تجربة لجان إحياء المجتمع المدني في سورية

"موجودة واقعياً وغير مرخصة رسمياً"

باسل العودات ـ وكالة الأنباء الإيطالية (آكي)

بدأ نشاط لجان إحياء المجتمع المدني في سورية عام 2000 بعد عدة عقود من الحكم الشمولي بقيادة حزب البعث، جُمدت فيه الحياة السياسية والحزبية وزادت هيمنة السلطة على مختلف مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وعلى منظمات المجتمع المدني بما فيها النقابات والجمعيات والاتحادات وغيرها.

تنامى نشاط لجان إحياء المجتمع المدني نتيجة ظروف عديدة في السياسة الدولية والإقليمية، منها انهيار الاتحاد السوفياتي وانتهاء الحرب الباردة وهزيمة الإيديولوجية الوصائية، والارتخاء النسبي لقبضة السلطة على المجتمع والحياة, وتوافق ذلك كله مع تولي الرئيس بشار الأسد السلطة في سورية عام 2000 بعد وفاة والده الرئيس حافظ الأسد، وبعد إلقاء خطاب القسم الذي أشار فيه إلى أهمية الحريات والتعددية وتكافؤ الفرص وفصل السلطات مما أوحى ببدء مرحلة جديدة مختلفة السياسات في سورية.

بدأ نشاط المثقفين بتشكيل حلقات ثقافية ومنتديات تناقش أحوال البلاد والنظام السياسي والواقع السوري وأهمية التطور الديموقراطي، وبناء نظام جديد على أسس مختلفة، ثم تبلور نشاطهم في وثيقتين تأسيسيتين صدرتا باسم لجان إحياء المجتمع المدني، نادتا بإعطاء الأولوية للبنية المجتمعية والمدنية في النشاط، وفتح الأبواب للحوار, وتوصلتا إلى تفاهمات وتوافقات عامة للنشاط المشترك، مما يعني قبول الرأي الآخر، وساهم في إصدار الوثيقتين نشطاء من مختلف أنواع الطيف الثقافي والسياسي السوري, وأكدت الوثيقة الرئيسية وهي وثيقة الألف التي ضمت تواقيع ألف مثقف وسياسي أن لجان إحياء المجتمع المدني هي لجان مجتمعية مستقلة لا مركزية ولا حزبية تنبذ العنف والقمع والإكراه وتعتمد الحوار السلمي سبيلاً لحل المشكلات، وتهدف إلى تنشيط الحياة العامة واستعادة المواطنين إلى حقل العمل العام والمشاركة الإيجابية.

بعد أن سكتت السلطة على نشاطات لجان إحياء المجتمع المدني بضعة أشهر عادت ومنعت نشاط المنتديات باستثناء منتدى (جمال الأتاسي) الذي يمثل في الواقع تجمع أحزاب المعارضة، واعتقلت عشرة من الناشطين الرئيسيين في اللجان (مازال سبعة منهم معتقلون منذ خريف 2001) لكن ذلك لم يمنع في الواقع نشاط اللجان، التي استمرت تعمل وتصدر البيانات وتشارك في الاعتصامات والتظاهرات مطالبة بالحريات وحقوق الإنسان والسماح للمجتمع بتشكيل مؤسساته، واحترام حراكه، ومشاركته في الحياة العامة.

مازالت لجان إحياء المجتمع المدني في سورية حتى الآن قائمة وتنشط في الوقت الذي لم تسمح السلطة لها بالحصول على وضع قانوني لكنها لا توقف نشاطاتها فعلياً ولا تلاحقها، وهكذا فهي