان الكاتب المستعار ، هو الكاتب نفسه المنوّه عنه آنفا ، وهو كذلك لأنه ثمة قرائن حافّة دالة في النص المعني حيث أن نظريته عن " الرؤوس الحامية " لا تقتصر علينا وعلى رياض الترك بوصفنا مغتالي ربيع دمشق ، بل تؤسس للازمة أخرى طالما رددتها كتاباته ، وهو ما يدعوه " تصعيدية عبد الرزاق عيد وتوافقية ميشيل كيلو " منذ أكثر من سنتين في النهار 2/ 4 /2001 ، فتمت إعادة  صياغتها هنا والآن  في " المحرر " في صيغة " حوارية ميشيل كيلو وانغلاق عبد الرزاق عيد " .

وهؤلاء وفق نظريته " تربوا في أحزابهم الجبهوية " في مقالته " النومنكلاتورا " ، وهنا والآن في المحرر ، هم " القادمين إلى الديموقراطية من أصول عقائدية ، دينية أو إلحادية ، غير قادرين على التحرر من تجاربهم السجالية السابقة " ، وهم في كل الحالات ، معادون ، تصعيديون ، حامو الرؤوس ، كيديون ، ثأريون ، في مواجهة "  ديموقراطية رجل الأمن التي تطرح معطى اخلاقيا أعلى بكثير في مدنيته من عيد ... " طبعا منا نحن الكيديون الثأريون الذين اغتلنا ربيع دمشق وقضينا على أجواء الانفراج الايجابية لتي شهدتها البلاد في العام الأول من حكم الرئيس بشار الأسد ، بسبب أدمغتنا الحامية وأوهامنا عن ترنح قصر الشتاء على حد تعبيره .!

طبعا ، إذا كان الشخص المعني هو كاتب النص وفق ما رشح إلينا ، وكما تؤكد كل القرائن الدالة المومأ إليها ، من خلال المقارنة بين النصوص السابقة ونص المحرر ، فنحن تجاه ذلك لا نستطيع أن نحاور أو ( نساجل )  حالات عيادية نفسية ، حسب توصيف الأخ ياسين " لا أعرف أي كاتب كرر بهذه الدرجة من الالحاح فكرة محددة بالتعابير ذاتها وفي أوقات متقاربة إلى الحد الذي نجده في مقالات (المشار إليه) عن الرؤوس الحامية وقصر الشتاء ، ويبدو أن لديه حالة من التثبت النفسي الشديد الذي يتجلى في عدم قدرته على مفارقة الفكرة ، بعبارة أبسط ثمة حقد عنيف لا يكف عن تغذية وشحن عقل الكاتب ويجعل من نظريته تصعيدا لانتقام شخصي لا يبدو أنه يشبع " .

ولا نملك تجاه الدكتور بهجت سليمان - إذا لم يكن مكلِّفا له بالكتابة – سوى تذكر معنى الآية الكريمة أمام هذا ( التقرير) المشحون بالحقد والتحريض : " يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين " .

لقد سبق لنا منذ أكثر من سنتين أن كتبنا في النهار ( 20 / 4/ 2001 ) ننتقد فيها ندوة تلفزيونية سورية ، كان المشاركون فيها كما عبرنا في حينها " لا يبدأون جملة إلا ويبسملون بمقطع من خطابات وحوارات الرئيس الشاب الذي كان دأبه قبل الرئاسة وما بعدها أن يكسر حاجز اللاهوت بينه وبين المجتمع ، ويخلع الرداء المقدس للسلطة ، ليؤسس لعلاقة مدنية متحضرة مع المجتمع ، فينزل إلى الشارع والأسواق ويحضر المسرح دون إعدادات بروتوكولية مسبقة ، ويتحاور مع الناس مباشرة ، ويعطي توجيهاته بإزالة مظاهر التقديس المتمثلة بالصور التي تتبارى الأجهزة وأصحاب المصالح للتخفي وراءها رياء ونفاقا " ،  فعوضا عن الاحتفاء بالنزوع المدني الرهيف والحديث المتشرب بمناخات الحضارة الأوروبية التي عاش الرئيس الشاب في أحد عواصمها " لندن " ، يقوم المثقف في هذه الندوة المتلفزة بإعادته إلى إطار الصورة لما ينبغي أن يكون عليه المستبد الشرقي أو الآسيوي ، بصيغة ترداد أقواله وتكرارها لرفعها من من مستوى " اللوغوس " الدنيوي البشري إلى مستوى " الميثوث " السحري الطقسي ، رغم أن المعهود حضاريا في الغرب الأوروبي ، أن ليس هناك مفكرون يستشهدون بأقوال الرؤساء ، بل الرؤساء هم الذين يستشهدون بأقوال المفكرين ، ليتباهوا بثقافتهم الرفيعة أمام شعوبهم ، وفي حملاتهم الانتخابية

من هذا المنطلق كان احتجاجنا على استخدام مفردة (الجليل) في وصف اللواء أوأي لواء في العالم ، أي ليس من منطلق موقف مسبق مضاد له أو " من عداء ساطع " حسب تعبير المحرر ،  بل على العكس كان انطلاقا من موقف تحذيري لقيادة تيار الاصلاح – الذي يُتداول ويشاع أن اللواء منهم – أن لا يُستدرجوا إلى فخ " الشخصنة " التي هي إحدى السمات المميزة للأنظمة الشمولية ، والتي لا تتناسب أبدا مع أي طموح للإصلاح والتغيير والتحديث ، سيما وأن بعض الصحفيين والمستشرقين الغربيين أفضوا أمامنا بأن لديهم فكرة عن اللواء بوصفه متعاطفا مع أطروحات تيار المجتمع المدني ، فمن باب أولى إذن أن لا أكون على "عداء ساطع" لرجل تطوف حوله هذا الشائعات "الايجابية" من وجهة نظري على الأقل .!

بين مفهوم المعارضة والعداء :

 لقد اقتبس " كاتب المحرر " فكرة التمايز التي عبر عنها اللواء بين المعارضة والمعاداة ، ليقول عنّا بأنا طعنّا بمصداقيتنا كمعارضين ، عندما وضعنا عنوانا نتشفى فيه من " البعث " ، وعلى هذا صح عنده بأننا لسنا " معارضين " بل معادون وثأريون وكيديون واطلاقيون .

وفي حقيقة الأمر أن هذا التمييز لا ينتج أي وعي مطابق للواقع وفق صياغات ياسين الحافظ ، إذ أنه ينطلق أيضا من منظور رغبوي ، يتمنى أن يكون الواقع وفق ما تشتهي النفس أو ما ترغب ، في حين أن الواقع يفصح لك بداهة ومن الوهلة الأولى ، أن ليس في سوريا حياة سياسية لنتبين درجة الحب والولاء أو المعارضة والعداء .

هناك عالم أخرس يسكنه الصمت يتشح بالحيادية واللامبالاة ، ووهمٌ أن نعتقد أن مجموعة من المئات ، معظمهم قضوا أنصاف أعمارهم في السجن ( حزب العمل الشيوعي بوصفه كان حزبا شابا ) وأرباع أعمارهم ( شيوعيو المكتب السياسي وناصريو الاتحاد الاشتراكي ) مع بعض المثقفين والكتاب والفنانين .

 نقول : وهمٌ اعتبار أن هذه المئات تشكل حياة سياسية لمجتمع راح يقارب العشرين مليونا ، وأن ليس في سوريا سوى هذه المجموعات التي لا تستطيع استقطاب سوى بعض أبنائها ، لأن الأمهات بالمرصاد للأبناء لتنبيههم ( يكفينا أبوك – دعك من أفكار أبيك لقد انطحنا – سودوا عيشتنا ) ، وتبدأ قصص لا تنتهي عن ابناء العم والخال ، وأبناء العمة ، وخال الخال ، بل والحديث عن العائلات التي أُخذت سنوات وسنوات رهائن حتى يعود المطلوب .. الخ ، ولا بد من المسارعة إلى القول : إن هذه التجارب الكابوسية المرعبة لم تكن موجهة ضد " الطليعة المقاتلة " للأخوان المسلمين  فقط ، مع ذلك لا نريد أن نفتح الجراح ...

وعلى هذا فإن مطالب المعارضة التي لا يبدو فيها عدائية – هي ثمرة عقلانيتها في معرفة قواها أولا ، وممكنات المرحلة ثانيا ، والإختراقات الأمنية ثالثا باسم الحوار والتعاون .

بل يمكن القول : إن هذا الاعتدال ثمرة العقلانية لنخب سياسية كانت بمعظمها تمثل كوادر  أحزابها ، وتجربة السجن أغنت معاناتهم وهمومهم الوطنية والانسانية بالنضج والحلم وبالحكمة المعبر عنها : ( من يخرج من السجن ويفكر أن يدخل من أدخله إليه ، فإنه لم يستفد من تجربة السجن أبدا ) ، وذلك لأنها سلسلة من تجارب العذابات التي لا تنتهي ، وبئست مجتمعات لا تكون سيرورة الحركة فيها إلا سيرورة خروج ودخول للسجون وفق متوالية(سجين      سجان      سجين ... إلى ما لا نهاية  ) .

فما يسمى معارضة في سوريا ليست إلا مجموعة نخب نضالية ثقافية لا يتاح لها أية فرصة لبناء جسور بينها وبين مجتمع يغط في سباته وصمته ، حذره ، شكه ،قلقه ، سلبيته ، لامبالاته ، وذهوله ، والإنكفاء على ذات فردية شاحبة تبحث عن خلاص فردي يومي أكثر شحوبا " تراهم سكارى وما هم بسكارى " ولهذا لا مشاحة أن تتفشى في أوساط هذه ( المعارضة المئوية ) أنواع من " العقلانية اليمينية " القائلة بالشق الأول من معادلة هيغل القائلة " كل ما هو واقعي عقلاني " حيث ينشأ نوع من "الواقعية الرثة" العاجزة عن التمثل الضروري للشق الآخر من المعادلة الهيغلية "كل ماهو عقلاني واقعي" وذلك للإرتقاء بالواقع إلى مستوى العقل  ولذا باسم هذه الواقعية "الرثة" سيوجد وسط هذه المعارضة من يبهجه ابتسامة الجلاد فيعتبرها مكسبا ، والاستدعاءات للأمن راحت تعتبر حوارا واعترافا بالآخر ، والإشتراك ببعض "اللجان التافهة" الموافق عليها أمنيا يغدو تمثيلا ومشاركة ، يا إلهي كم تطامنت آمال وتطلعات وأحلام المجتمع والشعب السوري ؟!!

  وتلك هي ما كانت عليه حالة ووضع الشعب والمجتمع العراقي عندما كان يتفرج على بلاده يقتحمها الأمريكان ، فبعد أن عانى الشعب ما عانى ، وبذل ما بذل من الإمتهان والذل والإهانة وتقويض الإباء الداخلي والقهر والسجون والدماء ، عاقب نظامه بالصمت والسكوت والذهول ذاته الذي كان قد فرضه عليه خلال أربعة عقود ، فهزم نظامه بالسلاح نفسه الذي فرضه عليه ، لقد هزمه بسلاح الصمت واللامبالاة والحياد والذهول "سكارى وماهم بسكارى" والعبودية إذ " العبد لا يجيد الكر" ، هذا ماهزم العراق وليس سلاح التكنولوجيا الأمريكية المتفوقة ، لأن التكنولوجيا الاسرائيلية  ليست أقل تفوقا في مواجهة الفلسطينيين شعب الجبارين .

التشفي بالبعث :

عندما كتبنا مقالنا منذ حوالي ثلاث سنين في جريدة النهار تحت عنوان " البعث حزب سلطة هامشي ، هل يستطيع التحول إلى حزب مجتمع " الخميس 28/9/2000 ، كثر هم الاصدقاء الذين خافوا من ردود فعل سلطوية حادة ، واعتبروها تجرؤا على المشروعية الوحيدة المقرّة دستوريا .

فكان رأينا- منذ ذلك الحين وحتى اليوم- أننا تجاه مرحلة صعبة وتتطلب طرح الأسئلة الصعبة ، بغض النظر عما يترتب عليها من أخطار ، فالخطر الذي يحيق بمستقبل البلد أكبر ، إذا لم يهب الجميع إلى إطفاء الحريق ، والمثقف ليس جديرا بهويته كمثقف إذا لم " يُراهن بكينونته كلها على حس نقدي ... لايقبل بالصيغ السهلة أو الأفكار المبتذلة الجاهزة أو المجاملة لما يريد التقليديون والأقوياء قوله ، وفق صياغات ادوارد سعيد ، بل عليه أن يمتلك أنفا طويلا حسب التعبير المجازي لسارتر، أنفا طويلا ليدسه في شتى حيّزات المعنى ، مديرا قفاه للأب البطركي السياسي والثقافي والإجتماعي والأخلاقي كما يقترح رولان بارت ، وذلك مهما كانت النتائج من حصار واضطهاد وتهميش وتهديد وتجفيف لينابيع الرزق .

ولأننا لسنا من دعاة التشفي والشماتة ، فمنذ ذلك الحين دعونا حزب البعث ليكون معنا ، نحن المواطنون المستقلون ليكون " اول الداعين إلى إلغاء قانون الالطواريء السيء الصيت، وأول الداعين إلى الإفراج عن المعتقلين السياسيين ، واعتبرنا أن البدوة الأولى ينبغي أن تبدأ من خلال التأصيل النظري بالعودة إلى اكتشاف المصفوفة النظرية الرفيعة لواضع المنطلقات النظرية ( ياسين الحافظ ) القادر على انتاج أفق نظري يمكن أن تلتقي في فضاءاته كل ما كان يسمى قوى التقدم العربي سابقا ( بعث ، ناصرية ، شيوعية ) بل واصلاحية اسلامية مستنيرة ، سيما من خلال شغل شريكه في مشروعه النظري الياس مرقص حول الدين كرافعة ضرورية للأخلاق ، والأخلاق كضرورة لازمة لأي مشروع تنموي أو نهضوي .

ودفاعنا عن استعادة البعث لدوره النهضوي ، إنما هو رد من قبلنا على واقع الاضمحلال والتلاشي التدريجي للبعث كدولة ، الذي كان يواكب تلاشيه تلاشي دولة القضاء والقانون لصالح المزيد من العسكرة و(الأمننة) للمجتمع المدني ، وذلك لأن المجتمع السياسي – حسب غرامشي- يتمثل في الدولة ( القضاء + القانون + الشرطة ) فعندما يزول البعث كدولة ، يزول القانون والقضاء بزوال الدولة ، عندها لا يبقى سوى الشرطة ( وهذا ما تبقى لنا منذ عقدين ) .

فالبعث بدأ يفقد قوته الوازنة كمعمار ايديولوجي للدولة ، مع انتهاء حقبة الستينات لصالح مزيد من المركزية والتمركز لهيئة الرئاسة وكارزميتها ، لكنه ظل يحافظ على حضور راجح في حياة البلاد ، إذ كان من الممكن في حقبة السبعينات أن يطرد البعثي من حلقته الحزبية ، لاكتشاف الحلقة بأنه متعاون مع المخابرات ، فكانت حقبة السبعينيات – والأمر كذلك- مرحلة انتقال من طهرانية الثوريين الرومانسيين الذين كانوا يتواجدون في كل الحركات والأحزاب السياسية في الستينات ، إلى مرحلة التهميش الفعلي للحزب في الثمانينات –مع الفتنة الدموية- إذ ظهر انه عند الشدة  " حزب منافع لا حزب مدافع " فقد بدا أنه خلال هذه الفترة يسعى إلى اللملمة الكمية لا إلى " الإصطفاء النوعي الطليعي " وذلك تحت سلطة هيئة رئاسية كانت كل يوم تملأ بحضورها الاعلامي الكارزمي الفراغ الذي كان يتركه الحزب وهو ينسحب إلى الظل  .

 وراحت القوى (العسكرية والأمنية) التي خاضت " المعارك الأهلية " بنجاح تفرض شروط المنتصر ليس على المجتمع فحسب بل وعلى حزب البعث الذي شعر أنه لم يكن حزب " الملمات " وأن الكتلة الأكبر فيه لم تكن تحمل وعيا أرقى من منسوب الوعي الاجتماعي التقليدي القائم ، وأن المشتركات الفكرية والايديولوجية بينه وبين "الأخوان المسلمين" هي أكبر مما هي بينه وبين حزبه الذي تناءى بعيدا بعقله عن ينابيع البعث الأولى وجدالاته الفكرية والنظرية ، عن الوحدة القومية والحرية ، والتقدم، والحوار حول الحاجة إلى الاشتراكية العربية أم العلمية ، والقومية بين خصوصيتها الإسلامية والقومية بكونيتها العلمانية ، كل ذلك بعد أن قام البعث السوري والعراقي بعملية فك ارتباط ، بل اقصاء لكل ممثلي الثقافة الرفيعة في الحزب ، سيما وأن نفوذ الحزب تاريخيا – وكما هو معروف - كان بين المثقفين ، وبدأت مرحلة البعثيين (القبضايات ) باللهجة الشامية و(الفتوات ) باللهجة المصرية منذ منتصف الستينات ( أمين الحافظ في سوريا ومن ثم صدام حسين لاحقا في العراق ) .

ويبدو أن رأينا الناصح في حينها كان يعكس ميلا داخل الحزب ربما كان من ضمن العوامل الدافعة باتجاه اتخاذ القرار الصائب للقيادة القطرية ، لكنه القرار الناقص والمتردد والذي يحمل الكثير من الشكوك بمصداقيته التي تثير أسئلة كثيرة أولها التوجس المتوقع من أن يكون القرار صادرا لرفع العتب الخارجي انحناءا أمام العاصفة لكسب الوقت في حين أن الجميع صار يعرف أن المطلوب اليوم هو " الإنحناء السيادي وليس فقط الإنحناء السياسي" وثانيهما هو ما تطرحه الموضوعة الثالثة حول فيورباخ التي يصوغها ماركس قائلا :"إن النزعة التي ترى أن الانسان وليد الظروف والتربية... تنسى أن الانسان هو الذي يغير الأوضاع وأن المربي نفسه محتاج إلى تربية " ولذا فإن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح حول أي إصلاح اقتصاديا كان أم سياسيا أم إداريا : من هو المصلح " المربي" الذي لا يحتاج نفسه للتربية ؟ ما هي صلاحياته ؟ هل القوى الضاربة التي تبرعم الفساد وتمادى وتعمم تحت حمايتها هي القادرة وبنفسها على حماية الإصلاح ؟ هل يستطيع الفاسد أن يصلح ما أفسد ؟ كيف يمكن للمتضرر أن يساند ما يتضرر منه دون تعطيل ؟ إن الزمن أصبح أكثر من ضيق بل هو أكثر من" داهم " ، فلا بد –والأمر كذلك- من تدخل المجتمع للمشاركة والفعل ليسهم بصنع مصائره الوطنية والقومية .

لا بد من خطوات شجاعة لتخرج الناس من حالة السبات والذهول ليستفيقوا فيتلمسوا ذواتهم بوصفهم بشرا لا سائمة ، ذواتا تملك زمام نفسها لا أغناما تجر من زمام رقابها ، وباعتبار ذواتهم منحلة في ذات الوطن والأرض والتاريخ ليتحولوا من سديم بشري برزخي مذرّر ، مفوّت ، مطروح على قارعة طريق التاريخ ، إلى كتلة تاريخانية عصرية حديثة ، مندمجة  منسجمة ، موحدة قوميا وكونيا وحضاريا ، محفزة تستشعر كائنيتها بوصفها ديكا لا دودة ، تسحقها الأبواط .

فما هم المطلوب ؟

لتخرج القيادة السياسية من الغرف المغلقة والمظلمة ولتنزل إلى الشارع ، فحزب البعث هو الأقدر – من بين كل القوى المنهكة بالقمع- من خلال ميراثه السلطوي الاداري وامساكه بخيوط السلطة بتعدد مناحيها أن يقود ثورة بيضاء على كل عوامل الهزيمة وقابلية الاستعمار التي تنخر كياننا ، ويمكن لحزب البعث أن يدعو إلى مؤتمر قطري وأن لا يقتصر على البعثيين الذين تبقرط وترهل الكثير منهم ، ويدعو بملء الفم والجرأة  والشجاعة ، حل الحزب ، والدعوة إلى تأسيس حزب جديد (قومي – ليبرالي – ديموقراطي علماني حديث ) يتموضع على المستوى العالمي مع حركة ( الاشتراكية الديموقراطية الدولية ) لنكون فاعلين في الساحة العالمية من خلال انخراطنا في مؤسساتها السياسية و فيما أخذ يسمى اليوم بالمواطنة الكونية التي تتشكل في وجه العولمة ، لا أن نندب سوء حظنا بهيمنة النفوذ الصهيوني على حركة الاشتراكية الدولية من خلال حزب العمل الإسرائيلي ،وفي كل الأحوال فإن أحزاب الإشتراكية الدولية ليست موحدة الموقف تجاه الصراع العربي الإسرائيلي ، فسياسات شرودرالإشتراكي الألماني ليست موحدة مع سياسات جوسبان الإشتراكي الفرنسي ،وهذه الدعوة التي نوجهها للبعث ليست محصورة في استجاباته ، بل هي مطروحة على المجتمع ككل ،لأنه غدا من التأخر والفوات الحضاري والسياسي أن لا يكون لدينا حركات سياسية يسارية ديموقراطية ذات نكهة ليبرالية ثقافية تضعنا في قلب العالم مدنيا ليكون بيننانخبة كونية الوعي والفكر فاعلة ومؤثرة ومحترمة ،إذ أن بنية كل الأحزاب لدينا هي بنية شمولية اوتوقرطية شعبوية وتقليدوية هرمة وشائخة كالبعث الرفيق التاريخي لها في القيام والنشأة والدعوة والتشكل ،ولعل أطرف مثال على هذه "المثلية" البنيوية أن يقوم أحد الأحزاب العتيقة –من اصحاب الطريقة- بالهجوم على "الرجعية" وفق مفردات وخطاب الخمسينات ، فتتلقفه جريدة البعث بالأحضان على صفحتها الرئيسية !!

فلنفعل ونمارس السياسة الحديثة بما ينافس  حزب العمل ، ونزاحمه على كسب الساحة الدولية ، من خلال نفوذ " الاشتراكية الدولية "  في قيادة أوروربا .

لقد عشنا في ظل القوانين الاستثنائية (قوانين الطوارئ والأحكام العرفية ) فلا بد من الخروج من الحالة بطريقة استثنائية ، فالقوانين الاستثنائية حولت الشعب إلى رعايا سائمة ، ديدان ، ولهذا فإن حل مشكلة الأنظمة الشمولية الاستثنائية لا يتم إلا بشكل استثنائي ، بعد أن دمر الطريق الطبيعي للتطور كما حدث في العراق الذي لم يعد فيه إلا الملالي وشيوخ العشائر ، وعلى هذا فالمطلوب منا ارتفاع في مستوى ممارسة عملية التغيير إلى حد الاستثناء ، وإلا فالاستعصاء هو المصير ، والاستثناء عندها سيأتي من الخارج كحل أخير ، إذا عجزنا بقوانا الذاتية عن اجتراح المعجز فعلا ، وإلا فإننا سنعطي كل الحجج والبراهين على أننا بحاجة للوصاية الدولية ، ما دامت الأمة عاجزة عن "الولاية على نفسها" ،ومنصة الإنطلاق لكل ماتقدم على المستوى العملي والإجرائي ،هو اصدارمرسوم بالإفراج عن المعتقلين السياسيين على قاعدة إلغاء قوانين الطواريء والأحكام العرفية ، وإلا فلن يصدقنا أحد ، لا الشعب ولا الإشتراكية الدولية إذا رغبنا في الإنتظام في نسق حركيتها العالمية ،ولا العالم إذا رغبنا الإنخراط في نسق الحركية الكونية المناهضة للعولمة ، ولا الأمريكان لإتقاء شرهم الداهم والدائم .

 

                                        د.عبد الرزاق عيد

                        حلب – 21 / 7 / 2003