أمام جورج بوش في العراق طريقان

 

 

الطاهر إبراهيم

 

جلس بوش في مزرعته في "كروفورد" في تكساس قلقا لا يستطيع أن يحتفل في ليلة رأس السنة بسبب ما تحمله الأخبار التي تصل إليه من العراق من الأوضاع الحرجة والسيئة التي تمر بها قواته في المعارك التي تدور رحاها هناك، خصوصا وأن كل التقارير التي تصله تؤكد أن جنوده يشعرون وكأنهم يقاتلون أشباحا، فلا يعرفون من أين يأتيهم الموت.

وفي هذا الجو الذي اكتنفه في تلك الأمسية شعر بحاجته إلى من يخفف عنه. وبعد استعراض وجوه إدارته القديمة الجديدة، أحس أنها كلها وجوه قاسية غليظة تزيد من الهم، لكن شفتاه ابتسمتا عندما مر وجه"كوندليزا رايس" في مخيلته. فهي على الأقل ليس لها تضاريس وجه وزير دفاعه "رمسفيلد" التي تجلب النحس، ولا قسمات نائبه "ديك تشيني" التي لا توحي بالثقة، ولا نظرات "كولن باول" الذي حمد الله على أنه تخلص منه.

عندما وصل إلى نهاية الاستعراض رفع سماعة الهاتف، فسمع على الطرف الآخر ضحكات وزيرة خارجيته الجديدة وسكرتيرة أمنه السابقة،وهي تحتفل في بيتها مع أصدقائها. ولم يجد بدا من أن يفضي إليها بهمومه وطلب منها أن تأتي إليه في مزرعته.

وحول طاولة مكتبه في بيته قال: "كوندي" إني أشعر بالظلام يلف مستقبلنا في العراق، وأصابني الإحباط خصوصا بعد الهجوم الذي حصل في الموصل ولم نعترف فيه إلا بمقتل 24 جنديا من جنودنا، فهل عندك أية بارقة أمل يمكن أن تعيد الابتسامة إلى وجهي في هذه الليلة؟.

 وعلى طريقة الحاوي، استأذنته قليلا وخرجت إلى الصالة خارج المكتب ثم عادت ومعها امرأة "أربعينية" صخرية الملامح، أفزعته قساوة نظراتها فنظر إلى "رايس" مستفهما عمن تكون هذه المرأة الحيزبون ؟ فقالت إنها قارئة فنجان كثيرا ما كنت ألجأ إليها، قد تستطيع أن تتنبأ بمستقبلنا في العراق. فانفرجت أسارير"بوش" وقال:نِعْمَ ما فعلتِ، ولنبدأ بسرعة عسى أن نجد عندها أخبارا تذهب هذا السأم الذي جثم على صدري.

ابتدأت قارئة الفنجان بتمتمات غير مفهومة ثم قالت :

أيها الرئيس إنك أعلنت أنه لا بد من إجراء الانتخابات في نهاية كانون الثاني الجاري. ربما تستطيع حكومة "علاوي" إجراءها ،ولو شكليا، بأقل الخسائر، وتكون تلك رسالة مزدوجة لمن راهن على عدم إجرائها في موعدها، ابتداء ب" جاك شيراك" مرورا ب "كوفي أنان"، وانتهاء بالمقاومين وأهل السنّة الذين يعارضون الوجود الأمريكي. وإذا تمت هذه الانتخابات فإن ذلك شيء جيد. ولكنها قد لا تتم، وعندها يكون أمامك طريقان.

قد تستطيع حكومة "علاوي" تسويق تأجيل الانتخابات على أنه استنفاد للفرص المتاحة،حيث يعد بإجراء الانتخابات خلال مدة لا تتجاوز ستة أشهر. وقد يكون لكم في ذلك التقاط أنفاس للتهيئة للانتخابات.، وهذا إذا حصل وتم تنفيذ الانتخابات ولو في غير موعدها، فإنه أمر جيد. وربما تحدث أمور معكرة أخرى وعندها يكون أمامك طريقان.

قد يكون من المناسب أن يُخرجَ سفيركم فوق العادة "نغروبونتي" من جعبته "علاوي" آخر،ويلقي بتبعة الفشل على "علاوي" السابق. وربما ينجح "العلاوي" الجديد في ما فشل فيه سابقه وتجري الانتخابات في الموعد الجديد، وهذا إن حصل يكون شيئا جيدا، وربما لا تجري الانتخابات وعندها يكون أمامك طريقان.

قد يحاول "نغروبونتي"أن يوغر صدور بعض أئمة الشيعة بحيث يلقون الملامة على هيئة علماء السنة، وتحصلا الاضطرابات الطائفية بين السنة والشيعة وعندها قد يقتنع أعضاء مجلس الأمن بإرسال "القبعات الزرقاء" تحت قيادة الجيش الأمريكي لضبط الأمن في العراق،وهذا بدوره يقلل الخسائر الأمريكية، وهذا إن حصل يكون شيئا جيدا.وقد لا تحصل اضطرابات طائفية في وجود العقلاء في طوائف العراق يمنعون الاقتتال، وعندها يكون أمامك طريقان.

قد يكون من المفيد أن تخفض من غرورك، وتبحث في الشعب العراقي المخلص لوطنه عمن يساعدك على الخروج من المستنقع العراقي. وبالمناسبة إن الفكرة التي أوحى بها "علاوي" إلى أنصار إجراء الانتخابات من الشيعة، فأرسلوا وفدا إلى الرئيس حسني مبارك لكي يرسل بعضا من علماء مصر إلى هيئة علماء المسلمين لحثهم على الموافقة على إجراء الانتخابات في موعدها . وقد يكون من المفيد التذكير بأن هيئة العلماء في العراق لن تنصت إلى شيخ الأزهر ولا لعلماء السلطة في مصر. فإذا أوحيت إلى الرئيس "مبارك" ،عن طريق سفيرك في القاهرة،  

أن يرسل العلماء من المعارضة المصرية للحوار مع علماء العراق. فإذا نجح هذا المسعى في إقناع علماء السنة في العراق لدخول الانتخابات فهذا شيء جيد.وإذا فشل مسعى الرئيس مبارك  ،وهو المتوقع لأن العلماء في مصر لا يثقون بفخامتكم، فأمامك طريقان.

إما أن تلجأ إلى سياسة الحسم العسكري، فتستنفر الكونغرس لاعتماد ميزانية ضخمة لإرسال قوات إضافية يصل تعدادها أربعمئة ألف مقاتل، أي إلى ما كانت عليه قوات التحالف في عاصفة الصحراء التي أخرجت صدام حسين من الكويت في عام 1991، وإذا وافق الكونغرس على طلبك هذا، فإن ذلك شيء جيد. وقد لا يوافق الكونغرس على سياسة الحسم هذه خوفا من فيتنام جديدة، وعندها يكون أمامك طريقان.

إما أن تستطيع ،بما عندك من جنود حاليا، إطالة أمد الحرب، وتطلب من الدول المجاورة وقف إمدادات المقاتلين العراقيين. وإذا كانت تلك الدول تقوم فعلا بالإمداد، فإنها سوف تخضع للتهديد وتوقف الإمدادات خوفا من اهتزاز كراسي حكامها، فيقل عدد القتلى الأمريكيين.وهذا إن حصل يكون شيئا جيدا. وربما تكون تلك الدول لا تساعد المقاومين، لأن المقاومة عراقية صرفة، وعندها يكون أمامك طريقان.

قد يكون من المفيد التفكير بإرسال من يتفاوض مع صدام حسين للعودة إلى الحكم ضمن شروط تحفظ لكم ماء الوجه، خصوصا أنكم أبقيتموه حيا لأنه قد يأتي يوم يكون له فيه دور.وقد سمعت من زملائي قارئي وقارئات الفناجين أن هذه كانت مشورة من شريككم "توني بلير" إحياء منه لسياسة قديمة كانت تتبعها بريطانيا في مستعمراتها، حيث كانت تبقي الحكام على رأس الحكم. فإذا قبل صدام حسين العودة فإن هذا شيء جيد، ويكون ربحكم مضاعفا، لأن ذلك سيسقط صدام حسين في نظر الشعب العراقي ويتخاذل المقاتلون، هذا إذا كان له أو لرجاله دور في القتال. وإذا لم يقبل صدام حسين بهذا العرض، وهو المتوقع منه، فأمامكم طريقان.

إما أن تفكر جديا بالتخلي عن أحلامك الكبيرة، وتترك أبناء العراق يحكمون أنفسهم من خلال انتخابات حرة تشرف عليها الأمم المتحدة فقط، وهذا شيء جيد قد يبقي لكم بعض الصدقية. وقد ترفض هذا العرض بفعل جنون العظمة الذي تضخم لديكم بعد نجاحكم في إعادة انتخابكم لدورة رئاسية ثانية، وعندها يكون أمامك طريقان .

 وفي هذه الحالة سوف يستمر نزيف الجنود الأمريكيين في المعارك مع المقاومين العراقيين، وقد يصل الأمر بهم إلى عصيان أوامر الضباط لهم في الخروج إلى العمليات القتالية ،فتتوالى عمليات الهروب ويصل ذلك إلى مسامعك، فتشعر بالإحباط، ويأخذ دوار قد يؤدي إلى الإغماء. فإذا كانت الوزيرة "كوندي"إلى جانبك وأخذتك في أحضانها قبل أن تسقط أرضا فهذا شيء جيد. وإذا كان الأسرع إليك هو وزير الدفاع "رمسفيلد" فيأخذك في حضنه الخشن الذي  تفوح منه رائحة الإنسان الوغد وساء مع الهزيمة حضنا. 

عندها لم يتمالك"بوش"نفسه فصرخ في وجه "رايس"قائلا: قبحك الله وقبح قارئة الفنجان، فكلاكما أسوأ من حظي السيء في العراق. وهنا فتح عينيه على صوت زوجته وهي توقظه من نومه وتقول: بيبي ما ذا أصابك؟ عندها عرف أنه الكابوس العراقي الذي يلاحقه حتى في نومه.

الطاهر إبراهيم    كاتب سوري يعيش في المنفى