في السجون السورية رموز الضمير  ورموز الحقيقة بعد رموز  الحرية

 

د محمد كمال  اللبواني

 

عندما أخطأ  أحد  المتداخلين وطالب   بالإفراج  عن  رياض  سيف بدل  رياض  الترك في منتدى جمال  الأناسي حيث كان  عارف دليلة يحاضر في الثاني من  أيلول عام 2001  ،  احتج عليه رياض سيف الذي  كان  بين  الحضور باسماً  وقارعاً  على  أوراق عن  الخليوي  كان  يحملها  (  لا سمح  الله ) ،  بينما علق  أحد (الحاضرين - بمهمة )  مصوباً ( الترك ... الترك  .. سيف  لم  يعتقل  بعد ) ولكون مأمون الحمصي قد تداخل بقوة في ذات  المنتدى قبل  أن  يعتقل ، ولكون ذلك قد حدث  في  محاضرة لرياض  الترك الذي  اعتقل  هو أيضاً  على إثرها وبسببها .. كان  من  المتوقع أن  يدخل  أكثر من محاضر وأكثر من متداخل إلى السجن ،  وأن  يتحول مسرح  المنتديات إلى  ساحة مبارزة حقيقية  بين  نشطاء ربيع دمشق ، وبين السلطويين الذين أرسلتهم الأجهزة للمبارزة ، أو  إلى ساحة عمل  فدائي لكل من  أراد أن يتعمد في ماء الحرية ويتحرر من سلطان  الخوف  .

   بعد ذلك  ، في حديث  خاص بيني وبينه ، في  الخامس من  أيلول  عندما كنا نحضر لإعادة  افتتاح  المنتدى  ( منتدى  الحوار الوطني )  وقبل اعتقاله بساعات ( بينما كانت  الكراسي تصطف وصور محاضرة برهان غليون تجمع .. والجميع متحفز لإنجاح  إعادة افتتاح المنتدى التي خططنا  لها  بروية ) كان رياض  في لحظة  مراجعة وتقييم للذات   .. (  أنا  لا  أحب  أن  ارتدي مقاساً  أكبر  من  مقاسي ..  أنا  أعشق  الصناعة ) .. ( لكن  أداءك  السياسي مماثل لأداء  المخضرمين والمناضلين   ) .. أجاب ( أنا  أتحفظ على  كلمة  نضال ، السياسة ليست نضال ، السياسة عمل عادي يومي ،  السياسة ليست فعلاً يختاره  المرء أو  لا يختاره ,  هو  يجد  نفسه  منخرطاً فيها  أثناء حياته  العادية  )  وراح يسرد  كيف حقق نجاحاته  الصناعية وكيف  كان  يشعر  بالمتعة  عندما يشارك  عماله في  كل  شيء .. وتذكر  فجأة ( اليوم كل  صناعي  مجبر  على  استغلال عماله لما  يترتب عليه من  التزامات ومدفوعات   ضمن  القانون  وخارج  القانون ) ( أنا  لم  أفكر  في  السياسة  قبل بداية  التسعينات لكن  رفضي لمحاولات  ابتزاز  قوى الفساد جعلني  أدخل  معهم  في  صراع  غير  متكافئ انتهى بأن  استخدموا تعسف  الدولة الشمولية  الجاهزة  لإدانة أي موطن حتى  الطفل  الرضيع ،  والقادرة  على  إفلاس  أي  صناعي  أو  تاجر ، من أجل الضغط علي ، ثم بعد فشل الضغط ، لتدمير  كل  ما  بنيته بل تحطيمي مادياً ومعنوياً  .. هذا ما دفعني دفعاً إلى  ساحة  السياسة لأنني   لا  أقبل  الهزيمة والاستسلام ، ولأن ما تعرضت له يحدث مع الآخرين بظروف وأشكال متنوعة   ، ومن  موقعي في  مجلس  الشعب  بدأت  حربي مع  قوى  الفساد ..  وبصعوبة  بالغة  وجهد  استثنائي ودعم هائل من  الأهالي والناخبين  استطعت    المحافظة على مقعدي النيابي  في ظروف انتخابية كلنا  يعرفها .. وكان  علي   أن  أختار  بين  أن  أعيش فقيراً لكن حراً ،  أو  أتنعم  بحصة ضخمة مما يمكن انتزاعه من قوت  الناس   وعرقهم ،  وثروات  بلادهم . البعض (وهم ليسوا من  الصغار ) كان  يقول  لي (  أنت  لديك مواهب  ،  بإمكانك  أن  تعود أفضل  بكثير  مما  كنت [ عشرة أضعاف ما كنت عليه ] ، ونحن نريد لك ذلك ، ولا ندري   لماذا عندك  هذا  الإصرار  على  التشويش ،  ولماذا  تحمل  السلم  بالعرض ) .

بالفعل كان على رياض سيف أن  يختار بين ( العوز مع راحة  الضمير وبين  التنعم مع تركيب كاتم لصوت الضمير   ) ،  وهذا  الخيار مفروض على كل سوري في ظل  نظام ( اجتماعي – سياسي ) يدفع نحو الفساد  ويجعل  كل  رغبة مشروعة في  تحسين شروط  الحياة مقترنة  بالتخلي  عن  القيم والأخلاق ، نظام يستطيع شراء الكثيرين للدفاع  عنه ، نظام يشغل  دولة تسرطنت فيها الأجهزة القمعية ، وصار من  الصعب  على الشعب  التأثير عليها أو تدجينها وإعادة تأهيلها لتقوم  بأداء دورها الحقيقي في خدمة مواطنيها ، وصار على الشعب أن يذعن للسلطة المتعسفة ، ويتنصل ويبتعد عن  الشأن  العام ( ما دخلنا ) ، فمعارضة النظام شيء خارج التفكير وممنوع التفكير فيه ، ويكفي تكرار صور القمع والسجون لتعزيز تلك  السلبية تجاه الشأن  العام  وتجاه سلوك  السلطة ... السلطة  التي قال برهان غليون في محاضرته  ( أنه صار  على  المواطن  أن يحافظ على  أمنها وبقائها ،  لا  أن  تضمن  هي  أمنه  وسعادته وتنفذ طلباته ،  السلطة التي يجب أن تنبثق عن  الشعب  وتخدمه ، لا تلك  التي تفرض نفسها عليه وتستعبده ) . السلطة التي بدأت تتهم كل مثقف ينتقد سلوكها بمعاداة الوطن ، وتحيله لمحكمة  أمن  الدولة  الجاهزة دوماً لتسطير  الأحكام ، وفقاً للتوجيهات  العليا

يعترض رياض لكنني غير مثقف ( أنا  لم  أكتب _حتى رسالة _ قبل عام 1994 وإلى  الآن  أنا  أفضل  أن  أملي ) .. (  لكنك صرت مثقفاً  بالعدوى  فكل  من يحيط  بك  اليوم  من  المثقفين ،  من  جهتي أمنحك  هذه  الشهادة  بامتياز ) يضحك رياض ( هذا يضيف  إلى تهمي المتوقعة    تهمة جديدة ) ، وبالفعل  فـ رياض سيف اليوم ليس متهماً فقط مع غيره (  بخرق الدستور  والإساءة للوطن ووهن عزيمة  الأمة في زمن  الحرب ، بل وراء ذلك بخدمة القوى التي تريد إضعاف سوريا  وثنيها  عن  موقفها  الصلب تجاه  المشروع  الامبريالي  الصهيوني ) على حد تعبير صحف  السلطة وصحفييها .. بل مدان بقرار محكمة عليا ، بهذه  التهم ،  لكن  أحداً لا يحب  أن  يشير  إلى  موضوعات الفساد المختلفة التي تصدى لها بشجاعة .  لأن  المطلوب  اليوم  هو  إبعاد  رياض ومأمون وعارف  وغيرهم من المواطنين  عن  ساحة  المجلس   وساحة العمل السياسي ، وقمع وإسكات كل صوت منتقد أو معارض .

لقد أبت أسوار السجون في سوريا إلا أن تضم بين جنباتها رموز  الحرية  ورموز  الضمير : رجالاً  من  نوع رياض  الترك  ورياض  سيف ، ومأمون الحمصي . و بعد أيام ضمت أيضاً رموزاً أخرى من رموز المعرفة والحقيقة ، والرأي  الحر ، فسرقت عارف دليلة وحبيب عيسى وفواز تللو ووليد البني ،  وآخرين ،  وما تزال ماكينة قمع  الرأي ترمي  بالأحرار في السجون دون كلل أو ملل ..

وبعد ثلاث سنوات قضيتها في  السجن  الانفرادي بحكم صادر عن محكمة أمن  الدولة  العليا ، على أرضية مشاركتي في تنظيم منتدى الحوار الوطني ،  خرجت من  السجن  وزرت رياض في سجنه ، كان في حيويته  المعتادة  وابتسامته  التي لا تبارح وجهه ، ( قضيتي هي قضية كل مواطن سوري ) أنا  مستعد للبقاء في السجن إذا كان ذلك يخدم قضية  حرية وكرامة وحقوق هذا  الشعب ..

قلت له ممازحاً ( سوف نخرجك من  السجن ) ، قال ( سمعت كثيراً من  هذه  الوعود الكلامية ) ، قلت له أنا  لا أقصد  السلطة  ،  بل الشعب ،  الشعب سوف يخرجك من  السجن ، لن يبقى في سورية  الحبيبة مكاناً للدكتاتورية  والتعسف والظلم.

ثم  أعود لنفسي و أتساءل : متى نطوي  صفحة العنف من تاريخ سورية ، صفحة الاستيلاء على السلطة بالقوة ، والتمسك بها بزرع الخوف  والقمع  ، وتلفيق التهم  ... النظام الذي هو طريقة وآليات الحكم والحياة السياسية ، متى يطهر نفسه من العنف والاستبداد ..  فالنظام ليس  أشخاص  ، النظام يستمر  رغم  تبدل  الأشخاص ، ويفرض نفسه عليهم ، ويخضعهم لإكراهاته..... متى تتغير طريقة تعاملنا مع بعضنا ومع السلطة . فقد قضينا ثلاث سنوات في السجن ونحن نطالب  سلطات الأمن أن تحترم قانونها ،  أن تطبق علينا نظام  السجون ، وعبثاً كنا نطالب حتى جاء  أحدهم وقال أنا هو القانون ، أي باختصار إنه  (التعسف )  .  

وما  أخشاه  أن يكون  بعض  الذين وجهوا لنا  التهم أو أصدروا الأحكام ، يصدقون فعلاً ما   يدعون ،  وفي هذه الحال ، أرجو منهم أن يسألوا أنفسهم بعض الأسئلة : من أين تأتي شرعية  الحاكم ؟ ما هي أصول المحاكمات القضائية ( التي تسمى العدل ) ؟ كيف تكون الانتخابات نزيهة وحقيقية ؟ ما هي حقوق المواطن ؟ التي بدونها يفقد كرامته ويتحول لعبد ، ما هو دخلهم الحقيقي  وما هي مصادر هذا الدخل  ؟  ... فإذا استمعوا إلى أجوبة  ضمائرهم ،  نكون قد بدأنا فعلاً مسيرة  الإصلاح والمصالحة  الوطنية ، التي لا يمكن أن تبنى على تعسف القوي ، أو على إقصاء   الأخر ، أو على  العنف والبطش والظلم ،   بل فقط على سلطة الحق والقانون الذي يرتضيه الجميع ويتوافقوا عليه ، بحرية وشفافية واقتناع  .