السجين 405/ د . عارف دليلة سابقاً

 

د . محمد كمال اللبواني

 

في التسعينات أشار علي أحد طلاب الدكتور  عارف دليله والذي كان قد عاد لتوه من  الاختصاص في  ألمانيا الديمقراطية ، وصار أستاذاً في كلية الاقتصاد جامعة دمشق ،  أشار علي بحضور محاضرات جمعية العلوم  الاقتصادية التي لعارف الباع  الأكبر في وجودها ونشاطها ..  يومها كانت  المحاضرة عن قانون الاستثمار في سوريا ، ويومها تداخل عارف قائلاً :  إن قانون  الاستثمار رقم عشرة مصمم خصيصاً ليستفيد منه عشرة  أشخاص مبشرين  بالجنة ،  وأشار بيده للصف  الأمامي من  الحضور حيث كان من كان فيه ..  و صفق الحضور طويلاً قبل  أن  يتابع  عارف مداخلته ، في تلك  الأيام كان الدكتور  عارف دليلة  هو  الصوت  الوحيد المنتقد في العلن ومن  الداخل  للسياسات  الاقتصادية  القائمة وللفساد المستشري  ، ولكونه قد شغل منصبي عميد كلية الاقتصاد في حلب ثم دمشق ، ولكونه مؤسس جمعية  العلوم الاقتصادية ،  ويقدم  المحاضرات في  أكثر من مكان وله الكثير من  الكتب والمقالات وقد عمل في دول الخليج ، ولكونه يملك الكثير من  الإرادة وقوة الشخصية  .. كان عارف قادراً على الاستمرار وحده في محيط من الصمت  والخوف ، حتى بعد فصله من التدريس في الجامعة بقرار سياسي تعسفي . وبعد ذلك بسنوات وفي الرياض في السعودية اجتمعت مع اثنين من طلابه  والذين صاروا بدورهم  أساتذة في الاقتصاد أيضاً ، لنشاهده على التلفيزيون .. يومها كان عارف قد باشر  نشاطه فيما يسمى بلجان إحياء المجتمع المدني ،  و عدت سريعاً إلى سوريا ، و كان همي  الأول أن ألتقي به وبالفعل وفي منتدى  الحوار الوطني في منزل رياض سيف في أوائل عام 2001 تعارفنا وتواعدنا وتبادلنا الزيارات ، والحوارات وعملنا معاً في ما سمي بربيع دمشق .

وبسرعة وبعد تسعة  أشهر من هذا التاريخ ،  وعندما كنت أسلم  أماناتي في قبو فرع الفيحاء للأمن السياسي حيث اعتقلت في اليوم  السابق وأمضيت ليلتي  الأولى في سجن الشعبة لصالح فرع  الريف الذي سلمني لفرع  التحقيق في اليوم  التالي .. وعلى مكتب  مساعد السجن لمحت على مغلف موضوع  أمامه  اسم عارف دليلة ومغلف آخر ظهرت منه كلمة وليد ..  عندها عرفت  أن عارف موجود  أيضاً في  إحدى المنفردات  المجاورة ، يومها شعرت ( بالارتياح )  : طبعاً ليس لاعتقال عارف ووليد ولكن لكوني معهم  في قضية واحدة ، وربما  شعرت  بالفخر لكوننا ندخل السجن من أجل قضية مشرفة ونظيفة ليس لنا فيها  أي مطلب أناني .. وسمعت من شق الباب  صوت عارف يرفض طعام  الإفطار ، وكذلك وليد ، لكون الزنزانة مغلقة تماماً معتمة ومتعفنة ، يومها تناولت رغيفاً عليه بعض الزيتون  الأخضر  ، كنت بحاجة للطعام كي أحتفظ بقوتي ، فلا أدري ماذا ينتظرني ، وعند الغداء الذي كان بامية ورز والذي  وضع في صحن بلاستيكي لم  أتمكن من غسله كما يجب ، لعدم توفر الصابون ،  طلبت ملعقة ، فقال لي السجان ( كول بإيدك ولا ) ، قلت له سبق وتعرضت للضرب من  أمي كي  أتعلم  الطعام بالملعقة ،  وها  أنت ... . أغلق النافذة دون أن يرد ، وأكلت ببقايا الخبز بينما رفض عارف تناول  أي  شيء ..

لم  تطل المعاناة فقد كانوا في عجلة من  أمرهم ، أنهوا  التحقيقات في الليل وفي الصباح رحلونا لمحكمة  أمن  الدولة العليا  ،  اجتمعت  بعارف عند مكتب المساعد الذي  أعاد  الأمانات  إلينا ،  قبلت عارف ووليد بحرارة وحزنت جداً  لأجله  وهو يرتدي حزامه ويستلم حاجياته  )  أمثل هذا  الإنسان يسجن في هكذا سجن ) .. وبعد نهار طويل مثلنا فيه  أمام قاضي التحقيق في محكمة أمن  الدولة  العليا ذهبوا بنا ليلاً إلى سجن عدرا .

في  سجن  عدرا في المهجع  رقم  4 من الجناح 2 المخصص للسياسيين . كنت شريك عارف لوحدنا وكان  وليد في المهجع رقم 6 لوحده ..في ليلتنا  الأولى طلبنا طعاماً ،  وكان  السجانون  والسخرة كريمين معنا ..  مكدوس ولبنة وشاي وجبن .. لم يكن خافياً  أبداً تعاطفهم ( جميعهم ) معنا ، ولم يكن خافياً  أنهم يتحينون الفرصة لإبداء محبتهم وتقديم كل مساعدة ممكنة بعيداً عن  المراقبة ..  هنا عرفنا  أننا في وطننا رغم  السجن وأننا  رغم السجن بين  أهلنا وأصدقائنا .  إن تلك  المشاعر النبيلة ( المحرمة )  التي  أظهرها سجانونا كانت أكبر غذاء روحي لنا في مواجهة ظرف جديد وطارئ نتعرض له ، خاصة مع سماع صوت  المئذنة ( الله  أكبر )  ..  كان ذلك مساء الاثنين 10 /9/2001 ، وخلال  الأيام  الأولى كنا نحاول الحصول على بعض  الأشياء واللوازم الضرورية ، سخانه إبريق شاي شراشف بيجامة شحاطة ،  وكنا نوطد  العزم على تحسين ظروف  الإقامة التي قد تطول  . وبالفعل نقل وليد البني   إلينا  ثم  انضم حبيب عيسى وقضينا فترة ستة  أشهر معاً ولوحدنا  في المهجع رقم 6 بعد أن ركبوا فيه أجهزة تنصت سرية  ثم في غرفة صغيرة قبل أن يفرقونا بسبب إضرابنا عن  الطعام  في 21/3/ 2002 .

الأيام  الأولى للسجن صعبة ، خاصة على من كان يعيش في الخارج حياة مثل حياتنا مليئة بالعمل والنشاط . كنا  لا تعرف مصيرنا ومنقطعين تماماً عن  العالم  إلا بعض الجرائد  الحكومية . ولا نخرج للباحة .. وليس لنا زيارات ولم ننزل للمحكمة ..  صنعت من  العجين حجارة شطرنج ، و حاولت  أن  أجمل جدران  المهجع الكبير بذات  المادة ، فعجنت بعض بقايا  الخبز اليابس بالماء  ورسمت على الجدار راقصة بالية مقابل سرير عارف لكي يحدق بها .. كانت بالحجم  الطبيعي تقف على أصابع قدم واحدة وترفع يدها فوق شعرها بملامحها الروسية ، وكنا نستخدم الخبز والبيض والمربى  والشاي والقهوة ..  وشيئاُ فشيئاً بدت  أقرب للواقع وبدأ عارف يقدم بعض الملاحظات  الهامة ، ثم  صار يشارك معي .  يومها  اكتشفت أنه يملك عيون  وأنامل فنان لم يتعرف على موهبته  .. ثم تولى هو وضع  اللمسات  الأخيرة على تلك  الراقصة  التي زينت جدار مهجعنا .

فعارف ليس فقط إنسانا رقيق المشاعر وفناناً بل صوفياً  أيضا ..شخصية  عارف ليست شخصية السياسي ،   إنها شخصية المثقف ( رجل العلم والمعرفة والحقيقة ) ، لا يبحث إلا عن  الحقيقة والحق بأعلى صورها وأنقى  أشكالها ، وقليلاً ما يهتم بالتوافقات والمصالحات والحلول الوسط ، شخصية واضحة محبة متسامحة صافية ليس عندها  أسرار ولا مناطق مظللة ، لكنها قوية في نصرة الحق وفي كراهية  الكذب .  

عندما كنت  أرى عارف مستغرقاً في صمته وحزنه ..  كنت  أسأله سؤالاً اقتصادياً ، فيصحو فيه الأستاذ النائم ويلقي محاضرة مطولة يشرح فيها ويطيل  ، وقد كنت مع وليد تلميذين نجيبين نجيد  الاستماع وطرح  الأسئلة . كان عارف يؤكد على  الدوام  أن  الأزمة  الاقتصادية في سوريا سببها ليس اقتصادياً ولا حلها كذلك ،  وأنها لم تحدث بشكل تلقائي بل صنعت تصنيعاً وبفعل فاعل ، وأن  الفساد لم تصنعه الأشباح بل أشخاص حقيقيون يجب  الإشارة  إليهم ، وسياسات شجعت عليه ورعته وهيأت له الظروف الملائمة .

وفي لحظات  الإحباط رسمت بالعجين أربعة جماجم تمثل الأرقام التي أعطونا إياها بدل  أسمائنا  ، قالوا لنا  اكتبوا هذه الأرقام وإحفظوها جيداً .. وهكذا فعلت  : رسمت  جمجمة عارف لتحمل الرقم 405 ، وحبيب 406 ، وأنا 407 ،و وليد 408 ،  لكن ومن دون قصد بدت جمجمة عارف متجهمة وجمجمة وليد مبتسمة ..  احتج  عارف وقال لي أترسمني متجهماً في  الآخرة .  أيضاً هناك  سأكون تعيساً ..  أنا  أحتج . وعبثاً حاولت أن أجعلها تبتسم ..  كنت  أقول لهم  ستخرجون إذا خرجت هذه الجدران ،  ستخرجون ولكن جثثاً ...   أردتم  إحياء المجتمع المدني ، فتحولتم إلى جثث وجماجم  في ماكينة القمع ..

ولم  أكن  أتخيل أن يتحول مزاحي إلى حقيقة وأن ننقل للمنفردات ونعزل عن بعضنا ثم  ينال عارف حكماً بعشر سنوات ويتعرض للإهانة ، و يمرض بعدة أمراض ، بينها مرض قلبي خطير فقد كنت أظن أن مشكلتنا مع السلطة ليست كبيرة إلى هذا الحد و سرعان ما ستنتهي .  لأن الحقيقة واضحة وطريق المستقبل أمام سوريا واحد ووحيد , ألا و هو طريق الحرية والديمقراطية حسب تعبير عارف .

ومضت السنوات معزولين عن بعضنا في زنزانات انفرادية ولم نتمكن من رؤية عارف ولا سماع صوته  لكونه في زنزانة بعيدة عنا ،  و توفيت والدة عارف في الربيع الماضي دون أن يراها لأنها كانت قعيدة الفراش ولا تتمكن من زيارته ، ومنعنا من تقديم كلمة عزاء له ..  لكنه زرع في باحة السجن التي نخرج  إليها فرادى وردة صغيرة في حوض صغير ، وراح يسقيها لتنمو وتفوح برائحتها ، فهذا هو  الشيء المادي الوحيد القادر على تقديمه لروح أمه الطاهرة التي غادرت هذا  العالم مجروحة الفؤاد ..

خرجت من  السجن بعد ثلاث سنوات قضيت معظمها في السجن الانفرادي لكنني لم  أعد للبيت تماماً حتى  الآن  ، كما لم يرجع لي اسمي الحقيقي ، ما أزال أحياناً  أظن نفسي  407  وليس كمال ، وعندما خرجت سألت زوجتي وأولادي هل  أنا أبوكم فعلاً تأكدوا ربما  أخطأ السجان  وأخرج رقماً آخر غيري ..  قالت لي زوجتي ،  ألم تفتح مفاتيحك  الباب ؟ قلت بلى ، قالت إذاً أنت هو زوجي .. وما أزال استفسر منها بين الحين والحين  هل خرجت من السجن حقاً ؟ .. فتقول لي جسدياً  نعم   ، وما تزال هي أيضاً  ترصد موعد  الزيارة ، وما نزال نشعر بالقلق ليس فقط من  التهديدات  المستمرة بالعودة للسجن ، بل على صحة وظروف زملائي الذين مازالوا هناك  ، و بشكل خاص لأن عارف مريض وما يزال اسمه 405 ، وكذلك حبيب وفواز ووليد .. ما يزالوا  أرقاماً في زنازين بأوضاع صحية وظروف سيئة ، وما أزال أعمل جاهداً  كي يتجاوز بلدنا تلك المرحلة الرمادية من تاريخه أقصد مرحلة الاستبداد  واحتكار السلطة بالعنف  والقمع , باحثاً عمن يناصرنا بين محبي الحرية والعدالة ، ومطالباً بالحرية لكل السجناء السياسيين وعلى رأسهم : السجين رقم 405 / د . عارف دليلة سابقاً