المسلمون الأتراك والإسلاميون السوريون

    بقلم : علي شهابي

 

في سياق الحوار الدائر حول ديكتاتورية الحزب الديني أو ديموقراطيته، والذي اتسعت قليلاً دائرة أطرافه دون أن تبلغ مداها المنشود، أنهى الدكتور الغضبان مقالته "الإسلام والحرية الفردية" المنشورة في (كلنا شركاء) 2/ 11/ 2004 بالقول بأنه ينتظر بفارغ الصبر رأيي بوجهة نظره التي يرى أنه بيّن فيها كيف أن الإخوان المسلمين ليسوا ضد الحرية الفردية. وقد عبرت عن رأيي بذلك في مقالة وزّعها نفس الموقع بتاريخ 20/11 /2004 بعنوان "طوبى للكفار في ظل إسلام الإخوان". ولأن الدكتور الغضبان أو غيره لم يرد عليها، آثرت دعوته مجدداً إلى الحوار بهذه المقالة المتواضعة.

سبق وعبّرت في غير مكان عن فكرة مفادها "طالما أنه لا وجود لدين ديكتاتوري وآخر ديموقراطي، بل ثمة متدينون ديموقراطيون وآخرون ديكتاتوريون، لذا فالصراع في مجتمعنا يستعر بين المتدينين أنفسهم، بين الديموقراطيين والديكتاتوريين منهم. هذان هما طرفا الصراع في مجتمعنا. لكنّ الأحزاب الدينية لأنها ديكتاتورية، وتريد تكريس الديكتاتورية، ليس من مصلحتها حدوث هذا الصراع. ولأنها لا تستطيع منعه، نراها تحاول تشويهه بمحاولة تحويله إلى صراع بين المتدينين والكفار". هذا ما سبق وعبرت عنه. أما الجديد الذي رأيته فإن هذه الأحزاب وهي تسعى لهذه الغاية، تشويه الصراع، تلجأ إلى شتى الأساليب بما فيها "الغاية تبرر الوسيلة".

ليس فقط الدكتور الغضبان والسيد لؤي عبد الباقي، بل الكل تقريباً شنّف آذاننا وهو يطنب في الحديث عما فعلته الديموقراطية التركية باستيعابها الإسلاميين الأتراك في نسيجها، وبالتالي ما فعلوه بها لجهة تطويرها والارتقاء بالمجتمع التركي. وكيف نجح حزب العدالة والتنمية "الإسلامي" في ما لم تنجح به بعض الأحزاب العلمانية التركية طيلة ربع قرن. هذا ما يقولون ليبينوا مدى ديموقراطية الأحزاب الإسلامية، وكيف أن هذه الأحزاب عنصر خلاّق في تطوير الديموقراطية وقيادة المجتمع ككل على طريقها.

لاشك في أن حالة تركيا دليل دامغ على صحة ما يدّعون، لو أن حزب العدالة والتنمية إسلاميٌّ. لكنه ليس إسلامياً قط، بل علمانياً بامتياز. وكل من يتحدث عنه كحزب إسلامي إما جاهل أو واهم. ولتوضيح ذلك لابد من معاينة المجتمع التركي وحقيقة "حزب العدالة والتنمية" ودوره فيه. ومنعاً للتكرار، أحيل القارئ إلى مقال الدكتور عبد الله تركماني "جدل الإسلام والحداثة في التجربة التركية" المنشور في كلنا شركاء بتاريخ 26 كانون الأول 2004. 

تقدّر الإحصائيات نسبة المسيحيين في تركيا من 1ـ2%، وبالتالي فكل حزب جماهيري فيها غالبيته بالضرورة من المسلمين. وحزب هؤلاء المسلمين بالمحصلة إما أن يكون ديموقراطياً، أي علمانياً يستمد تشريعه من الحياة الاجتماعية ليقيم قانوناً مدنياً من نمط القوانين السائدة في البلدان الديموقراطية، أو إسلامياً يستمد تشريعه من الإسلام ليقيم قانوناً إسلامياً من نمط القوانين السائدة في البلدان التي تطبق الشريعة الإسلامية، أو تسعى لتطبيقها. وبما أن الدستور التركي يمنع تشكيل الأحزاب الدينية، فكل حزب علني فيها هو بالضرورة علماني وليس إسلامياً أو مسيحياً.

ولا يشذ عن هذه القاعدة حزب "العدالة والتنمية" الذي يشكل المسلمون غالبيته الساحقة. وتسمية هذه الأغلبية الساحقة بالمسلمين تعني أنهم مسلمين، تمييزاً لهم عن المسيحيين واليهود ليس إلاّ. إنهم مسلمون كمسلمي سوريا وغيرها من البلدان الإسلامية التي لا تحكمها سلطات أو أحزاب دينية: إنهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، بعضهم يصلي ويصوم والبعض الآخر لا، وبعضهم يسير على هدي الشريعة الإسلامية والبعض الآخر لا، وهكذا. فهذا المجتمع غالبيته من المسلمين، تماماً بالمعنى الذي نقول فيه إن الغالبية العظمى من طلاب الجامعة السورية مسلمين. وبنفس هذا المعنى تتم تسمية حزب "العدالة والتنمية" بحزب مسلم، لأنه فعلاً حزب مسلم.

وهذه التسمية تعني إنه مسلم وليس إسلامياً، والفرق واضح. إنه لا يطبق الشريعة الإسلامية، ولا يستمد المجتمع التركي في ظل حكومته أي قانون من الإسلام، وحتى أن الزواج فيه مدني وليس شرعياً. ليس هذا فحسب، بل إنه ضد تطبيق الشريعة الإسلامية. فالكل يعلم أن الآلاف خرجت في تركيا يوم 18 كانون الأول 2004 مطالبة بإلغاء قانون حظر الحجاب المفروض في الدوائر الرسمية وأماكن العمل والمدارس والجامعات، ولم يتجاوب هذا الحزب مع مطلبهم. هذا الموقف وحده كافٍ لإدراك مدى الجهل الكامن في تسميته إسلامياً.

يرجى ملاحظة أن التراجع عن قانون حظر الحجاب ضروري لاعتقادي بأنه يتناقض مع الديموقراطية، لكن هذا التراجع لا يؤسلم حزب "العدالة والتنمية" إلا بالقدر الذي يصير فيه حزبا العمال والمحافظين في بريطانيا والحزبان الجمهوري والديموقراطي في الولايات المتحدة إسلاميين، طالما أنهم لا يحظرون على المسلمات ارتداء الحجاب في بلديهما.

إنه حزب ديموقراطي في مجتمع غالبيته الساحقة من المسلمين. وتركيا المتخلفة أصلاً، حققت إنجازاتها العظيمة على كافة المستويات بفضل هؤلاء المسلمين قبل وأثناء وجود "حزب العدالة والتنمية" وحكومته، لتتابع هذه الإنجازات معهما وبفضلهما. فهذا الحزب العلماني ما كان يمكن أن يرى النور قط لولا تقبل المجتمع التركي للنهج العلماني في الحياة الاجتماعية، وما كان يمكن أن ينال هذه الأغلبية الانتخابية التي نالها لولا قناعة المسلمين الأتراك ببرنامجه الإصلاحي المنطلق من وضع تركيا الراهن، المبني على أساس فصل الدين عن الدولة، للسير بها قدماً نحو المزيد من التطور لبلوغ معايير الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. وهذه المعايير التي ليس من شأنها  التدخل في الاختلافات الثقافية والحضارية والقومية والدينية، من شأنها التدخل في اعتبار الدين أساس تشريع الحياة الاجتماعية. إنها ترفض هذا الأمر بالمطلق بالنسبة لدينها ودين غيرها لأن فرض تطبيق الدين على المجتمع، في أوروبا وغيرها، لابد أن يقود إلى إحدى أو كلتا الأصوليتين، المسيحية والإسلامية.   

بهذه القناعة وهذا المسار حافظ الشعب التركي على ثقافته الإسلامية، وبيّن بالملموس أنها قابلة للتجاوب والتفاعل مع روح العصر، ليكون أول مجتمع إسلامي تنتصر فيه العلمانية. وبديهي أن هذا الانتصار نصر لها وللإسلام معاً، وهزيمة لتضييق أفق الإسلام الذي يستند إليه الإسلاميون ويسعون لتكريسه باعتباره الإسلام، ولا إسلام غيره. هذا النصر كان بمثابة double kick: قلب المعادلة المغلوطة التي كانت سائدة في المجتمعات الإسلامية عن التناقض بين الإسلام والعلمانية. وأسبغ على الأتراك شرف كونهم أول شعب مسلم يبرهن عملياً، لكل من يفهم الإسلام فهماً مغلوطاً، أي لبعض الغربيين وليس لنا، على أن المجتمعات الإسلامية ليست ديكتاتورية لأنها تدين بالإسلام، بل إن الديكتاتورية هي السمة العامة للمسلمين لأنهم متخلفون. ولأنهم متخلفون يعكسون تخلفهم على الإسلام، فيصير بين أيديهم وعلى أيديهم ديناً متخلفاً، أي ديكتاتورياً وديناً للكذب والمراآة. 

لا شك في أن تركيا حققت إنجازاتها بفضل مجمل مقومات المجتمع التركي. ولعل إحدى أهم هذه المقومات سعة عقل المسلمين الأتراك وتنورهم، وانتهاجهم النهج العلماني في التعامل مع الحياة الدنيا وفي النظر إلى الآخرة. وهذا يعني أنهم ساروا على طريق تحقيق هذه الإنجازات، التي يتباهى بها إسلاميونا، بتهميش أحزابهم الإسلامية ولفظها لا بالسير خلفها. ولو ذهب إسلاميونا بأحزابهم إلى تركيا لاعتقلتهم حكومة حزب العدالة والتنمية وحاكمتهم بجرم تشكيل أحزاب إسلامية، لأنها ترى هذه الأحزاب تسئ إلى استمرار تطور تركيا

لمجرد أنها أحزاب دينية. ولهذا تمنع "حزب التحرير الإسلامي" من العمل السياسي فيها وتلاحق أعضاءه، وكذا حال "منظمة دولة الخلافة ICB-AFIB" و"منظمة الحركة الإسلامية" وغيرها من التنظيمات الإسلامية.

إذا كانت هذه حقيقة تركيا، وهي هذه، فلماذا يصر إسلاميونا بوجه خاص على الإشادة بنهج "حزب العدالة والتنمية" في الوقت الذي يناقض نهجهم 180 درجة؟ هل يحاولون ركوب موجة نجاحات المسلمين الأتراك في تطوير بلدهم وإسلامهم لتحقيق مكسب سياسي من منطقه أن يقود إلى استمرار تخليف المجتمع السوري؟ قد تكون قلّة منهم كذلك، أما غالبيتهم فأعتقد أن سببين يدعوانهم لذلك:

1ـ الجهل بحقيقة هذه الأمور في تركيا: وهذا الجهل يغذّيه سوء الترجمة العربية للصحف الغربية، الذي لا أستبعد أن يكون بعضه مقصوداً. فالصحف الإنكليزية تستخدم صفتين للتعبير عن كلمة إسلامي يميز بينهما القارئ الغربي تمام التمييز. الأولى Islamic وتستخدم في سياق وصف تركيا كبلد إسلامي أو حزب العدالة والتنمية كحزب إسلامي. أما الثانية فـ Islamist وهي تستخدم بمعنى إسلامي أصولي، أي للتعبير عن الأحزاب الساعية لتطبيق الشريعة الإسلامية. فسوريا مثلاً بلد Islamic في حين أن الأحزاب الدينية فيها Islamist. ولهذا عندما تقول هذه الصحف "إن حزب العدالة والتنمية إسلامي" إنما تقول ذلك لتدل على أنه حزب من المسلمين، بالمعنى الذي أشرت إليه أعلاه. لكن قولها هذا، بهذه الترجمة، سرعان ما يفهمه المتلقي عندنا بأنه حزب إسلامي من النوع الأصولي. هذا الفهم مبرر عند المتلقي، أما المترجم، وكل من يلم بهذه اللغة من السياسيين أو المثقفين، فلا مبرر له قط.

هذا الفهم المغلوط لا أعتقد أن كل الإسلاميين يجهلونه، لكنهم يسكتون عنه ويتقصدون تكريسه طالما أنه يصب الماء في طاحونتهم. ولهذا، كرمى للحقيقة، أي كرمى للوضوح الذي يساعد على الفهم الذي يطوّر التفكير، أقترح ترجمة الصفة الأولى بـ "مسلم" والاحتفاظ بـ" إسلامي" للثانية. 

الوهم: وهذا الوهم يغذّيه دور الجيش التركي تاريخياً في فرض العلمانية على المجتمع، فالمادة 31 من الدستور تنص على أن الجيش حامي الدولة العلمانية، وبالتالي المخاض الطويل والعسير لولادة العلمانية وترعرعها. فالجيش الذي أجبر حزب "الرفاه"، حزب نجم الدين أربكان، على التنحي عندما حاول أن يسير باتجاه أسلمة المجتمع تدريجياً، هذا الجيش، والأدق دوره، يغذي هذا الوهم عند الإسلاميين لأن معظم قادة "حزب العدالة والتنمية" كانوا أعضاء في ذاك الحزب أو في حزب "الفضيلة" الذي شكله أربكان بعدما حظرت المحكمة حزبه. هذه الحقيقة التاريخية تدفع إسلاميينا إلى الاعتقاد بأن حزب "العدالة والتنمية" إسلامي لكنه مضطر لمسايرة الجيش ريثما تسنح له الظروف كي يطبق إسلام إسلاميينا، وهذا هو الوهم.

إنه الوهم عينه لأن هذا الحزب هو الذي يقود تركيا نحو الاندماج بالاتحاد الأوروبي، وهو المستميت لتحقيق هذا الهدف. وهو من أكثر العناصر فاعلية في بناء المؤسسات التركية على أسس حديثة من النمط الأوروبي، وهذا بالضبط ما كان يعتقد بعض الأوروبيين والأمريكيين أن تركيا عاجزة عن القيام به لتصورهم أن الإسلام يتناقض وهذه المؤسسات. وقد أثبت المسلمون الأتراك العكس، فهل سيتعلم إسلاميونا أصول الإسلام وحقيقة جوهره من المسلمين الأتراك؟

لقد عرف الأتراك الإسلام من خلال العرب، وهاهم يرتقون بالإسلام إلى ذرىً يصر إسلاميونا على الوقوف عند سفوح جبالها. فهل سيكف إسلاميونا عن إسلاميتهم ليعودوا مسلمين يبزون المسلمين الأتراك في رقي إسلامهم؟ نرنو إلى هذا اليوم لئلا تصير حالهم كحال الإسلاميين الأتراك طالما أن معظم متدينينا، لا المسلمين فقط، بازدرائهم للتزمت الديني وأنفتهم منه، إنما يحلقون عالياً مع الأتراك. عسى أن يتحول هذا السؤال من "هل" إلى "متى" لأن التاريخ قد يتكرر في مثل هذه الأحوال، فهل سيتكرر؟

                                                                                                                

                                                                                                        

دمشق 1 كانون الثاني 2005