"عثماني" في رحاب الأقصى!

بقلم:  عبد اللطيف مهنا

 

 

أثار المشهد التركي الأخير في ساحة المسجد الأقصى شجوناً فلسطينيةً من السهل إثارتها، مردها التعلق، في هذا الزمن العربي والدولي الرديء، بأية قشة تلوح، من شأنها أن توحي، ولو معنوياً، بأن الفلسطينيين ليسوا وحدهم وظهرهم إلى الجدار... صلاة عبد الله غول وزير الخارجية التركي في ثالث الحرمين الشريفين، ولو تحت حراب الاحتلال، أنهت قطيعة أتاتوركية مع ما يمثله هذا المعلم الإسلامي المقدس بدأت منذ زوال الدولة العثمانية، وكانت مع التصريحات التركية المرافقة للزيارة، ومنها مخاطبة الوزير الضيف مضيفيه في رام الله بعبارة مثل: "نحن نتقاسم تاريخاً كبيراً في جميع المجالات"، جعلت المضيفين يترحمون بصوت عالٍ على السلطان عبد الحميد الثاني آخر سلاطين آل عثمان، الذي رفض إغراءات تيودور هيرتزل وضغوطات الأوروبيين على الباب العالي، أو ما كانوا يصفونه بالرجل المريض، لمنح اليهود حق امتلاك أراضٍ فلسطينية هي من أعمال الدولة العثمانية لإقامة مستعمراتهم الغريبة عليها... الفلسطينيون في رام الله ذكّروا الضيف التركي بمأثرة جده العثماني. لكنما الضيف المرحب به وبمواقفه، والذي استقبل بحفاوة وحرارة ووصف ب"صديق فلسطين الكبير"، لم يجد في جعبته، وفق ما يقتضيه الممكن السياسي وضرورات المصالح، وبالتالي الحسابات القائمة عليهما، وليس قناعات وعواطف ونوازع حزب العدالة والتنمية الحاكم في أنقرة، إلا التنويه بما دعاه "نهج التوازن" الذي تعتمده بلاده في التعامل مع الطرفين، الفلسطيني والإسرائيلي، الذي يؤهلها بالتالي، كما يرى، للقيام بدور وسيط بينهما خصوصاً لأنها، كما قال لمستقبليه في رام الله، "تحظى بثقة الطرفين"!

في تل أبيب، قبل رام الله المحتلة، لم يخرج عبد الله غول عن السياق الذي أملى عليه تجشم عناء الزيارة، تلك التي دفعت وقائعها بأول وزير خارجية تركي خلال ما يقارب القرن حتى الآن للصلاة في المسجد الأقصى والتجوال في أكناف بيت المقدس. قال ما يشبه ما قاله في رام الله، مع قليل من البرودة وشيء من التحفظ: نوّه بتليد "الصداقة المتينة" التي تربط أنقرة بتل أبيب، مؤكداً بأن "العلاقات الثنائية جيدة بالفعل" بينهما، مدللاً على ذلك بأن تركيا هي المقصد الثاني للسياح الإسرائيليين بعد الولايات المتحدة، حيث استقبلت في العام المنصرم فقط 300 ألف زائر إسرائيلي، ليبدي، والحالة هذه، رغبة بلاده في تسنم دور الوسيط في الصراع العربي الصهيوني، مبرراً ذلك بأن "ثمة مناخاً جديداً في المنطقة يجب اغتنامه"... والآن كيف تنظر الأطراف الثلاثة المعنية بالزيارة لها؟

الفلسطينيون رحّبوا، واعتبروا أن فيها من الإيجابيات ما تعنيهم، وهذا صحيح، أما الإسرائيليون فلم يزيدوا على ما قال بيان صدر عن مكتب شارون لا يقول شيئاً عندما يقول: "أنه (أي شارون) يعتقد بأن تركيا تسهم وتساعد في الهدوء والسلام في المنطقة"!

أما الأتراك، فينظرون لها في سياق ما يراه رئيس الوزراء، الطيب أردوغان، الذي سبق وأن اتهم إسرائيل بارتكاب "إرهاب دولة"، وأعلن أثناء زيارة غول لتل أبيب أنه سيزورها "في القريب العاجل"، أي المتمثل فيما قاله أمام كتلة نواب حزبه الحاكم: حين خاطبهم: كونوا على الثقة بأن "أهمية وتأثير تركيا في المنطقة أصبح أمراً مفهوماً بشكل أكبر يوماً بعد يوم. وقد بلغت تركيا مكانة تملئ معها الفراغ الكبير في المنطقة". إذن الأتراك يريدون اغتنام مناخاً يرونه مناسباً في المنطقة للقيام بدور يؤكد أهمية وتأثير بلادهم فيها، ويسمح لها أو يمكنها بالتالي من ملئ فراغ كبير يلاحظونه فيها، وعليه كانت الزيارة...

لعل هذا الطموح التركي المشروع، ومآل أربعين عاماً ويزيد من التهالك للانضواء في الاتحاد الأوروبي، يشكلان معاً مفارقة تركية تعكس حيرة تبدو أبدية يعيشها هذا البلد الهام اللاهث بين حقائق الجذور ونوازع الجنوح... بين الشرق الهوية والغرب التابعية، بمعنى الاندراج والانضواء، أو كما يصف البعض، طلب الجنسية الأوروبية!

بالنسبة لهذه "الجنسية" المنشودة، فعلى الرغم من قرار الاتحاد الأوروبي مؤخراً الموافقة بشروط على بدء التفاوض مع أنقرة لاحقاً حول عضويتها المحتملة للاتحاد، والذي عدّه الأتراك إنجازاً استحق أردوغان عليه استقبالاً كاستقبال الفاتحين بعد عودته من بروكسل، وأن يهتف البعض منهم: أردوغان فاتح الاتحاد، في استعادة عاطفية لأمجاد السلطان محمد الفاتح، فإن هناك حقيقة أوروبية تقول على لسان الرئيس جاك شيراك، أي العضو الفرنسي الأكبر والأفعل في الاتحاد، أو على الأقل، واحد من الكبار الفاعلين فيه:

"كلمة تفاوض لا تعني بالضرورة الانضمام"، وإن بدأت المفاوضات فهي قد "تستغرق عشرة أو خمسة عشر أو عشرين عاماً"، وإجمالاً ستكون الكلمة الأخيرة "للشعب الفرنسي"، أي الاستفتاء... ومثل هذا الكلام يمكن سماعه بالألمانية، وسواها من لغات الاتحاد الخمسة والعشرين... أي إن النادي المسيحي الأوروبي الذي كان من الصعب عليه أن يهضم حتى اليونان "الأرثودكسية" رغم زعمه بأن حضارته كلها قامت واستندت فحسب على المواريث اليونانية، نافياً، انسجاماً مع عقدة المركزية الحضارية الأوروبية، المواريث الحضارية الإنسانية الأخرى كالعادة، ومن ساهم عبر دعم وتشجيع الكروات الكاثوليك في هدم وتفتيت يوغوسلافيا تحت الزعامة الصربية "الأرثودكسية"، سوف يكون من الأصعب عليه قبول انضمام بلد إسلامي تعداده يفوق السبعين مليوناً، ومختلف من حيث الجذور والهوية والحضارة إليه... بلد لا تتعدى أراضيه الأوروبية نسبة %3 فقط من إجمال خارطته، ويشكل سكانه نسبة %14 من سكان الاتحاد في حال انضمامه إليه، وسيكون له في برلمان هذا الاتحاد الذي يضمّ أعضاءً من 25 دولة، عديدهم 626 نائباً، 95 عضواً تركياً... أي انضمام يعني طوفاناً بشرياً قادماً يذكر الأوروبيون بحصار فينا الذي يثبت يومياً أن من الصعب على الذاكرة الأوروبية تجاوزه، أو التخلص من عقدة الإسلاموفوبيا، التي تعشش وتزدهر تداعياتها هذه الأيام في المخيال الغربي عموماً... رغم تداعي كل الحجج والذرائع التي تحول دون دخول تركيا للاتحاد، ومنها الاقتصادية مثلاً، بعد أن وائمت تركيا بين قوانينها واشتراطات كوبنهاغن المعروفة، إذ تقول إحصائيات تركية: أن الناتج القومي التركي هو 238 مليار دولار، أي ما يعادل مجمل الناتج القومي لثمان دول أوروبية من حديثة الانضمام للاتحاد، مثل تشيكيا، وسلوفاكيا، ومالطا، وليتوانيا، وسلوفانيا، واستونيا، وقبرص مجتمعات. والمرتبة العاشرة من حيث إجمالي الناتج القومي بين دول الاتحاد، متفوقة في ذلك على دول هامة، مثل "بولندا، والدنمارك، واليونان، ورومانيا، والمجر، والبرتغال... باختصار عملية الأوربة التركية حكاية مفتوحة ولا يمكن ضمان خاتمتها السعيدة مسبقاً...

أما الدور التركي المنشود في المنطقة، فلعل مشكلة الأتراك أنهم يريدون لعبه في مرحلة لا يمكن لأحد رؤيتها إلا واقعةً تحت طائلة تفاقم بلطجة العدوانية الأمريكية المنطلقة من الإحساس المتضخم بالقوة والجموح الإمبراطوري بالترافق أو التطابق مع انفتاح الشهية التوسعية الصهيونية، واندماج الاثنتين في سياق هجمة كاسحة، أو ما يمكن تسميته ب "تسونامي" أمريكي – إسرائيلي يتهدد المنطقة، تتلطى بيارق هذه الهجمة وراء ما يدعى "حق التدخل الإنساني"، رافعة يافطة الشرق الأوسط الموسع لبسط الهيمنة عليها، ناسجة ذرائعها من فرية محاولة دفعها إلى التغيير أو الدمقرطة، وكل ذلك في سياق ما يسمى الحرب على الإرهاب.

ولعل أخطر أدوات هذه الهجمة، وقد وصلت من الصفاقة حدّاً لم يمنع من الإعلان عن بصمات للواء غولاني الإسرائيلي الشهير في الموصل العراقية المحتلة، عبر التسريب عن عمد بواسطة موقع للانترنيت تابع لصحيفة "يدعوت آحرونوت" الإسرائيلية، صورة لرقيب أول في الجيش الإسرائيلي يرفع شعار هذا اللواء أمام دبابة أمريكية... أخطرها هي انتهاج سياسات التفتيت والشرذمة عبر إيقاظ نوّم فيروسات الأحقاد الطائفية والأثنية المعتقة.

أي أن اللاعب التركي ينتدب نفسه للعب دور، هو من حقه لكنه يظل دوراً لا يمكن تصوره مسموحاً به إذا ما كان متعارضاً مع رغبة "الحليف الأمريكي"، أو "الصديق الإسرائيلي"، دون أن ننسى أن هذين، الحليف والصديق، كانا قد بخلا بذلك على حليفهما وصديقهما الأهم والأوثق الاتحاد الأوروبي!

إذن، من حق الأتراك أن يحلموا بأن يصبحوا الجسر الموصل بين نقيضين في المخيال الغربي، أي الشرق والغرب، أو حلقة وصل ما يدعى بلغة هذا الزمان حوار الحضارات، كما من حق حزب العدالة والتنمية الاستعانة بحنكة لا يعوزها بقضية الانضمام للاتحاد الأوروبي لدفن جدث الأتاتوركية، التي عقدت صفقتها مع الغرب قبل 70 عاماً: البقاء لما تبقى من أشلاء الإمبراطورية العثمانية مقابل القطيعة مع التاريخ والجذور والهوية... أي اعتبار عضوية الاتحاد، كما يقول أردوغان، وسيلةً لا هدفاً... ومن حقهم أيضاً الإفادة من كل ذلك في محاولة الحصول على دور يرون أنهم يستحقون في المنطقة... لكن حكاية العضوية العصيّة، والدور المفقود، أو الوساطة المرفوضة، يظلان مؤشران على حيرة تركية تبدو شبه أبدية تلوب بين نقيضين: الهوية والأوربة!