ليس هناك ما يبرر:

أن يكون العنوان هو كل شيء في المقال

 

بقلم : طاهر ابراهيم

نشرت صحيفة "الاتحاد" الظبيانية في 29/12/2004 مقالا للكاتب السوري المعروف "خالص جلبي" تحت عنوان:"وجهان لعملة واحدة: الإخوان والبعث" أشار في بدايته إلى (إطلاق الإخوان السوريين بادرة جديدة لمصالحة وطنية مع البعث)، وهو يشير بذلك إلى المؤتمر الصحافي الذي عقدته جماعة الإخوان المسلمين السوريين في"لندن" في 16 كانون أول الماضي، وأعلنت فيه عن "المشروع السياسي لسورية المستقبل".

ومع أن هذه الجماعة كانت تدعو -من خلال أدبياتها وتصريحات مراقبها العام الأستاذ "علي صدر الدين البيانوني"- إلى تحقيق المصالحة الوطنية بين كل الفصائل على الساحة السورية، وحزب البعث واحدا منها، ولكنها لم تصرح أبدا بأنها تريدها مصالحة بينها وبين حزب البعث فقط، ولا حتى في مؤتمرها الذي عقدته في لندن كما ذكر الأستاذ الجلبي.

والذين يعرفون جماعة الإخوان المسلمين السوريين عن قرب، أو تابعوا أخبار الخصومة التي نشبت ،خلال ربع قرن، بينها وبين النظام السوري، لم يلحظ أي واحد منهم أن هذه الجماعة زعمت في أي وقت مضى ،رغم رصيدها الكبير الواضح والبين عند الشعب السوري كله، أنها تمثل هذا الشعب وحدها من دون باقي الأحزاب والفصائل على الساحة السورية.

 وإذا كان هذا هو قناعتها التي تصدر عنها، فلا يمكن أن تسعى هذه الجماعة لعقد مصالحة مع النظام السوري ،منفردة عن باقي الفصائل. أما المفاوضات التي كانت تجري بينها وبين النظام، في ثمانينيات القرن الماضي،فقد كانت الغاية منها إنهاء حالة الاحتقان التي كانت هي طرفا فيها ، وإطلاق سراح آلاف المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي من السجون، وترتيب عودة عشرات الآلاف من المنفيين القسريين. وما سعت أبدا لعقد صلح منفرد مع النظام.

ومع تأكيدنا لهذه الحقيقة الساطعة، فإننا لم نفرد هذا المقال لتوضيحها فقط، وإنما لتسليط الضوء على العنوان الموهم والمبهم الذي كتب "الجلبي" مقاله تحته، ليس هذا فحسب، بل إن ما جاء في المقال لا يفسر هذا الإبهام، وإن المقصود به هو الإيهام أكثر منه الإفهام. وما أورده الكاتب في المقال لم يستطع أن يجد رابطا بينه وبين ذلك العنوان.

لقد ادعى "الجلبي" أن (الإخوان والبعث وجهان لعملة واحدة)ولم يكلف قلمه عناء البحث عن أي رابط أو دليل أو إيضاح يبين كيف يكونان وجهين لعملة واحدة. أوما هي أوجه الشبه حتى يقول ما قال. كنا نتمنى، وهو الكاتب الذي تملأ مقالاته صفحات الصحف، أن يستعرض أوجه الشبه ،إن كان هناك شبه،ليدعي بعد ذلك أنهما وجهان لعملة واحدة من خلال المقارنة الكاملة وبالأدلة، لا من خلال الادعاء فقط.

كما كنا نتعشم فيه ،وهو الدكتور الطبيب النطاسي وصاحب كتاب "الطب في محراب الإيمان"، أن لا يرسل الوصفات الاتهامية جزافا من دون أن يأخذها من مصادرها العلمية، وإلا فقد ثقة من يستشيرونه من أجل أجسامهم بعد أن غشهم في وصفاته السياسية التي تنقصها الأدلة، وهو يدرك فحوى المقولة الشهيرة "إذا كنت ناقلا فالصحة أو مدعيا فالدليل".

واستطرادا فإن كاتبنا "الطبيب" يزعم أن (بادرة "ميثاق الشرف" حيث وقعته تيارات منوعة من المعارضة وهي تعرف أنه لا يساوي الحبر الذي كتب فيه)،( يشير إلى مؤتمر لندن في آب من عام 2002، الذي حضرته عدة فصائل سورية معارضة ووقعت ميثاق شرف وطني). والسؤال الذي يطرح نفسه على كاتبنا الطبيب:بأي معيار عاير ميثاق الشرف حتى وجده لا يساوي الحبر الذي كتب به؟ سيما وإن القارئ فطن ويعلم أن الطبيب يعاير في وصفاته "بوزن الملليغرام  فإذا كان طفلا أعطاه حبوبا من فئة 25 ملليغرام، أوكبيرا فمن فئة 100 ملليغرام.

لكن الأخطر من كل ما سبق أن نجد الدكتور "الجلبي" ينفخ في نار الفتنة، بدلا من النصح بأخذ "ترياق" المصالحة بين النظام السوري وبين المعارضة، والإخوان المسلمون فصيل منها. فهو لا يقيم وزنا للشرف في عالم العلاقة بين الأطراف المتخاصمة من أبناء الوطن الواحد فيقول: (فما يحكم السياسة ليس "الشرف" بل "توازن القوة" حتى يتبدل العالم خلقاً آخر).
(والبعثيون والإخوان المسلمون يعرفون هذا، ويستعدون ليوم الفصل، والمسألة مسألة وقت فمن ملك السلاح ملك الرقاب.). وكأن الدماء التي أريقت في ثمانينيات القرن الماضي لا تكفي حتى يتنبأ للسوريين بأن عليهم أن ينتظروا الصدام من جديد وأن المسألة مسألة وقت لا أكثر.

بقي أن نقول أن ثلاثة أرباع المقال كانت تجوالا في رحاب التاريخ. ولربما أراد أن يستشرف المستقبل من خلال استبطان هذا التاريخ. ثم هو لا يبين لنا ما هي العلاقة بين عنوان المقال وبين الأمثلة التي أوردها عن الألباني "محمد علي باشا" وعن شريف مكة من آل غالب في أوائل القرن التاسع عشر؟... وما صلة ذلك بصدام حسين وشاه إيران وحرب الخليج الأولى؟ وليس كل القراء فقيها في علم السياسة التي يزعم أنها لا يحكمها الشرف.

ثم يختم مقاله بشتم الإخوان المسلمين وحزب البعث،دون أن يبرهن لنا،كطبيب لا كمنجم، علاقة كل ذلك الخلط العجيب بعنوان المقال عن العملة الواحدة ووجهيها: الإخوان والبعث.

أخيرا: فإن عنوان المقال براق، ولكن بريقه كبريق السراب،لا يجد منه القارئ ،بعد طول جهد، حتى رنينا كرنين العملة.  
الطاهر إبراهيم    كاتب سوري يعيش في المنفى