المعارضة اللبنانية تبدي قلقها تجاه قانون الانتخاب

(تقسيم الدوائر حسب نفوذ القائمين على السلطة)

 

 

أعلنت الحكومة اللبنانية برئاسة السيد عمر كرامي أن على رأس مهماتها إصدار قانون جديد للانتخاب، وشككت أحزاب المعارضة منذ اليوم الأول بأن هذا القانون المتوقع سيكون لصالح الفئات الموالية للحكومة التي ستحاول من خلاله إضعاف المعارضة وإسقاط مرشحيها، ولعل هذا الخلاف بين الحكومة والمعارضة يدور حول مضمون هذا القانون أكثر من خلافاتهما السياسية الأخرى بما فيها الموقف من التواجد السوري والتدخل السوري في الشؤون اللبنانية، لأن المعارضة تعتقد أن سورية والحكومة اللبنانية ستصدر قانوناً انتخابياً على المقاس لا يتيح للمعارضة الانتصار.

هناك تقليد لبناني هو إصدار قانون الانتخاب بما يناسب الحكومة القائمة (وهو تقليد معمول به منذ استقلال لبنان)، ويمكن من خلال هذا القانون غالباً معرفة من سينجح نائباً ومن سيفشل قبل بدء الانتخابات، ويتم التلاعب عادة بتقسيم الدوائر الانتخابية، هذا التقسيم الذي قد يطال أنصار حزب معين ويقسم ناخبيه بين دائرتين أو أكثر فيفشل مرشحه في الحصول على الأصوات التي يستحقها.

تتراوح المقترحات حول القانون الجديد المزمع إصداره في الشهر المقبل بين أن يكون لبنان كله دائرة انتخابية واحدة، (وهذا ما يفضله الشيعة باعتبارهم أكبر الطوائف مما يتيح لهم إنجاح غالبية النواب من حلفائهم سواء كانوا مسيحيين أو مسلمين) أو أن تكون المحافظة هي الدائرة الأساسية (وهذا ما يطالب به السنة) والاقتراح الثالث أن يكون (القضاء وهو جزء من المحافظة) أساس التقسيم (وهو ما يرغب فيه المسيحيون لأنه يتيح لهم اختيار نوابهم دون التأثر بأصوات الطوائف الأخرى كما يتمناه السيد وليد جنبلاط الزعيم الدرزي)، وأخيراً هناك اقتراح أخير بان تكون الدائرة مختلطة بين المحافظة والقضاء، ولكل من هذه الاقتراحات مناصريها والمستفيدين منها أو المتضررين.

مع أن عدد نواب كل طائفة محدد في المجلس النيابي اللبناني الذي يُشكل على أساس المحاصصة بين الديانات، نصفه من المسلمين والنصف الآخر من المسيحيين، وداخل كل نصف توزيعات على الطوائف فالحصة المسيحية مقسمة بين الموارنة والأرثوذوكس والكاثوليك والأرمن والحصة الإسلامية موزعة على السنة والشيعة والعلويين، إلا أن المشكلة ليست في هذا العدد الثابت لكل طائفة وإنما تقع في أن الأقلية الطائفية في دائرة ما يمكن أن يتم اختيار نائبها من الأكثرية من طائفة أخرى في نفس الدائرة  في ضوء تقسيم الدوائر وهنا يقع التلاعب بالنتائج.

يرى بعض المراقبين أنه يمكن جعل محافظة جبل لبنان (وهي أساساً من الدروز والموارنة) دائرة واحدة، ولأن الدروز أكثرية فيها فيكون السيد وليد جنبلاط الزعيم الدرزي له الدور الأساس في اختيار النواب الموارنة المرشحين في هذه الدائرة، وإن كان القضاء دائرة انتخابية فإن نائب منطقة جبيل (الشيعي) مثلاً يصبح نائباً بأصوات الموارنة وهم أكثرية فيها وبالتالي يتحكم حزب الأكثرية في هذه الدائرة بتحديد النائب الفائز وهكذا.

وفي حال اعتبر لبنان كله دائرة واحدة (ومعظم سكانه  من المسلمين السنة والشيعة) فإنهم سوف يحددون من سيكون نائباً من الموارنة أو من المسيحيين الآخرين لأن لهم أكثرية الأصوات على نطاق لبنان كله. وعلى ذلك فتقسيم الدوائر الانتخابية يمكنه أن يراعي نفوذ الزعماء التقليديين والأحزاب والتجمعات ويتحكم بتحديد النائب الفائز، وهذا ما تخشاه أحزاب المعارضة وخاصة الأحزاب والتجمعات المسيحية منها.

لو قسمت بيروت مثلاً إلى دائرتين غربية (أكثريتها من المسلمين) وشرقية (أكثريتها من المسيحيين) فإن كلاً من الطائفتين هي التي تختار بأصواتها نوابها، بينما لو تركت المدينة دائرة واحدة فسيكون لسكان بيروت الغربية دوراً حاسمأً في اختيار النواب الفائزين، وهذا ما حصل في الانتخابات الماضية عام (2000) إذ استطاع الرئيس الحريري (وهو سني) أن يختار النواب المسيحيين من حلفائه بمن فيهم الأرمن.

وهناك أمر آخر له أهمية وهو عمر من يحق له الانتخاب، فحتى الآن لا يحق ممارسة حق الانتخاب إلا لمن بلغ الواحدة والعشرين عاماً، بينما إذا سمح لمن بلغ الثامنة عشرة بالانتخاب فإن معظم الناخبين الجدد سيصوتون للأحزاب التقدمية والليبرالية وليس للزعماء التقليديين والأحزاب التقليدية.

تتصارع المعارضة (التي شكلت الآن تحالفاً بين جميع أحزابها من اليسار إلى اليمين ومن كل الطوائف) والحكومة (القريبة من سورية والمتحالفة معها) حول مضمون قانون الانتخاب، ولعل صراعها الرئيس يدور حول هذا الأمر مع عدم إهمال الموقف طبعاً من الوجود السوري والتدخل السوري في الشؤون اللبنانية، ولعل أكثر ما يخيف المسيحيين في لبنان الآن هو صدور قانون انتخاب يؤهل بعض الطوائف لاختيار نواب طائفة أخرى، إنها لعبة لبنانية تقليدية تفصّل فيها الدوائر حسب نفوذ القائمين على السلطة.

باسل العودات ـ وكالة الأنباء الإيطالية (آكي)

* * *