أسس الحداثة ومعوّقاتها في العالم العربي المعاصر(2)(3)

الدكتور عبدالله تركماني

3 – معوّقات الحداثة في العالم العربي المعاصر

باتت مؤشرات المأزق العربي جلية وواضحة اليوم، فوفقا لتقرير " برنامج الأمم المتحدة للتنمية المستدامة " للعام 2002، فإنّ العالم العربي مشلول بسبب عجز ثلاثي : عجز عن تحقيق الحرية، وعجز في المعرفة، وعجز في تمكين المرأة . أما النتائج على صعيد المجتمعات العربية فمخيفة :

- إنّ إجمالي الناتج القومي للعالم العربي هو أقل من إجمالي الناتج القومي في أسبانيا .

- حوالي 40 % من الراشدين العرب هم أميون ( أي 65 مليون نسمة ) وثلثاهم من النساء .

- 50 مليون شاب وشابة سيدخلون سوق العمل مع حلول العام 2010، أي ثمة 6 ملايين وظيفة يجب أن تتوافر كل عام لاستيعاب هؤلاء الوافدين الجدد إلى سوق العمل .

- يعيش ثلث السكان العرب عند حدود خط الفقر ( أقل من 2 دولار لليوم الواحد ) . ويجب بالتالي أن يتضاعف النمو الاقتصادي في المنطقة من أجل تحسين الأوضاع المعيشية ومستوياتها .

- 51 % من الشباب العربي يسعون للهجرة إلى بلدان أخرى، وأكثر من 15 ألف طبيب هاجروا إلى الخارج بين العامين 1998 و  2000 .

والمشهد السياسي في العالم العربي ليس أفضل مما سبق : أنظمة الحزب الواحد، أنظمة انتخابية ملتبسة وغير عادلة تؤدي إلى نتائج غالبا ما تصل إلى 99 %، سيطرة الأجهزة الأمنية وتدخلها في الشؤون الحياتية اليومية وفي الحياة المدنية، جهل بأحكام القانون، قضاء غير مستقل تتحكم فيه السلطة التنفيذية لأغراض فئوية، غياب حرية التعبير والتجمع السلمي، التعدي على الإعلام المرئي والمكتوب والمسموع، انعدام الشفافية في الإدارة والاقتصاد .

وهكذا، يبدو واضحا أنّ العالم العربي يعيش حالة من التأخر الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والثقافي، وتختلف الآراء حول أسباب هذا التأخر : فهل العرب مسؤولون عنه أم أنّ أعداءهم في إسرائيل والغرب يتحملون مسؤوليته ؟ . ومن البديهي أنّ هذا السؤال الأساسي قد تعقد وتشعب مع دخول ديناميكية التحديث منعرجا حاسما في العقد الأخير من القرن المنصرم، بانبثاق ظاهرة العولمة الاقتصادية وانعكاساتها الثقافية والمجتمعية وتأثيراتها على الرهان السياسي وطبيعة المنظومة السلطوية وشكل الدولة .

 ومن جهتنا فإننا – بداية - نعتقد أنّ الأسباب متداخلة بين الخارج والداخل، إلا أنّ استبداد الحكومات العربية وهيمنة الجانب السلفي من تراثنا على الفكر العربي كانا من العوامل الأهم في هذا التأخر . ويبقى السؤال : لماذا حصلت كل تلك الهوة السحيقة التي تفصل العالم العربي عن معطيات العالم المعاصر والتي لا نستطيع ردمها أو تقليصها في المدى المنظور ؟ هذا هو السؤال الجوهري الذي ينبغي أن يطرح الآن .

وفي الواقع، فإنّ إخفاق المشاريع التحديثية العربية واستمرار التأخر يعود إلى جملة معوّقات تاريخية واقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية .

3 – 1 : المعوّقات التاريخية

تكونت بنية العالم العربي المعاصر خلال ثلاث مراحل : المرحلة العثمانية، ومرحلة الاستعمار الغربي، ومرحلة العهد الاستقلالي . ففي المرحلة العثمانية ازداد تفكك المجتمع العربي إلى إمارات ومشيخات وإقطاعيات، خاصة منذ أواخر القرن الثامن عشر . حيث جاءت التشكيلات الاقتصادية – الاجتماعية نتيجة نظم الامتيازات التي فرضت على الإمبراطورية العثمانية، وهي تشكيلات مختلطة، تلاقى فيها الإقطاع العسكري والملاكون العقاريون وكبار التجار وشيوخ القبائل بالرأسمالية الأوروبية الحديثة . وقد تعايشت هذه الأنماط كلها في ظل الإمبراطورية، وخاصة في القرن التاسع عشر. وكانت هنالك عائلات من كبار الملاك، وعائلات تجارية، وخاصة في المدن التجارية وفي الموانئ المعروفة . وكان هنالك أمراء وشيوخ قبائل ووجهاء، وخاصة في الأرياف والبوادي .

وفي المرحلة الكولونيالية، فرض الاحتلال نظمه بالقوة العسكرية، وأخضع اقتصاد الأقطار العربية لشبكة علاقاته . ولكنّ القوى الاستعمارية احتفظت بمخلفات المرحلة السابقة، فظل نظام الملل، وظلت الأسر الحاكمة السابقة، وظل النظام شبه الإقطاعي . إلا أنّ العهد الإمبريالي أدى إلى زيادة دور الفئة التجارية الوسيطة والمصرفية من البورجوازية، بسبب اتساع نطاق الاستيراد والتصدير، واتساع العمليات المصرفية . كما أنّ البورجوازية الصغيرة المدنية انتعشت واتسعت، نتيجة نشوء المدن الجديدة واتساعها .

وجاءت مرحلة الاستقلال الوطني للأقطار العربية نتيجة للتطورات الدولية بعد الحرب العالمية الثانية، إضافة إلى تنامي فعالية الوعي والكفاح الوطنيين . وأدى ذلك إلى تسريع الانتقال من صيغة الانتداب إلى منح الاستقلال الوطني بتدرج . الأمر الذي أدى إلى نشوء شكل من أشكال الاستقلال الوطني، المرتبط بمعاهدات واتفاقيات ثنائية، ترتكز على المساواة الشكلية والشراكة الاسمية المتبادلة، ولكنه حمل مضامين إيجابية تمثلت في تبلور وتشكل الهوية الوطنية/القطرية .

وخلال هذه المرحلة ساعدت التطورات الدولية وتصاعد حركات التحرر الوطني على تعزيز مكانة السلطات الوطنية، واغتنائها بمحتوى جديد يمكن تلمسه من خلال مؤشرين : الاستقلالية – النسبية - في اتخاذ القرار السياسي، وزيادة تدخل الدولة في الحياة الاقتصادية . وقد تعمقت هذه الاتجاهات بعد وصول قوى راديكالية إلى السلطة من خلال الانقلابات العسكرية . وفي هذا العهد سقطت أسر تقليدية حاكمة، وبقيت أسر تقليدية أخرى حاكمة في الأقطار العربية الأخرى . كما قامت أنظمة جديدة قادتها شرائح من البورجوازية الصغيرة، حقق بعضها إصلاحا زراعيا وتأميمات واسعة، واحتفظ بعضها الآخر باقتصاد حر .

لقد بدأ العرب مشروع نهضتهم الفكرية والسياسية مبكرا نسبيا قبل الأتراك والإيرانيين والصينيين، وفي الوقت نفسه الذي انطلقت فيه النهضة اليابانية، حين أدركوا المغزى العميق لحملة بونابارت على مصر في العام 1798 واحتلال الجزائر في العام 1830 : نهاية مدنية وبداية أخرى . ولم يتأخروا في الرد على تحدي ذلك التحول الجديد الذي أحدثه قيام المدنية الأوروبية الحديثة، فجاء الرد استجابة . نعم، قاوموا الغزوة الكولونيالية بإباء، لكنهم تنبهوا إلى ما في أوروبا من مصادر قوة : العلم والصناعة والتنظيم العقلاني للإدارة والدولة والقوة العسكرية الحديثة... الخ، واجتهدوا في الأخذ بأسبابها وفي تأصيلها .

بدأ محمد علي باشا، منذ الربع الأول من القرن التاسع عشر، تجربته في الإصلاحات متأثرا بفرنسا . كان ذلك قبل أن تبدأ الدولة العثمانية تجربة " التنظيمات " بعقود . وكان لهذا المشروع النهضوي وجه فكري رافق المشروع السياسي وأسس له شرعيته، وهو كناية عن التراث الفكري الإصلاحي الإسلامي والتراث التنويري الحداثي في القرن التاسع عشر: التراث الذي دارت موضوعاته حول الترقي والتمدن والإصلاح والحرية، وساهم في صوغ نصوصه الكبرى مفكرون كثر من التيارين الإسلامي والليبرالي ( الطهطاوي، خير الدين التونسي، محمد عبده، عبد الرحمن الكواكبي، عبدالله النديم، أحمد فارس الشدياق، أديب إسحاق، فرح أنطون.. ) وليس من شك في أنّ وجود مشروع سياسي نهضوي حينها وفر شرطا تاريخيا لنمو هذا التراث الفكري النهضوي .

وتعرض المشروع النهضوي العربي لانتكاسة كبيرة بدءا من العقد الثاني من القرن العشرين، وتوقفت اندفاعته أو كادت لأسباب سياسية وفكرية مختلفة، يمكن رصدها كما يلي :

(1)              - فشل الثورة العربية الكبرى وتجربتها، واصطدامها بزيف الوعود البريطانية بدعم قيام الدولة العربية في حال تحالفت الحركة العربية مع بريطانيا في الحرب ضد الدولة العثمانية . وبدل أن تقوم الدولة العربية سقطت الأقاليم العربية في المشرق العربي ـ الواحدة تلو الأخرى ـ في قبضة الاحتلال الاستعماري : البريطاني والفرنسي . قبلها كانت أقطار عربية كبيرة قد سقطت تحت سيطرة الاحتلال الأجنبي : مصر وتونس في مطلع ثمانينيات القرن التاسع عشر، وليبيا في عام 1911، والمغرب في عام 1912 .

(2)              - ما أعقب سقوط المنطقة في قبضة الاحتلال الأجنبي من عملية تمزيق كياني لأوصالها الجغرافية والبشرية على نحو قاد إلى تجزئتها وإلى استيلاد دويلات قطرية قوامها تكوينات عصبوية، طائفية ومذهبية وعشائرية، إضافة إلى " وعد بلفور " الذي مهد الطريق أمام قيام دولة اليهود في فلسطين . وهكذا انتقلت المنطقة من طوبى النهضة والتقدم، التي بدأتها في القرن التاسع عشر، إلى حيث تعيش مسألة كيانية أسوأ حتى من تلك التي عاشتها مع سياسة التتريك حين انفلتت النزعة الطورانية من عقالها .

(3)              - تراجع الفكر الاجتهادي الإصلاحي، منذ مطلع القرن العشرين، بعد غياب محمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي وانقلاب محمد رشيد رضا على الإصلاحية الإسلامية، في عشرينيات القرن الماضي، مع بداية تنظيره لدولة الخلافة على حساب الدولة الوطنية . ولقد طال هذا التراجع الفكر الليبرالي ذاته أمام هجوم الفكر المحافظ، ومحاكمة كتاب طه حسيــن " في الشعر الجاهلي " وكتاب " الإسلام وأصول الحكم " لعلي عبد الرازق، وصعود الخطاب الفكري الأخواني وتشديده على مسائل الخصوصية الإسلامية .

وبالرغم من كل ذلك، فقد أدى الاحتكاك بالغرب إلى بلورة المفاهيم الحديثة عند العرب، إذ حملت الحضارة الغربية إلى الواقع العربي معانٍ جديدة شبيهة، إلى حد ما، بمعانيها في الغرب، ومختلفة عن معانيها العربية التقليدية في القرون الوسطى . فلا شك أنّ الاتصال بالغرب قد أتاح للعرب التعرف على وسائل الحياة النيابية ( الدساتير والبرلمانات )، كما أنهم نقلوا الفكرة الحزبية إلى واقعهم السياسي والاجتماعي، فقامت الأحزاب القومية والماركسية والإسلامية والليبرالية، مما فتح المجال أمام إمكانية تحديث المجتمع العربي .

وما دمنا نتحدث عن المعوّقات التاريخية في إطار ندوة تدور حول " القضية الفلسطينية في مائة عام "، وفي إطار محور " معوّقات الحداثة العربية والقضية الفلسطينية "، وفي فضــاء " مؤسسة الشجرة للذاكرة الفلسطينية "، فإنّ الصراع العربي - الإسرائيلي شكل أحد أهم العوائق للتنمية والتطور في العالم العربي . ولكن الموضوعية الفكرية والسياسية تملي علينا ألا نقبل بمنطق الكثيرين من المسؤولين العرب الذين يحاولون تبرير أسباب العجز العربي بالصراع العربي - الإسرائيلي حصرا . فمنذ اليوم الأول للنكبة، أصبحت مواجهة إسرائيل هي قضية العرب الأولى، وقد كتب المؤرخ الراحل قسطنطين زريق حول النكبة كتابه المعروف " معنى النكبة "، وكان هذا الكتاب بداية ما نسميه النقد الذاتي العربي . وقد تبنى، انسجاما مع قناعاته، وجهة نظر ليبرالية، حين تحدث عن غياب الديمقراطية عن المجتمع العربي، وغياب النظرة العلمية، والافتقار إلى التكنولوجيا، وغربة الجماهير عن اتخاذ القـرار .

وبعد هزيمة يونيو/حزيران 1967 عاد الدكتور قسطنطين زريق فكتب " معنى النكبة مجددا "، فأعاد إنتاج خطابه القديم عن أسباب نكبة العام 1948، مضيفا إليها الأسباب التي تتعلق بما حدث للمجتمع العربي، سياسيا واقتصاديا وثقافيا وعسكريا في الحقبة من 1948 ـ 1967 . كما برزت كتابات عن  النقد الذاتي للهزيمة، كان من أبرزها " النقد الذاتي بعد الهزيمة " للدكتور صادق جلال العظم، حيث تناول مشكلات التنشئة الاجتماعية والسياسية للمواطن العربي، وفشل هذه العملية في بناء مواطن عربي قادر على المساهمة الفعالة في مواجهة المشروع الصهيوني .

وليس من شك في أنّ النضال العربي من أجل القضية الفلسطينية كان عاملا هاما في تقرير ملامح الفكر السياسي العربي المعاصر، إذ أنّ الصراع العربي ـ الإسرائيلي طبع العالم العربي بخواص معينة، فهو الذي دفع القوات المسلحة إلى الاستيلاء على السلطة في العديد من الأقطار العربية، بمعنى أنّ التحدي الإسرائيلي لعب دورا مركزيا في " عسكرة " بعض الأقطار العربية، وإكساب الأيديولوجيا القومية والفكر السياسي العربي صفات هـــذه " العسكرة "، مما ترك آثارا سلبية على مجمل العمل العربي المعاصر.

لقد شكلت القضية الفلسطينية أحد أهم قضايا العمل العربي المعاصر، وكان لذلك انعكاسات إيجابية وسلبية في آن واحد . فإذا كان الصراع العربي - الإسرائيلي عامل توحيد للعرب في مواجهة التحدي الإسرائيلي، فإنه جلب أيضا مضاعفات سلبية كان من أهمها الانجراف نحـو " التسييس الانفعالي " قبل سن الرشد السياسي، الذي تبلغه المجتمعات عندما تجتاز الحد الأدنى من بنائها الوطني/المدني، الذي يقوم على اندماج شعوبها في بنية مدنية متحضرة تتجاوز البنى التقليدية ما قبل الوطنية .

وهكذا، جرت عملية " عسكرة " العديد من الأقطار العربية و" أدلجتها " عن طريق الحركات الشمولية الكليانية ذات النهج شبه الفاشي، وتم قطع التراكم التحضري والتعليمي المتفتح الذي شهدته هذه الأقطار في المرحلة الأولى من نيلها الاستقلال الوطني . وتحت شعار" لا صوت يعلو فوق صوت المعركة " تم القفز عن أوجه القصور الذاتي العربي في المستويات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية، وأصبحت الأولوية المطلقة للتعبئة العسكرية . مما عكس قصور وعي النخب الحاكمة، التي عزلت القوة العسكرية عن عناصر القوة الأخرى . وبذلك تحولت المعركة من معركة ضد التأخر العربي الشامل إلى وجه من وجوهه، ألا وهو تمكّن الحركة الصهيونية من إقامة كيانها العنصري في فلسطين، والتوسع على حساب الأرض العربية، بل إنكار حق الشعب العربي الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته الفلسطينية المستقلة على 22 % من أراضي فلسطين التاريخية .

كما يمكن أن نشير إلى أهم الخصوصيات التي تميّز المنطقة العربية عن مناطق وأوضاع أخرى في العالم، منها : خلقت الثروة النفطية حالة من الانقسام، الأفقي والعمودي، على مستوى المنطقة العربية كلها وداخل كل قطر أيضا . حيث لعبت دورا خطيرا جدا في إعادة تشكيل البنية الاقتصادية - الاجتماعية والسياسية لبلدان المنطقة، وخلقت تشويهات عميقة في النظرة والسلوك والعلاقات والأفكار والمواقف . 

ومن المؤكد أنّ العامل المفتاحي هو الوضع العربي ذاته، فمن البؤس توجيه اللوم إلى العوامل الخارجية فيما أصابنا من ضعف وعجز ومهانة، بحيث نبدو عاجزين عن أي شيء غير الإدلاء بتصريحات الاستنكار التي لا أمل في أن تؤدي إلى أي تغيير في الوضع المأزقي الحالي .

وفي هذا السياق، نشير إلى أنّ السلام العربي – الإسرائيلي الذي أعلناه هدفا استرتيجيا لنا ويقترحه المجتمع الدولي علينا، لا يقتصر على وقف الحروب على الحدود بين الكيانات السياسية، بل هو مسار معقد من التبدلات الجوهرية في السياسات العامة، ويحفر عميقا في بنيات الأنظمة، ويقوم على تحويلها باتجاه مقتضياته، من الأيديولوجيات إلى المؤسسات السياسية وأشكال التعامل الاقتصادي المتنوعة، ومن المس بهياكل الأمن وأجهزته ووظائفه، إلى تنظيم الثروات الطبيعية واستغلالها . وهذا نسيج يفترض أنه لا يصدر عن قرارات الحكومات، بمعزل عن المجتمعات التي تسوسها . بل هو يتوطد من خلال معطيات ملموسة يجري بناؤها لتأمين الثقة، وتوفير الضمانات الآيلة إلى تثبيت الاستقرار، ولا تقوم بأود هذا السلم إلا مجتمعات منفتحة على المشاركة السياسية الواسعة .

3 – 2 : المعوّقات الاقتصادية

 تأخر تشكل الرأسمالية العربية التي تعمد إلى تجاوز أنماط الإنتاج ما قبل الرأسمالية، بل أنها بقيت من النوع التابع الذي تقع شروط إعادة إنتاجه خارج إطاره . ومنذ أواسط سبعينات القرن الماضي أفرزت فترة الازدهار النفطي اختلالا واضحا في التركيب الهيكلي للاقتصاديات العربية، وفي هيكل الطلب الاجتماعي . وكانت حصيلة هذه التغيّرات الهيكلية تحول بعض الاقتصاديات العربية من " اقتصاديات إنتاجية " إلى " اقتصاديات ريعية "، واستمرار بقاء القطاع النفطي قطاعا علويا، يكتفي بتحريك النشاط الاقتصادي من خلال الإنفاق القومي بدلا من التشابك العضوي معه .

وأدى ذلك إلى تراكم العديد من المؤشرات الخطيرة في تطور الاقتصاديات العربية من أهمها :

1 - التدهور النسبي في القطاع الزراعي والارتفاع الكبير في نصيب الصناعات الاستخراجية وقطاع الخدمات .

2 - تخلخل التوازن بين القطاعات والفئات الاجتماعية، وتوسع الفجوة بين الأرياف والمدن .

3 - انخفاض موقع الصناعة التحويلية في هيكل الإنتاج القومي .

4 - تركيز الاهتمام بالتنمية المادية وإغفال أهمية التنمية البشرية .

5 - مهد النفط لمفهوم الدولة الريعية، حيث تمكنت الحكومات من أن " ترشو " قطاعات من المجتمع، بهدف توسيع قاعدة حكمها وسلطتها .

وما أن بلغنا منتصف الثمانينات، إن لم يكن قبل ذلك، حتى تبين أنّ معظم الآمال التي بنيت في أوائل السبعينات، على ثروة النفط وانتقال العمالة والمشروعات العربية المشتركة، كانت قصورا مبنية على الرمال . ولم تكن خيبة الأمل هذه ناتجة عن مجرد أنّ الزيادة في إيرادات النفط قد أصابها الانتكاس في منتصف الثمانينات نتيجة الانخفاض الكبير في أسعاره، بل ما تبين، مع مرور الوقت، من أنّ زيادة الإيرادات شيء، وزيادة القدرة على استخدام هذه الإيرادات والثروات في تحقيق التنمية العربية على أساس التكامل والشمول ووحدة الخطط والبرامج شيء مختلف تماما .

وهكذا، أسفرت أغلب التجارب التنموية العربية عن نتائج تناقض أهداف التنمية الحقيقية : مزيد من التبعية للخارج، ومزيد من التفاوت في الدخول والثروة بين الناس، وارتفاع في أسعار المواد الأساسية والخدمات ومعدلات التضخم ومعدلات البطالة، وتراجع في الأداء الاقتصادي العام، ومشكلات في الصناعة الحديثة وأسلوب نقل التكنولوجيا، وضعف الاستثمار والادخار، وعدم قدرة الإنتاج الزراعي على سد الفجوة الغذائية، ومحدودية التفاعل والتكامل الاقتصادي بين الأقطار العربية، واستمرار نزوح الأموال العربية إلى الخارج .

لقد صحت الأقطار العربية، في أواخر الثمانينات، لتجد نفسها أمام عالم جديد، لم تهئ نفسها لمتطلباته وتحدياته، سواء بشكل جماعي أو انفرادي . فقد أصبح النظام الاقتصادي العالمي هو الأداة التي تستخدمها الدول الكبرى للهيمنة في المجالات السياسية والاقتصادية، بعد أن استطاعت الرأسمالية تطوير وسائل عملها .

 

أسس الحداثة ومعوّقاتها في العالم العربي المعاصر(3)

الدكتور عبدالله تركماني

3 – 3 : المعوّقات الاجتماعية

شهد العالم العربي المعاصر تَشكَّلَ مجتمعين متباينين : أولهما، هامشي أو مهمش يتكون من غالبية الأرياف والبوادي وبعض المدن أو أقسام من المدن . وثانيهما، جديد/سياسي، مجتمع مدن، مهن وحرف جديدة أو متغيرة، طلاب وتعليم حديث، سياسة وأحزاب . فمعظم المواقع والعلاقات الاجتماعية في حالة تَشَكُّلٍ وتداخل وتبادل بين القديم والجديد، بين العلاقات ما قبل الرأسمالية، حيث أشكال الترابط والتضامن على أسس قبلية وطائفية وعشائرية وخدمية، وبين الأوضاع والعلاقات الجديدة التي تتشكل بفعل علاقات الإنتاج الرأسمالية الحديثة وأنماط التقسيم الدولي للعمل .

إنّ ترييف المدينة وبدونتها، على حد تعبير الدكتور محمد جابر الأنصاري، هو الإشكالية المطروحة على الفكر العربي السياسي، فقد جلبت التحولات الاجتماعية ما بعد عهود الاستقلال الأولى إلى الحواضر العربية إما أبناء الريف العربي أو أبناء البادية، وهؤلاء لم يقفزوا على السلطة بالطريقة التقليدية، التي نوه إليها ابن خلدون بالعصبية القبلية، ولكنهم حازوها من خلال المؤسسات " الحديثة " المنظمة كالجيش والأحزاب " الحديثة " التي جمعتهم لأسباب اقتصادية وأيديولوجية وعصبوية أيضا، فأصبح العمل السياسي العربي- إلا فيما ندر- في أيدي هذه الفئات بعد أن تخلصت، تحت شعارات شتى، من الأرومة المدنية العربية في الحاضرة، التي قادت العمل السياسي والصناعي والتجاري برهة من الزمن بعيد الاستقلال ... فأصبحت قيم وممارسات العمل السياسي في المدينة العربية قيما وممارسات ريفية، مما اصطلح على تسميته بـ " ترييف المدينة " .

أما القوى التي لعبت أدوارا في الدولة العربية فهي عديدة، ولكنها متفاوتة التأثير ويمكن تصنيفها كما يلي :

(1) - العائلات الحاكمة، سواء كانت عائلات تقليدية، حكمت نتيجة توارث السلطة، أو عائلات حاكمة جديدة، جاءت نتيجة الانتخابات أو الانقلابات، فإنّ هذه العائلات لا تمسك بزمام السلطة فقط، بل بزمام الحياة الاقتصادية أيضا . وهي ذات مصلحة بالمحافظة على السلطة في القطر الذي تحكمه، لأنّ وجودها في السلطة مصدر قوتها وسلطتها .

(2) – البورجوازية – العقارية – التجارية - المالية، وهي خليط من أبناء وأحفاد العائلات الإقطاعية وكبار التجار والملاكين العقاريين في العهد العثماني، ومن العائلات العقارية - التجارية التي نمت وترعرعت في عهود الاستعمار الغربي، ومن البورجوازيين المتوسطين الذين أثْروا في عهود الاستقلال .

  (3) - الشرائح العليا من البورجوازية الصغيرة المستفيدة من العائلات الحاكمة والبورجوازية العقارية – التجارية - المالية، والتي تحتل مواقع مهمة في الدولة والجيش والشركات .

ثم أنّ المجتمع العربي يتسم بالثبات، من خلال قيمه ومعاييره الموروثة . فمن الاتجاهات الموجودة في نظام القيم العربية التي تعوّق إمكانية التنشئة المواطنية الصحيحة يمكن أن نذكـر : النزوع نحو التشديد على العضوية في العائلة وليس على الاستقلال الفردي، والنزوع نحو الاتكالية والطاعة وليس الاعتماد على الذات، والتمسك بالعقاب كوسيلة للتربية أكثر من الإقناع، والنزوع نحو الأنانية، وسيطرة الرجل على المرأة حتى إخضاعها .

ولعلنا لا نحتاج إلى عناء كبير لنلمس هذا النزوع نحو الخضوع والطاعة والاتكالية من جهة، وحب السيطرة والأنانية من جهة أخرى . ويرى بعض الباحثين أنّ هذه القيم لا تتحكم فقط بالعلاقات الأسرية بل أيضا بالعلاقات السياسية .

وهكذا، فمن أخطر ما أصاب التركيبة الاجتماعية العربية، في عصور التدهور، اختلال التوازن داخلها، بين الرجال والنساء، وتشابه على مجتمعاتنا الغاية والوسيلة . فمالت كل الميل إلى التمسك بالوسيلة، وغاب عنها أنّ الغاية هي المقصودة، وعليها المدار . فنسيت مجتمعاتنا أنّ الوسائل إنما هي مطية لبلوغ الغاية، تتبدل بتبدل الأوضاع، وتتغير بتغيّر الأحوال، وتتطور بتقلب الأزمان . هذا الخلط بين الوسيلة والغاية هو الذي جمد الدفق الحضاري في مجتمعاتنا، وأفقد العقل سلطانه في الكثير من الأمور الجوهرية . فتعطلت قاطرات الفعل الحضاري، وانسدت ينابيع الفكر الثقافي، حتى شمل الشلل أغلب مراتب التصرف، في مستوى الحكم، وفي صعيد الاقتصاد، وسائر شؤون المجتمع .

3 – 4 : المعوّقات الثقافية

يبدو أن تفسير التأخر الحضاري العربي عن طريق المشروطيات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لا يكفي . فالعقليات وإن كانت مشروطة بالتحولات الاقتصادية والاجتماعية، فإنّ لها استقلاليتها الذاتية إلى حد ما . فأحيانا يتغير الواقع المادي دون أن تتغير العقليات، إذ تدخل التكنولوجيا والحداثة المادية والتجهيزات والآلات إلى مجتمع ما وتظل العقليات فيه متأخرة أو تقليدية .

إنّ الخطاب الثقافي، في ظل ما تشهده المجتمعات المعاصرة من تحديات وتحوّلات، هو خطاب الأزمة : فمن جهة، هناك الانهيارات السياسية والأيديولوجية التي أصابت العديد من الأفكار والنظم والمشاريع . ومن جهة ثانية، هناك الطفرات المعرفية التي شهدتها الفلسفة وعلوم الإنسان، والتي أسفرت عن انبثاق قراءات جديدة للحداثة وشعاراتها حول العقل والحرية والتقدم . ومن جهة ثالثة، هناك الثورات العلمية والتقنية والمعلوماتية التي ندخل معها في طور حضاري جديد . ولعل أحد أهم ملامح أزمة الخطاب الثقافي المعاصر تكمن في محاولة التعرف على عناصر ومكوّنات ثقافة العولمة وأدواتها الوظيفية، وكذلك ما تنطوي عليه من قضايا : الثقافة الوطنية، والهوية الحضارية، والخصوصية القومية .

ولاشك أنّ أزمة الثقافة العربية المعاصرة هي جزء لا يتجزأ من أزمة الدولة العربية من جهة . وهي، من جهة ثانية، أزمة بنية ثقافية عربية تندرج في إطار بنية اقتصادية - اجتماعية متوارثة منذ عقود طويلة من الركود والتأخر والتبعية . مما يسمح لنا بأن نطرح السؤال المقلق الذي أثاره الأمير شكيب أرسلان في مطلع القرن العشرين : لماذا تراجع العرب وتقدم غيرهم ؟ . وتفسير عبدالله العروي لأزمة الثقافة العربية المعاصرة بأنها اختلال العلاقة بين الوعي والفعل، بين الوعي المنقوص والفعل العاجز، بين التوفيقية الملتبسة وافتقاد القدرة على الحسم ؟! .

وقد أدى كل ذلك إلى تصاعد نزعات التعصب والتطرف، وتزايد عمليات الإرهاب التي تتمسح بالدين الحنيف، وارتفاع درجة العنف الذي صاحب الدعوة إلى الدولة الدينية، أو صاحب الاتجاهات التقليدية الجامدة التي تصف التحديث ببدعة الضلالة المفضية إلى النار . هكذا، رأينا الاعتداء على المواطنين الأبرياء، ورموز السلطة المدنية، وتهديد المثقفين المستنيرين بكل وسيلة ممكنة . وأضيف إلى ذلك تحوّل هذا الإرهاب من إرهاب محلي إلى إرهاب دولي، وذلك في سياق متصاعد وصل إلى ذروته في جريمة الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001 في نيويورك وواشنطن، وهي الجريمة التي فرضت أوضاعا جديدة تمامـا، جعلت العالم كله يرى أبشع وجه للإرهاب .

 ومن المؤكد أنّ أصحاب نزعة التعصب والعنف لم يدركوا التراث العربي - الإسلامي في كماله وصراعاته واختلافاته وتعدده في تنوعه، ولم يدركوا لماذا كان هناك المعتزلة والأشاعرة، ولكنهم أخذوه كما هو في مظهره السطحي وتضاريسه الخارجية . بسبب غلبة  الوعي الأصولي النقلي على تفكيرهم، وذلك على نحو يغدو معه سؤال المستقبل سؤالا غائبا عن حياتهم وليس عنصرا تكوينيا من عناصرها الحيوية . ودليل ذلك يسير جدا، نلمسه في ندرة كتاباتهم ورؤاهم التي تشغل نفسها بسؤال المستقبل، وذلك في مقابل الوفرة الوافرة من الكتابات والخطابات والممارسات المهمومة بسؤال الماضي وحضوره الذي يتحول إلى ما يشبه حضور العلة الأولى أو المركز المطلق للحضور . والنتيجة هي قياس كل شيء على الماضي، والعودة بكل جديد إلى أصل يبرره من القديم، والنظر إلى التغيير في ريبة، وإلى التجدد بعين الاتهام .

في حين أنّ الثقافة التراثية ثقافة متنوعة لا ينبغي أن نأخذها في مظهرها السطحي، وعلينا نحن أبناء  القرن الحادي والعشرين ألا نتبنى هذا التراث بطريقة مطلقة، وإنما نتعقله في سياقه التاريخي، وكيف ظهر وانتهى في زمنه، ثم بعد ذلك نضيف إليه بحسب عصرنا وظروفه، وبرؤية عقلانية نقدية، وبذلك يصبح التراث قيمة متحركة، ويخرج عن إطار الجمود أو أن يكون مجرد ماضٍ .

كما أنّ العلاقة بين القومية العربية والإسلام علاقة متشابكة ومعقدة إلى أقصى حد، إذ تختلف هذه العلاقة عن علاقة أي دين بأية قومية، وقد زادت الهجمة الاستعمارية الغربية من حجم التداخل بين العروبة والإسلام، إذ لم تقتصر على الجانب المادي فقط، بل بلغت الجانب الروحي للشعوب العربية أيضا، من خلال هجومها على مقدساتها وقيمها الدينية . لذلك فإنّ هذه الشعوب استعانت بكل قواها، بما في ذلك قوة الدين، لأنها كانت تحس أنّ الغرب يستهدف وجودها وحضارتها ودينها .

وإزاء هذه الخصوصية والتعقيد بين العروبة والإسلام يمكن أن تتحدد علاقة أكثر صحة وأكثر دقة بينهما، بالاستناد إلى ما يلي :

(أ) ـ العلمانية، بمعنى فصل الدين عن الدولة، وليس العداء بينهما، أساس جوهري في قيام الدولة، وفي علاقة المواطنين بها، بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية أو المذهبية أو القومية .

(ب) ـ المواطنون متساوون، ولا يجوز التمييز بين مواطن وآخر بسبب الانتماء الديني أو الطائفي أو القومي، وتولي الوظائف العامة لا يحدده سوى الولاء للوطن والكفاءة .

(ج) ـ الإسلام جزء أساسي في تكوين تراث الأمة العربية، وقد كان لهذا التراث تأثير هام في إضفاء ملامح وخصائص معينة على الشعوب العربية تميزها عن غيرها من الشعوب .

(د) ـ الحركات الدينية المتطرفة، حركات تعصب وانقسام في المجتمع، ولذلك لا يجوز أن تقوم على هذا الأساس في إطار العمل السياسي .

وفي زمن العولمة، فإنّ طبيعة المخاطر المهددة للثقافة العربية لا تتعلق بعمليات العولمة وتداعياتها الثقافية والسياسية والاجتماعية، بقدر ما تتعلق بمدى قدرتها على تجاوز أزمتها، خاصة ما يتعلق منها بالتنمية الشاملة وتوسيع إطار الديمقراطية، وتعزيز مؤسسات المجتمع المدني، وتفعيل قيم الحوار والتعددية، وقبول الرأي والرأي الآخر، وتوفير حرية البحث العلمي، وإنشاء منظومة تربوية تقوم على تأهيل وإعداد كوادر تعليم عالية المهارات، واحترام عقل المتلقي، وتوفير وسائل تمكينه من الاستيعاب الناقد للمعلومات والآراء وإبداع الأفكار، واختصار الزمن في مناهجنا التعليمية، وإطلاق العنان للطاقات الشابة في كل المجالات لكي تفكر وتبدع وتعزز ثقتها بإمكاناتها .

إنّ حضور سؤال المستقبل في أية ثقافة هو دليل حيويتها، على حد تعبير الأستاذ جابر عصفور، فبقدر حضوره في تكوينها  تتحدد قابليتها للتطور، وقدرتها على التقدم، ورغبتها في الإبداع الذاتي . إنّ الوعي المستقبلي يقيس على الحاضر في حركته إلى المستقبل، ولا ينشغل بالماضي إلا بوصفه عنصرا من عناصر الحاضر الذي يقبل التحول والتطور والمساءلة . وسؤال المستقبل عنصر تكويني في هذا الوعي وعلامة عليه، سواء في حرصه على الارتقاء بالإنسان من مستوى الضرورة إلى مستوى الحرية، أو الانتقال بالمجتمع من التأخر إلى التقـدم .

وهكذا، يبدو واضحا أننا أحوج ما نكون إلى إعادة صياغة الخصوصية الثقافية العربية، بمعنى أننا في أمس الحاجة إلى عملية إحياء ثقافي . فالثقافة العربية الراهنة تمر في مرحلة انحطاط وردة واضحين، فهناك تراجع عن الفكر العلمي لفائدة الفكر الخرافي، وهناك استفحال ظاهرة الخطاب الماضوي الذي يجهد في محاولة إرجاع العالم العربي إلى العصور المظلمة، ويحفّزه على التشبث بمرجعية ماضوية، وكأن الماضي ينبغي أن يحكم الحاضر والمستقبل .

وإزاء ذلك يبدو أنّ الخطوة الأولى في محاولة التعاطي مع أسئلة المستقبل تكمن في فهم لغة الخطاب العالمي المعاصر، التي يتم التعامل بها بين أطراف هذا العالم الجديد، وخاصة القوى الغربية المؤثرة، وبالتحديد فهم توجهات هذا العالم نحونا . إذ أنّ البحث في الاعتماد المتبادل بين العالم العربي والخارج هو بحث في المستقبل، وأية دراسة للمستقبل لا بد أن تنطلق من صورة العالم، ونماذج تطور النظام العالمي في أبعاده السياسية والاستراتيجية والاقتصادية والثقافية .

ومن جهة المنظور، لا يخفى أنّ الدراسات المستقبلية ليست جديدة، ولكنها تشهد اليوم ازدهارا واضحا يستقطب اهتمام المفكرين والمنظرين الاستراتيجيين . والرؤى المستقبلية لا يمكن إلا أن تكون تعددية، بمعنى أنها تتغذى من جميع فروع المعرفة بقدر ما تنفتح على جميع وجوه الحياة، كما تتجلى في العلوم الاجتماعية، أو في ميدان التاريخ والحضارة، أو في مجال الفلسفة والأخلاق، أو في ميادين الفن والأدب، أو في علوم الاقتصاد والمال، أو في الدراسات السياسية والاستراتيجية، أو في العلوم الطبيعية والبيئية، أو علوم الوسائط والاتصـال .

وهكذا فالتفكير من منظور مستقبلي يتوقف على العمل بعقل تواصلي، من هنا تتبلور اليوم شبكة جديدة من المفاهيم تتلاءم مع التحول الذي تشهده البشرية . بحيث تتركز الجهود الفكرية والعملية على تشكيل المجتمع الكوني التداولي، لمجابهة الداء الأعظم الذي يفتك بالبشرية، كما يتجسد في أنشطة العنف والأعمال البربرية التي تقوم بها قوات الجيش الإسرائيلي ضد أبناء الشعب العربي الفلسطيني . وهذا أحوج ما يحتاج إليه العرب : المساهمة في تنمية المجال التداولي وتوسيعه وإتقان لغته، خاصة ما يتعلق منه بـ " المجتمع المدني العالمي " ومنظماته غير الحكومية، لأنه الفاعل الجديد في العلاقات الدولية .

 وانطلاقا من المعطيات، الموصوفة أعلاه، ثمة أهمية كبرى لصياغة استراتيجية عربية للحوار والشراكة مع الثقافات الأخرى، مما يستدعي القيام بدور نقدي مزدوج :

(1) - الاستيعاب النقدي لفكر الآخر، بمعنى المتابعة الدقيقة للحوار الفكري العميق الذي يدور في مراكز التفكير العالمية، وفي العواصم الثقافية الكبرى .

(2) - النقد الذاتي للأنا العربية، بما يعنيه ذلك من ضرورة أن نمارس النقد الذاتي لممارساتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية في عقود مرحلة استقلالاتنا الوطنية على الأقل .

وهنا تبرز مهمة المثففين بالتوجه إلى الحداثة كهدف وككل متكامل، بما ينطوي عليه ذلك من تبنّي لسلطان العقل على النقل، والفصل بين الخطابين الديني والسياسي، والتخلي عن الشعارات والأوهام، وفهم اتجاه الحقبة التاريخية المعاصرة، والدعوة إلى التحديث السياسي باعتباره المدخل الحقيقي لأي تحديث آخر، والدفاع عن المواطنة التي قوامها المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات، والتمسك باحترام الحق في الاختلاف انطلاقا من نسبية المعتقدات والقناعات حسب قول المفكر الجزائري مالك بن نبي  " رأينا صواب يحتمل الخطأ ورأيهم خطأ يحتمل الصواب " .

ومما لا شك فيه أنّ عصر الحداثة لم ينغلق في نمط نهائي، بل هو في تطور متواصل، بهدف الإجابة على التحديات التي تواجهها المجتمعات البشرية، عبر عقلانيته النقدية . فهو العصر الذي حققت البشرية فيه أثمن مكاسبها وأعظم إنجازاتها في المجالات السياسية والاجتماعية والمعرفية .

وللخروج من الحالة الماضوية الغالبة للثقافة العربية، خاصة في ظل ثقافة العولمة، لا بد من التأكيد على مجموعة جوانب مترابطة للتغيير الثقافي، الذي يمكّننا من القطيعة مع التأخر والانطلاق إلى مسارات النمو والتنمية الذاتية، والتحرر من المحنة العربية :

(1) - ثقافة الدور أو الواجب الحضاري، أي إحياء فكرة الإعمار التي هي من أهم الأرصدة الثقافية للحضارة العربية - الإسلامية، بما هي واجب الإنسان في الكون . خاصة وأنّ القول قد حل محل الفعل في أداء رسالة الدور الحضاري في ثقافتنا العربية، حين اطمأن العرب إلى دورهم في الماضي، فعكفوا على تمجيده، دون الإضافة إليه .

(2) - ثقافة الامتياز والإنجاز، إذ أنّ الفائزين في المنافسة الحضارية هم من يسعون لتحقيق أعلى معدلات وأرقى مستويات الأداء في مجالات الحضارة المختلفة .

(3) - الانفتاح والمبادرة الإيجابية، حيث أنّ الانكماش واتخاذ موقف الدفاع حيال ما يسميه البعض بـ " الغزو الثقافي " هو استراتيجية بائسة وفاشلة تماما، فلم تعد الاستراتيجيات الدفاعية والفصامية قادرة على إنقاذ الذات الحضارية من الهزيمة أو التبعثر، وإنما صار الأمل الحقيقي في الصمود رهنا بالتعلم واستيعاب وإتقان ما لدى الآخرين من رصيد المعارف وفنون الإنتاج، ثم في الثقة بالذات والشعور بالواجب الحضاري، وإصلاح شؤوننا الداخلية بعدما فسدت وتدهورت بدءا من أنظمة الحكم ومرورا بنظام الجامعات ومواقع الإنتاج والخدمات .

(4) – المؤسساتية، إذ تحتاج الثقافة العربية احتياجا أساسيا وعميقا لامتصاص واستيعاب أهم منجزات الحداثة وهي المأسسة . بما تعنيه من تمييز الخط الفاصل بين الشخصي والعام، وخاصة فيما يتعلق بالدور، ولكن أيضا فيما يتعلق بالملكية والسلطة . كما تعني شيئا من الاتصال والتراكم والديمومة في أداء الوظائف .

(5) - التصحيح المستمر والنظر للمستقبل، فبسبب المساحة المهيمنة للمطلقات، والتعلق الشديد بالماضي، لا يحتل المستقبل المساحة الجديرة به في الثقافة العربية، فالمستقبل " ليس سوى مجرد استمرار للماضي، بل أنّ أفضل مستقبل هو ما يتقيد بأفضل ما في الماضي "، وكأن الزمن لا يفعل سوى إعادة إنتاج نفسه في نموذج مثالي سرمدي مطلق الصلاحية والحضور .

ولعل التحدي الأكبر الذي يستوجب على المجتمعات العربية مواجهته هو التحكم في نقاط ضعفها نفسها وفي مقدمتها نظمها السياسية، ومنظوماتها الاقتصادية والأمنية والإدارية والاجتماعية والثقافية، واكتشاف هذه النقاط وإدراك النقائص والسعي إلى معالجتها . هذه هي الخطوة الأولى نحو تكوين الفاعل التاريخي القادر على تحديد أهداف وبلورة استراتيجيات، والدخول في تنافس أو تفاهم مع الأطراف الدولية الأخرى . فلا أمل اليوم لطرف في التأثير على مصيره الخاص إلا إذا نجح في أن يكون شريكا مع الآخرين في التعاطي الإيجابي مع التحديات العالمية، فالمشاكل التي يعاني منها هي نفسها التي تعاني منها بقية المجتمعات، ولا مجال لبلورة حلول ناجعة لها إلا من خلال منظورات إقليمية وعالمية .

تونس في 4/12/2004                      الدكتور عبدالله تركماني

                                        كاتب وباحث سوري مقيم في تونس

 

(*) – في الأصل ورقة قدمت – بالنيابة – في إطار الندوة التي أشرفت عليها " مؤسسة الشجرة للذاكرة الفلسطينية " في المركز الثقافي العربي بمخيم اليرموك - دمشق في الفترة ما بين 6 و 9 ديسمبر/كانون الأول 2004 ضمن محور " معوّقات الحداثة العربية والقضية الفلسطينية " .